هذه الحلقة تغلب على مسرحها شخصية هنري كيسنجر الذي سطع نجمه في حقبتي رئاسة ريتشارد نيكسون ثم جيرالد فورد: كانت شخصيته لا تخلو من ميول استعراضية لكن مع كفاءة مؤكدة وقدرة دينامية على الحركة في الشرق والغرب.
ويوضح المؤلف سلبيات كيسنجر وخاصة عدم اهتمامه بالشأن الاقتصادي رغم تداخله مع قضايا السياسة الدولية.
كما يلمح الكتاب إلى استراتيجية أميركا لمواجهة ارتفاع أسعار البترول في منتصف السبعينات وكانت تقضي أولا بتكتيل دول الغرب الصناعي ضد أوبك والعمل على انقسام صفوف الدول النامية، وهو ما أسفر من ناحية عن إنشاء مجموعة الدول السبع الكبرى وأيضا عن إنشاء برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من ناحية أخرى.
في عام 1974 اضطر الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الاستقالة في غمار قضية ووترغيت الشهيرة.. وتلاه في منصب رئاسة الدولة الأميركية نائبه جيرالد فورد الذي شرع بدوره في تشكيل فريقه الوزاري ومجموعة مساعديه ومستشاريه في البيت الأبيض.
وسط هذه الملابسات فقد هنري كسينغر «قبعته»! هكذا يعبر مؤلف الكتاب في سطور الفصل الرابع الذي يسجل فيه آراءه وأحكامه بشأن رئاسة فورد وتطور صناعة قرار السياسة الخارجية في تلك الحقبة من منتصف عقد السبعينات.
والمؤلف يشير بهذا إلى أن كسينغر.. ظل يحتفظ بقبعتين، بمعنى احتفاظه بمنصبين غاية في الأهمية بالنسبة لصنع السياسة الخارجية للولايات المتحدة:
- المنصب الأول هو مساعد رئيس الدولة لشؤون الأمن القومي.
- المنصب الثاني هو وزير خارجية أميركا.
ولم يكن كسينغر سعيدا بفقدانه منصب المستشار الرئاسي واقتصاره على منصب وزير الخارجية. وقد تولى منصب مستشار الأمن القومي الجنرال سكوكرفت الذي عاد إلى تولي نفس المنصب في ولاية الرئيس بوش الأب ويشهد له المحللون باقتدار الكفاءة وبالأسلوب الموضوعي في تناول القضايا أو الإدلاء بالتصريحات.
كان كسينغر شخصية استعراضية في المحل الأول. شعر بأنه سيفقد موقعه الأثير قرب مكتب الرئيس في البيت الأبيض. عمد إلى تدبيج استقالة يستبق بها الأحداث ويخلق بواسطتها هالات من رأي عام في صفوف المتعاطفين معه من موظفي الرئاسة.
وينقل المؤلف عن الجنرال سكوكرفت قوله: أن الرئيس فورد عمد إلى الفصل بين منصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية كي تتاح أكبر مساحة من الاختيارات المطروحة أمام رئيس الدولة.. وهي مسافة اتسعت منطقيا بحكم وجود شخصيتين بارزتين حول رئيس الدولة هما المستشار (سكوكرفت) وزير الخارجية (كسينغر).
مع ذلك فقد نلمح من بين سطور كتابنا سببا آخر لتحجيم سلطات ودور هنري كسينغر في تلك المرحلة. وخاصة بعد أن لعب دور النجم الساطع خلال تناوله قضايا الشرق الأوسط وتعامله مع الرئيس المصري أنور السادات بالذات.. الذي خلع عليه اللقب الشهير «عزيزي هنري». فضلا عن نجاح كسينغر في تحقيق إنجازه السياسي الأكبر وهو هندسة وإقامة العلاقات الطبيعية بين أميركا وجمهورية الصين الشعبية..
السبب الذي قد نرصده هو أن دوائر واشنطون العليا شعرت وقتها أن هنري كسينغر، بكل قدراته اللامعة في دنيا السياسة.. كان محدود الكفاءة في عالم الاقتصاد.. وفي هذا يقول نقاده:
كانت نسبة 70 في المئة من الدراسات الاقتصادية التي تعرض على مجلس الأمن القومي (حين كان كسينغر هو المسؤول رقم واحد) تأتي من وزارة الخزانة في حين لا تقدم وزارة الخارجية (وكان كسينغر وزيرها كما ألمحنا) سوى نسبة 30 في المائة من تلك البحوث الاقتصادية.
هيئة اقتصادية جديدة
فكرت رئاسة جيرالد فورد في معالجة هذا القصور.. فكان القرار الرئاسي بإنشاء هيئة جديدة منفصلة عن مجلس الأمن القومي ومسؤولة عن إسداء المشورة لرئيس الدولة في مجال الاقتصاد الذي تزداد أهميته مع تحولات الربع الأخير من القرن العشرين. وحملت هذه الهيئة الجديدة الاسم التالي: مجلس السياسات الاقتصادية. وعهد برئاسته إلى وزير الخزانة وقتها ويليام سايمون الذي كان يتميز عن أقرانه من وزراء المال بأنه كان شخصية قوية بقدر ما كان وزيرا مقتدرا في إدارة خزانة الدولة الأميركية، فضلا عن انفتاحه على ساحة الاقتصاد والتمويل على الصعيد العالمي (زار الشرق الأوسط أكثر من مرة وأبدى اهتماما خاصا بقضايا البترول العربي في أبعادها السياسية والاقتصادية على السواء).
مع هذا كله فلم يخل الأمر من مشاكل: بعضها كان ظاهرا تحت السطح وبعضها كان مستترا في الأعماق. فكانت مشاكل المواجهة (حتى لا نقول الصدام المكتوم) بين الشخصيتين البارزتين: كسينغر وزير الخارجية وسايمون وزير الخزانة.. وقد واجه كسينغر الأمر في البداية بموقف التجاهل التام لمجلس السياسات الاقتصادي الجديد.. لكنه ما لبث أن اضطر إلى التعامل.. مهما كان على مضض مع زميله وزير المال.. وخاصة بعد أن نشبت الأزمة الشهيرة التي اندلع أوارها مع الأسبوع الأول من تولي جيرالد فورد مقاليد الرئاسة الأولى في الولايات المتحدة.
كان ذلك كما يحدد المؤلف في يوم 17 أغسطس ,1974. وكانت الأزمة بالتحديد هي: زيادة أسعار البترول العالمية بمقدار 4 أضعاف في ذلك اليوم يقول المؤلف.. دخل وزير الخارجية كسينغر إلى مكتب الرئاسة البيضاوي الشهير يقول (ص 107): سيادة الرئيس.. علينا أن نلتمس طريقة لتحطيم احتكار البترول (على يد منظمة الأوبك) ولن تستطيع ذلك إلا بالتعاون مع المستهلكين الآخرين فمن يطيق أن تعمد أقطار لا يتعدى سكانها 40 مليون نسمة (يقصد منتجي النفط العالمي أيامها) إلى ابتزاز 800 مليون إنسان في الغرب الصناعي.
ويواصل مؤلفنا تحليله أو شهادته في هذه النقطة قائلا: كانت الأقطار الأوروبية تميل إلى استرضاء الأوبك.. لكن كسينغر كان يسعى إلى تعبئة موقف متضامن بين صنوف المستهلكين لمعادلة وزن منظمة منتجي البترول. وفي أغسطس 1975 اقترح الرئيس الفرنسي ديستان عقد اجتماع لبحث السياسة الاقتصادية (بين دول الغرب الصناعية) فضمت هذه القمة التي عقدت في رامبوييه في نوفمبر من ذلك العام رؤساء أكبر القوى الاقتصادية واقترح فورد (بناء على مشورة آلان جرينسبان رئيس البنك المركزي الأميركي فيما بعد) أن يصبح هذا المؤتمر مناسبة سنوية..
وهكذا نشأت مجموعة السبعة التي ضمت في الأساس أكبر قوى ودول اقتصادية صناعية في العالم.
وتلفت أنظارنا في هذه النقطة إشارة المؤلف.. وبحق.. إلى أن هذا التجمع، أو هذه الكتلة، وهي من دول الغرب في الأساس لم تكن اجتماعاتها لتقتصر على مناقشة الأمور الاقتصادية بل كانت تتعدى إلى تدارس قضايا السياسة والعلاقات الدولية سواء بسواء.
شق صفوف العالم الثالث
وكان طبيعيا كما يضيف المؤلف أن يجد هنري كسينغر في مثل هذه الاجتماعات ساحة أو محفلا لكي يصنع منه.. مع رئيسه جيرالد فورد.. كيانا أقرب إلى إدارة سياسية للديمقراطيات الغربية كانت الحاجة إليها ماسة سواء لتعزيز روح التضامن بين بلدان الغرب. بيد أن خطط كسينغر في التصدي لقضية أسعار نفط السبعينات كان لها عنصر ثان يوضحه المؤلف على النحو التالي:
كان العنصر الثاني في استراتيجية الولايات المتحدة يتمثل في العمل على انقسام العالم الثالث. لقد كانت الغالبية العظمى من الدول النامية.. بلدانا فقيرة وتفتقر أيضا إلى البترول ومن ثم كانت أشد معاناة من ارتفاع الأسعار.. ولكن كانوا يجذبونها إلى التوافق مع الأوبك تحت إغراء المعونات التي كانت تقدمها منظمة منتجي البترول وبحكم تضامن الأشقاء وفي ضوء أفكار جذرية كانت تدعو إلى نظام اقتصادي (دولي جديد) يمكن أن تمارس فيها الدول النامية سيطرتها على منتوجاتها من السلع الأولية والمواد الخام..
وكان كسينغر يتطلع إلى إقناع تلك الدول النامية بأن مصالحها إنما تكمن مع وجود أو استمرار النظام الاقتصادي العالمي الراهن بغير تغيير. وأيا كانت هذه الخطوات أو المبادرات فقد أسفر بعضها عن نتائج إيجابية منها إنشاء برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.
مع هذا كله فقد عانت رئاسة جيرالد فورد مما يصفه مؤلف كتابنا بآفة الضعف السياسي: لقد جاء فورد إلى سدة المنصب الأول في الولايات المتحدة بغير سابق إنذار.. لم يكن رئيسا منتخبا ولكنه تولى المنصب لكي يستكمل ولاية ريتشارد نيكسون الذي دفعته إلى الاستقالة المهينة في تصورنا لدوره في محاولة التغطية على انحرافات مساعديه خلال فضيحة ووتر جيت. والحق أن فورد جاء أيضا بعد رئيس قوي الشخصية..
واسع الخبرة فقد أمضى نيكسون 8 سنوات نائبا للرئيس أيزنهاور في البيت الأبيض.. وأصبح محنكا في مضمار السياسة الدولية وتعاطى بكفاءة لمصلحة بلاده مع الشرق الأوسط، هذا إضافة إلى نجاح إدارة نيكسون بفضل مهارة كسينغر أيضا في مبادرات تطبيع العلاقات بين واشنطون وبكين.
.. وجاء الممثل القديم
في كل حال دخل فورد سباق الترشيح من جانب حزبه الجمهوري في عام 1976 مع منافس قادم من ولاية كاليفورنيا، ولم يكن هذا المنافس سوى الممثل القديم رونالد ريغان الذي عمدت أجهزة دعايته الانتخابية إلى الاستهانة بإدارة زميله الجمهورية جيرالد فورد.. لماذا؟.. لأنها أوصلت أميركا (ص 110) إلى أن باتت تتعثر وراء منافسها التقليدي الاتحاد السوفييتي وخاصة في الميدان العسكري.
في هذا المضمار عمد (المرشح) ريغان إلى المطالبة بتصعيد الحشد العسكري ودعا فورد إلى رفض أي تفاهم مع موسكو وإلى إبقاء قناة «بنما» بوصفها ممتلكات خالصة لأميركا.
يعلق مؤلفنا قائلا: بفضل جاذبيته الشخصية.. استطاع رونالد ريغان أن يلمس وترا حساسا في الحزب الجمهوري وعلى مستوى الأمة الأميركية بشكل عام: فقد كان القوم قد سئموا شعور التشاؤم وانحطاط المعنويات.
وفي هذا الخصوص قال ريغان: في ظل كسينغر وفورد أصبحت امتنا رقم 2 في عالم يظل من الخطورة المهلكة المدمرة أن تشغل المركز الثاني في ترتيب الأمم. مع ذلك فقد كان من إيجابيات فورد على نحو ما يلمح مؤلف كتابنا أن اتخذ قرارا شجاعا في أبريل عام 1976 يقضي بتكليف كسينغر باتخاذ مبادرة دبلوماسية كبرى في الجنوب الأفريقي..
منطقة روديسيا بالذات التي كانت وقتها واقعة تحت حكم المستوطنين البيض الاستعماريين ولصالح التحول نحو حكم الأغلبية الأفريقية السوداء (وقد عرفت بعد ذلك باسمها الحالي زيمبابوي). والحق أن المستشارين السياسيين للرئيس فورد حذروه من هذه الخطوة بدعوى أنها سوف تضره في الانتخابات وخاصة في ولاية تكساس الأميركية.
وقد أضرته بالفعل في الولاية المذكورة وربما كلفته منصبه الرفيع. لكن فورد واصل تأييد وزير خارجيته كسينغر الذي كان يعمل على تنفيذ استراتيجية تقضي بتشجيع الاعتدال في أفريقيا وإبقائها بعيدا عن القوى الراديكالية الماركسية التي كانت منتعشة بالقارة السمراء في تلك الفترة.. لكن يحسب أيضا للرئيس جيرالد فورد أن أعلن قائلا: لست في معرض الحكم عما إذا كانت سياستنا هذه سوف ينجم عنها أثر طيب أو سيء. ولكن علينا في تصوري أن نتخذ هذه الخطوة لأنها تمثل الخط السليم الواجب علينا اتباعه.
المهم أن نجحت دعايات ريغان المنافس الجمهوري في تشويه صورة الرئيس الجمهوري أيضا جيرالد فورد.. لكن هذا النجاح ما لبث أن صب في قناة منافسهما الديمقراطي الذي دخل الساحة فجأة قادما من ولايات الجنوب في أميركا وكان اسمه جيمي كارتر.
