يمكن وصف العام 2009 في لبنان بأنه «عام التوافق السياسي»، الذي أنتجه التقارب السعودي السوري وتوج بلقاء رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بالرئيس السوري بشار الأسد في دمشق بعد قطيعة دامت قرابة 5 سنوات منذ اغتيال والده، رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري بانفجار في بيروت، واتهام دمشق بالوقوف وراء عملية الاغتيال.

وأنهى التقارب السوري السعودي أربع سنوات ونصف من الصراعات السياسية الحادة والاضطرابات الأمنية في لبنان وأدخله في حالة هدوء سياسي، يتوقع مراقبون أن تمتد حتى الانتخابات النيابية في العام 2013، فيما يتخوف بعضهم من تطورات إقليمية ومحلية تعيد خلط الأوراق مجدداً.

وبعد ستة أشهر من الانتخابات النيابية، التي حقق فيها فريق «14 آذار» وحلفاؤه فوزاً غير متوقعاً، حصل انفراج عكسه التقارب السوري- السعودي الذي تُوج بقمة بين الملك عبد الله بن عبدالعزيز والرئيس السوري على هامش مشاركة الأخير في افتتاح جامعة «الملك عبدالله للعلوم التقنية» في سبتمبر الماضي، تبعتها قمة ثانية لدى زيارة العاهل السعودي إلى دمشق في أكتوبر الماضي.

وكان من نتيجة هذا التقارب تأليف زعيم الأكثرية النيابية سعد الحريري (39 عاماً) حكومته الأولى، بعد مخاض عسير بين المعارضة والأكثرية وتجاذب على الحقائب والأسماء، جمعت الأطراف كافة، بما فيها حزب الله والزعيم المسيحي القوي ميشال عون.

ويتوقع مراقبون أن يمتد عمر هذه الحكومة حتى نهاية ولاية المجلس النيابي الحالي في العام 2013، إلا إذا حدثت تطورات محلية أو إقليمية غير متوقعة. وربما كان التحدي الأكبر والمهمة الأصعب أمام الحريري هي زيارته الأولى إلى دمشق في 19 و20 ديسمبر، حيث استقبل بحفاوة من الأسد الذي طالما اتهم، هو وقيادات «الأكثرية النيابية»، نظامه بالوقوف وراء اغتيال والده.

وشهد هذا العام بداية جدال، قد يطول، بشأن ملفات عدة أبرزها «الديمقراطية التوافقية»، التي تقول المعارضة ان لبنان، وبحسب تفسيرها لدستوره، لا يمكن أن يُحكم إلا بالتوافق بين طوائفه وأحزابه، إلى حين إلغاء الطائفية السياسية واعتماد قانون انتخابي يعتمد النسبية.

إلا أن بعض قياديي «الأكثرية»، التي رضخت لهذا التفسير المُعارض وقبلت بتشكيل «حكومة وحدة وطنية»، يرون أن هذا التفسير للدستور، الذي عدل في اتفاق الطائف عام 1989 حين اجتمع النواب في مصيف الطائف السعودي، هو «بدعة»، وأن الديمقراطية، كما اتفق عليها بين جميع المشرّعين هي حكم الأكثرية التي تفوز بالانتخابات، فيما على المعارضة الرضوخ للنتائج ومراقبة أعمال الحكومة ومحاسبتها.

والى جانب الجدل الدائر بشأن «الديمقرطية التوافقية»، فتح رئيس مجلس النواب نبيه بري «الملف المزمن» في لبنان، والمتمثل ب«الطائفية السياسية»، وذلك من خلال دعوته إلى تشكيل اللجنة التي نص عليها اتفاق الطائف لدرس السبل الآيلة إلى إلغاء النظام الطائفي في لبنان والمعمول به منذ الاستقلال، والذي يقضي، بحسب العرف، بأن تكون رئاسة الجمهورية للمسيحيين الموارنة، ورئاسة البرلمان للمسلمين الشيعة، ورئاسة الحكومة للمسلمين السنة.

ويأتي هذا التوزيع مراعاة للدستور الذي وُضع إبان الانتداب الفرنسي في العام 1926، والذي يدعو لمراعاة التوزيع الطائفي في الوظائف، وإن ربط ذلك بحالة ظرفية مؤقتة. لكن طرح بري جوبه برفض معظم القيادات المسيحية، بما فيها حلفاؤه المسيحيون في فريق الأقلية النيابية، إذ طالبت بإلغاء الطائفية من «النفوس قبل النصوص».

ومع اقتراب انتهاء العام 2009 عادت قضية اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 إلى الواجهة وعاد اغتيال الحريري إلى النقاش السياسي مجدداً، من خلال الجدال الدائر بشأن شهود «زور» يقول اللواء المتقاعد جميل السيد، وهو واحد من أربعة من كبار الضباط أمضوا في السجن نحو أربع سنوات بسبب «شبهة» تورطهم بعملية الاغتيال، إن هؤلاء الشهود كانوا وراء توقيفه مع زملائه. ورفع اللواء السيد، الذي كان مديرا عاما للأمن العام، دعوى أمام القضاء السوري ضد هؤلاء الشهود، وبينهم من يحمل الجنسية السورية.

وأثارت هذه الدعوى ردود فعل غاضبة من سياسيين ينتمون إلى الأكثرية النيابية، مع تساؤلات بشأن توقيت الدعوى المتزامن مع انفتاح الحريري الابن على سوريا، التي سبق وأن تسلم سفيرها مهامه في لبنان بنهاية مايو الماضي، ضمن خطوة إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، هي الأولى منذ استقلال لبنان في العام 1943.

ويرى النائب في كتلة رئيس الحكومة النيابية، عمار حوري، أن 2009 عام «ايجابي» بالنسبة للبنان. مستشهدا بإجراء الانتخابات النيابية وتشكيل الحكومة. واعتبر حوري انه في العام 2009 تم انجاز «استحقاقات ديمقراطية ودستورية مهدت لمرحلة مقبلة تعد بالخير وبآفاق أفضل».

لكن المعارض اللبناني المستقل الوزير الأسبق ألبير منصور يعتقد أن تطورات هذا العام أسست لهدنة طويلة قد تمتد حتى نهاية عمر مجلس النواب، نتيجة تعليق ما وصفه ب«المشروع الأميركي-الإسرائيلي» بالنسبة إلى لبنان. وكل ما يتمناه اللبنانيون ألا يقعوا في العام 2010 مجدداً ضحية التجاذبات الإقليمية أو يدفعون ثمن أي تسوية في المنطقة.