شهدت موريتانيا خلال العام 2009 العديد من الأحداث والأزمات السياسية والاقتصادية، وعرفت اختراقات أمنية مثّل بعضها سوابق لم تشهد مثلها موريتانيا من قبل، بينما حققت بعض الإنجازات والنجاحات السياسية والدبلوماسية، وإن رأى البعض أنها نجاحات جزئية لا تزال في حاجة إلى المزيد من الجهد والمثابرة.

ومثلت الزيارة الرسمية التي قام بها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مطلع نوفمبر الماضي، أهم إنجاز لموريتانيا على المستوى الدبلوماسي منذ سنوات عديدة. فلأول مرة تقوم شخصية من دولة الإمارات على هذا المستوى الرفيع، بزيارة إلى موريتانيا، بعد الزيارة التاريخية التي قام بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، إلى موريتانيا العام 1975.

وجاءت زيارة سمو الشيخ عبدالله بن زايد بعد أن خرجت موريتانيا من أزمة سياسية عميقة كادت تعصف بها إثر الإطاحة بالرئيس السابق سيد محمد ولد الشيخ عبدالله في السادس من أغسطس 2008 واستمرت شهورا طويلة، إلى أن تم التوصل إلى «اتفاق داكار» الذي تعثر كثيرا قبل أن يتم توقيعه في 4 يونيو 2009 ممهدا لانتخابات رئاسية في 18 يوليو التالي فاز فيها الجنرال السابق محمد ولد عبدالعزيز.

ومنذ توليه السلطة على رأس المجلس العسكري الذي حكم موريتانيا في أغسطس 2008، وأثناء حملته الانتخابية للرئاسة دأب ولد عبدالعزيز على المناداة بالحرب على الفساد الذي أنهك البلاد طوال ما يزيد على ربع قرن وأوصلها إلى حافة الهاوية.

وفور انتخابه وتسلمه لرئاسة الجمهورية رسميا، سارع الرئيس المنتخب إلى اتخاذ العديد من الإجراءات وقرارات العزل والإقالة لمسؤولين على مختلف المستويات الإدارية والسياسية، في إطار «حرب الفساد»، إضافة إلى بعض الاعتقالات بتهم نهب المال العام والكسب غير المشروع. وبلغت هذه الحملة ذروتها في الثالث من ديسمبر، حين تم اعتقال ثلاثة من أكبر رجال الأعمال الموريتانيين، بتهم تتعلق بالحصول على أموال من البنك المركزي بطرق غير قانونية.

ومع أن الغالبية العظمى، إن لم يكن الشعب الموريتاني كله، يساندون مكافحة الفساد المستشري، ويطالبون بإعادة بناء الدولة على أسس سليمة واستعادة هيبتها المفقودة، إلا أن هناك من يخشون من المبالغة في هذه الحملة إلى الحد الذي قد يأتي بنتائج عكسية على اقتصاد البلاد المتهالك ونسيجها الاجتماعي الهش، ما لم يتم التعاطي مع قضية الفساد من مختلف جوانبها، بقدر كبير من الحنكة والحكمة.

وتعرضت موريتانيا لعملية انتحارية في أغسطس الماضي، هي الأولى من نوعها في البلاد، ومع أنها لم تسفر إلا عن مصرع منفذها وإصابة شخصين إصابات بسيطة، إلا أن حدوثها في حد ذاته ووسط العاصمة قرب السفارة الفرنسية، مؤشر على وجود ثغرات أمنية عميقة وخطيرة، وتأكيد إضافي على أن موريتانيا أصبحت هدفا مباشرا للجريمة المنظمة والجماعات المسلحة المنتشرة في الفضاء الصحراوي الشاسع وشبه الخالي من السكان، في مثلث الحدود المالية الجزائرية الموريتانية.

وكان مواطن أميركي مقيم منذ سنوات، قد تعرض للاغتيال في أحد أحياء العاصمة أيضا قبل ذلك بنحو أسبوعين. وهذه سابقة أمنية أخرى، بعد اغتيال أربعة سياح فرنسيين نهاية 2007 في منطقة معزولة على طريق خارجي وسط البلاد.

ثم جاءت عملية اختطاف ثلاثة موظفي إغاثة إسبانيين في نوفمبر الماضي، قيل إن خاطفيهم نقلوهم عبر الحدود إلى جمهورية مالي المجاورة، لتزيد القلق الرسمي والشعبي حول هذه الاختراقات الأمنية الخطيرة، وغير المعهودة في بلد محافظ ما زال يعتبر «كرم الضيافة» مسألة شرف وكرامة على مستوى الفرد والمجتمع، أيا كان الضيف ومهما كانت الظروف!

ورغم الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة على كافة المستويات الأمنية والعسكرية، إلا أن طبيعة التضاريس الجغرافية الوعرة، ونقض الإمكانيات والخبرة في التعامل مع هذا النوع من العمليات الإجرامية والتنظيمات المسلحة المتنقلة عبر مناطق حدودية مترامية الأطراف وغير مؤمنة، كل ذلك يزيد حجم الأعباء الملقاة على عاتق الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية الموريتانية في مواجهة هذه التحديات.

عبد الله إسحاق