على الرغم من أن المرشحين الرئاسيين الأميركيين السابقين حصلوا تقليدياً على نسبة كبيرة من أصوات المقترعين، فمن الإنصاف القول إنه لا يوجد رئيس حديث وصل المكتب البيضاوي بمشاعر فياضة وحماس كبير وعواطف جياشة أكثر من الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما.

ويشعر مؤيدوه أن هذه الإنتخابات هي معلم تاريخي ليس لأنه من أصول أميركية ـ إفريقية فحسب، ولكن أيضاً لأنه وعد بنمط جديد من الرئاسة. ويعتقدون أن شعاره الإنتخابي المطالب بالتغيير الفعال كان رائعاً في الواقع.

ولم يمض وقت طويل حتى ظهر التضليل والخداع، وخصوصاً بين اليساريين الذين كانوا من أشد المعجبين بالرئيس الأميركي. لقد كانوا يتوقعون رئاسة بقوة دفع كاملة، وإلغاء كامل لأفعال الرئيس السابق جورج بوش، لكنهم عوضا عن ذلك وجدوا رئيسا هيابا وجباناً رعديداً.

وثمة أمر مهم تفتقر إليه الإدارة الأميركية في الوقت الحالي وهو العواطف الجياشة.

فمن الصعب تذكر أن أية رئاسة أميركية خالية من العواطف كالرئاسة الحالية، وهي رئاسة لا تضع أية علامات فارقة، ولا ترسم أية خطوط في الرمال، وليست لها مواقف محددة. وهي تقدم أكثر من التنازلات نفسها. وببساطة فإن أوباما يفتقد جينة العواطف الرقيقة.

لقد قدم رؤساء آخرون تنازلات دون أن يتكبدوا عناء الحنق الشديد عليهم، كما حصل مع الرئيس الراحل جون كنيدي. لكن أوباما يتصرف كأنه سليمان الحكيم الذي عرض خياراً صعباً لشطر الطفل إلى نصفين. ويبدي اوباما تعنتا تجاه الخيار العام فيما يتعلق بفاتورة الرعاية الصحية، ولكن إذا كان هناك نزاع بشأنها فليست هناك مشكلة بإطالة النقاش فيها.

لقد كان أوباما حازما في التأكيد أن على أميركا اتخاذ وسيلة أكثر مرونة لاكتساب كفاءة القوة العسكرية، ولكن عندما يطالب قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ماكريستال بدفع مزيد من القوات إلى هناك فليست هناك مشكلة. وليس غريبا أن لا يرى مؤيدو أوباما القدامى هذا كتغير توفيقي معقول.

وأوباما ليس أول شخص يساوي الذكاء برباطة الجأش والإتزان، وحتما هناك سبب وجيه له بعد 8 سنوات من التعصب الأيديولوجي، لكنه ربما يكون مخطئا، إذا كان يعتقد أن الأسباب الوجيهة للحرب تحقق الإنتصار.

والخلاصة أن أمام أوباما عمل كثيف لينجزه، وهو ذكي، وحاذق، ومنطقي، وفضولي، ومتزن، لكنه لم يكن يتصور أن أذكى شخص في البيت الأبيض لا يعني الكثير من الناحية السياسية، وحتما ليس أكثر الأشخاص انفعالاً.

فإذا لم يستطع العثور على شيء يرغب بالدفاع عنه وإثارة الجدل من حوله، مهما كانت عواقبه، فقد ينتهي به الحال إلى التحول إلى مدير تشريفات في أفضل الأحوال، ورئيس لفترة رئاسية واحدة في أسوأ الأحوال. والمحصلة أنه إذا لم يكن مهتما كثيرا بإجراء إصلاحات في الرعاية الصحية، أو إصدار تشريعات تتعلق بالتغير المناخي، أو إصدار مرسوم مالي، أو إجراء انسحاب للقوات الأميركية، فلماذا نهتم نحن؟

بقلم: نيل غابلر