في الوقت الذي استنفرت الحكومة العراقية جهودها لاستقطاب عطاءات الشركات الأجنبية لاستثمار الحقول النفطية، فوجئت بجارتها الإيرانية تدخل قواتها تحت جنح الظلام لتحتل بئرا في حقل نفطي جنوبي البلاد، ما خلف ردود فعل متباينة بين محذر ومهدد ل«اعتداء طهران السافر على حرمة الأرض العراقية».

ويقول الخبير النفطي عبد الجبار الحلفي إن «التصرف الإيراني الأخير المتمثل بالاستيلاء على بئر الفكة كان محاولة لتثبيط عمل الشركات الأجنبية في تنفيذ مشاريعها بتطوير الحقول النفطية العراقية في إطار جولات التراخيص».

ويوضح أن «التجاوزات الايرانية تعطي إشارة واضحة ذات بعدين، الأول اقتصادي يهدف الى إحباط جولة التراخيص كي لا تتقدم الشركات الأجنبية للعمل بتطوير الحقول النفطية العراقية، والثاني هو بعد سياسي لجس نبض القوات الأميركية حول تدخلها من عدمه».

وكانت شركة نفط ميسان قد أشارت مرارا في أوقات سابقة إلى وجود «مضايقات» من الجانب الإيراني لها، خاصة وان حقل الفكة، الذي تم اكتشافه أواسط السبعينات وتم حفره من قبل شركة النفط الوطنية العراقية النفطي، يضم احتياطيا يقدر بملياري برميل.

من جهته، وصف مركز الاعلام الاقتصادي سيطرة قوات ايرانية على البئر بأنه «سيعطي إشارات سلبية للشركات النفطية المستثمرة»، ويشكك في مصداقية الضمانات الامنية والتطمينات التي قدمها رئيس الوزراء نوري المالكي حيال ذلك.

وعلى الجانب السياسي، فالقضية تبدو أكثر «سخونة» من جانبها الاقتصادي، اذ قال الناطق باسم ائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه المالكي، النائب حسن السنيد إن «الاعتداء الإيراني على حقل الفكة النفطي غير مبرر وجاء في الوقت الخاطئ». وأضاف ان «الأمن في المنطقة لا يتحمل مثل هكذا اعمال، لان المنظومة الامنية الاقليمية مازالت هشة. ونحن نرغب بعلاقات طبيعية مع دول الجوار بعيدا عن الاستفزازات».

أما رئيس كتلة التوافق النيابية ظافر العاني، فدعا الولايات المتحدة الى تقديم الدعم المباشر بالدفاع عن الأراضي العراقية ضد ما وصفه بالاعتداءات الايرانية. وقال إن «عدم ردع ايران دوليا يجعلها تتمادى في استعراض عضلاتها إقليميا».، مضيفا ان «تبعية بعض الاحزاب العراقية لطهران فتح شهيتها لابتلاع أراضينا وثرواتنا».

وكان الناطق باسم الحكومة علي الدباغ اعلن أن المجلس السياسي للأمن الوطني عقد اجتماعاً طارئاً برئاسة المالكي لبحث الموقف. فيما ان وزير الخارجية هوشيار زيباري بحث مع نظيره الايراني منوشهر متقي الازمة واتفقا على تشكيل لجنة فنية حدودية مشتركة لحسم الموقف. وأعلن رئيس حكومة إقليم كردستان العراق برهم صالح أمس، أن العراق وإيران اتفقتا على العودة إلى الوضع الذي كان سابقا قبل احتلال البئر.

بالمقابل، طالب مسؤول لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني حسين إبراهيم أول من أمس، العراق بمبلغ ألف مليار دولار كتعويض عن «خسائر الحرب» التي دار رحاها بين البلدين خلال أعوام 1980-1988. ويرى محللون سياسيون ان هذا التصرف الإيراني، سواء احتلال البئر أو التهديد بتحريك ملف التعويضات، يعد «بالون اختبار» لمدى جدية واشنطن في التعامل مع هكذا حدث مع قرب انسحاب قواتها من العراق، واستعداد طهران ل«ملء الفراغ» الذي ستتركه القوات الأميركية في هذا البلد، حسبما جاء على لسان الرئيس الإيراني احمدي نجاد.

كما يعتقد هؤلاء المحللون ان ايران تحاول تسجيل اية ردود فعل تصدر من القادة والسياسيين العراقيين وكذلك الشعب العراقي وتحليلها وأخذها بالحسبان في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي العسكري الكامل والمقرر نهاية العام 2011.

ويبدو ان القوات الأميركية لا تنوي استفزاز الإيرانيين في هذا الوقت الحساس وهي تستعد لترك هذا البلد الذي كان جيشه واحدا من اكبر جيوش العالم، وهو اليوم لا يملك طائرة مقاتلة واحدة يدافع بها عن أجوائه.

بغداد-«البيان»