في عام 1981 تعرض حزب «عمل الشعب» الذي حكم سنغافورة لأمد طويل، لصدمة قوية حينما واجه أولى هزائمه في الإنتخابات، على الرغم أن المنافسة تركزت في دائرة انتخابية واحدة.

وسألت الدكتور جو كنغ سوي، وهو أحد المؤسسين الأصليين الثلاثة للحزب ومهندس معجزة الإقتصاد السنغافوري، عن سبب هزيمة حزبه فأجاب قائلا: لقد فشلنا لأننا لم نتخيل حتى إمكانية الفشل. والأطروحة البسيطة لهذه المقالة هي أن الاستراتيجية الأميركية قد تفشل أيضا إذا لم تجبر على تخيل إمكانية الفشل. والأزمة الكبيرة التي يواجهها المجتمع الأميركي الآن هي بصورة جزئية نتاج جهله احتمال مواجهة الفشل. وليس هذا مجرد تشخيص أقدمه عن ضغينة، فالمجتمعات حالها كحال الأفراد ترزح تحت وطأة المحبين غير المنتقدين أو المنتقدين غير المحبين لها. وأنا شخصيا أعتبر نفسي من المنتقدين المحبين للولايات المتحدة، وناقداً يريد من المجتمع الأميركي أن ينجح. وفي مقالة تحت عنوان «أميركا في عهد ما بعد البراءة: إعادة بناء الثقة بين أميركا والعالم»، نشرتها في عام 2005 كتبت أقول: لقد أحسن المجتمع الأميركي للعالم أكثر من أي مجتمع آخر، وإذا فشلت أميركا فسيعاني العالم جراء ذلك كثيراً. وأول فشل منهجي عانت منه أميركا هو اتخاذ القرار بصورة جماعية.

ولو ألقينا نظرة متفحصة إلى الوراء لمعرفة أصل الأزمة المالية الحالية، لدهشنا من معرفة أن المجتمع الأميركي قد وافق على الإفتراضات المستحيلة التي طرحها أباطرة الإقتصاد أمثال ألان غرينسبان و روبرت روبن، والقائلة إن الأسواق المالية غير المنظمة تولّد بصورة طبيعية نموا اقتصاديا وتخدم مصلحة الشعب. وفي عام 2003 طرح غرينسبان هذا السؤال: إن الزيادة الهائلة في حجم أسواق المشتقات المالية التي يتم التفاوض حولها مباشرة، ناجمة عن اسواق نعتبرها وسائل مفيدة جداً. والسؤال المطروح هو: هل يجب تنظيم هذه الأسواق؟ وكان جوابه أن الدولة يجب أن تكتفي بإصدار تشريع مصرفي مألوف لأن تلك التحويلات المالية للمشتقات تجري بين المحترفين. وباختصار إن أكثر شيء يأمله المضاربون الماليون هو تنظيم أنفسهم .

يبدو هذا البيان في غاية السخف ومجافيا للحقيقة، فهدف هؤلاء المحترفين الماليين دائما هو تعزيز ثرواتهم الشخصية، وليس خدمة المصالح العامة، لذلك لماذا تقبل المجتمع الأميركي هذا الكلام السخيف من غرينسبان؟ والجواب البسيط والمدهش هو أن معظم الأميركيين يفترضون أن بلادهم لديها سوق من الأفكار الغنية والحيوية يتم فيه تحدي كل هذه الأفكار. ومن المؤكد أن أميركا لديها وسائل إعلام حرة في أرجاء العالم وليس محرما الخوض في أي موضوع أو انتقاد أي شخص. لكن المشكلة تكمن في أن الإعتقاد أن المجتمع الأميركي يسمح بتحدي أية فكرة أدى إلى افتراض الأميركيين بأن كل فكرة يتم تحديها. وقد فشلوا في ملاحظة متى تم ختم أفكارهم بالنسبة لاتخاذ القرارات بصورة جماعية. ومرة أخرى أكرر القول إن الفشل يحدث حينما لا يتم تصوره.

اخفاقات أخرى

والفشل المنهجي الثاني يتمثل في إزالة فكرة المسؤولية الفردية. وهنا أيضا يكمن الخداع في العمل، لأن الأميركيين يعتقدون بصورة راسخة أن المجتمع يرتكز على مسؤولية من الثقافة الفردية، وليس على ثقافة الإستحقاق، ومثل الرفاهية الإجتماعية للدول الأوروبية، لا يستطيع الأميركيون معرفة كيف تم تقويض إجراءاتهم الفردية بدل تدعيم مجتمعهم. ويعتقد كثير منهم أنهم يقدمون مجتمعهم أكثر مما يأخذونه منه.

أما الفشل المنهجي الثالث للمجتمع الأميركي فيتمثل بفشله في رؤية كيف أدى التحرش بالهيمنة الأميركية إلى ايجاد كثير من المشكلات التي تواجهها الآن في الخارج. وخير مثال على ذلك هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

ويعتقد الأميركيون بفعل ذلك أنهم ضحايا أبرياء لهجوم شرير، ومع ذلك يميلون لتجاهل أن الوضع في أفغانستان هو من صنع سياسات الولايات المتحدة. وباختصار فإن الهيمنة التي اطلقتها واشنطن ارتدت عليها لتلدغها.

لماذا لا يدرك الأميركيون حقيقة ذلك؟ يعود السبب إلى أن كل التحليلات تقريباً التي قدمها مفكرون أميركيون ترتكز على الإفتراض أن المشاكل الأميركية مستوردة من الخارج، وأن أميركا تقدم الحلول لها فحسب.

ومع ذلك يرى العالم بوضوح كامل أن الهيمنة الأميركية هي التي أوجدت العديد من مشاكل العالم الرئيسية. والمشكلة أن المفكرين وصناع السياسة الأميركيين يغضون النظر عن تلك الحقيقة لأنهم لا يرون إلا أنفسهم كمرجع لكل شيء ولا يجيدون سوى كيل المديح لأنفسهم وفقدوا القدرة على الإستماع للآخرين لأنهم لا يتخيلون إمكانية تحقيق ما يصبو الآخرون إليه. ولكن إلى أن يقوموا بفتح آذانهم سوف تتواصل المشاكل الأميركية مع العالم.

ومن السهل أن تغير أميركا هذا المجرى لأن كثيراً من مشكلاتها لها جذور أساسية عميقة. ويسهل على الغرباء رؤية الفشل البنيوي الذي لحق بالحكم الأميركي في قصوره الإجتماعي وفي استجابته للعولمة لكن كثيراً من الأميركيين لا يزالون عاجزين عن رؤية ذلك.

وعندما يطلب من الأميركيين معرفة ما الذي يجعلهم فخورين بمجتمعهم فقد يشيرون إلى سماته الديمقراطية. وبدون شك لدى أميركا أنجح ديمقراطية في العالم، ومع ذلك يوجد بها أشد حكم في العالم فساداً، والسبب يعود إلى جهل كثير من الأميركيين واعتبارهم أن معظم هذا الفساد مشروع.

والتأثير الكامل لهذا الفساد هو أن مؤسسات الحكم الأميركية وعملياتها مصممة الآن لحماية المصالح الخاصة بدل مصالح الشعب. وكما كشفت الحقيقة المحضة، فقد تم الإستيلاء على الوكالات التنظيمية كلجنة الأمن وتبادل المعلومات، ولجنة التجارة المستقبلية للسلع، من قبل قطاعات يفترض أن تقتصر مهمتها على تنظيمها.

وعندما فتح الكونغرس المحفظة الحكومية لم تدرّ فائدتها إلا على المصالح الخاصة بدل المصالح العامة. ولا يدرك سوى عدد قليل من الأميركيين كيف أن المصالح الخاصة يمكن أن تقضي على مصالحهم الوطنية العامة.

وهناك فشل بنيوي أكبر قد يواجه الشعب الأميركي ويتمثل بانهيار تماسكه الإجتماعي. فالافتراض العام في الولايات المتحدة هو أن المجتمع الأميركي سيظل قويا ومتماسكا لأن لدى كل مواطن فرصة متكافئة في النجاح، ولم يكن هناك سوى استياء بسيط من تمكّن بيل غيتس أو سيرجي برن من جمع ثروات كبيرة.

حقائق مريرة

وتكمن خلف هذه الأمور حقائق مريرة: فواحد من كل خمسة أميركيين يعيش في فقر وواحد من بين كل ثلاثة عشر أميركيا يكون فقره مدقعا بصورة بالغة.

وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة الوفيات بين الأطفال السود والأطفال من أصل لاتيني قبل وصول أعمارهم إلى عام واحد، تضاهي ضعف نسبة وفيات الأطفال البيض. كما يواجه سكان أكثر من نصف مليون منزل أميركي الجوع وذلك بحسب ما تشير معطيات وزارة الزراعة الأميركية. ويتسم جهاز التعليم بعدم الفعالية وبعدم النزاهة بين الأفراد.

وفي إحصاء دولي حول نسبة الأمية في 57 دولة في العالم تبدو مهارة الصبية الأميركيين في التعليم في سن الخامسة عشرة متردية، حيث جاء ترتيبهم الرابع والعشرين في مادة الرياضيات، والسابع عشر في العلوم.

وليس مثيرا للدهشة معرفة أنه على الرغم من أن ترتيب الولايات المتحدة في الدخل القومي بين الأفراد هوالثاني، لكن ترتيبها في التطور الإنساني يأتي في المرتبة الثانية عشرة.

واليوم ثمة إشارة لخطر كبير يداهم الولايات المتحدة والعالم على حد سواء. فقد أخذ الشعب الأميركي يفقد الثقة في قدرته على التنافس مع العمالة الصينية والهندية. وفي كل يوم ينضم مزيد من السياسيين الأميركيين إلى أنصار مذهب الحمائية على الرغم من زعمهم بأنهم لا يحتاجون للحماية، وحتى النخبة المثقفة تراجعت عن دعمها للتجارة الحرة على الرغم من أنها كانت من أقوى المدافعين عنها في أحد الأوقات.

وفي الوقت الحالي، وهو من أحلك الأوقات العصيبة التي تواجه الولايات المتحدة منذ عقود، لا يجرؤ سوى قلة قليلة من الأميركيين على المجاهرة بحقيقة أن بلادهم لا يمكنها الإنسحاب من العولمة. وسوف تكون أميركا والعالم في أسوأ حال جراء ذلك. ولكن مع قيام رأسمال العولمة بابتكار هيمنة جديدة من الدمار الخلاّق والمبدع، يتعين على أميركا إعادة هيكلة اقتصادها ومجتمعها لكي تتمكن من التنافس. كما تحتاج إلى مواجهة سياستها غير الفعالة والمسرفة بشكل كبير في مجال الرعاية الصحية، علاوة على تدهور مستوى جهاز التعليم العام.

وفي النهاية على أميركا مواجهة فشلها الإقتصادي المتكررأيضا والتوقف عن الثناء عليه. وإذا لم تكن شركات السيارات «جنرال موتورز»، و«كرايسلر»، و«فورد» قادرة على التنافس، فمن غير المجدي حمايتها. وقد فشلت هي الأخرى لإنها لم تستطع تخيل الفشل.

معادلة صعبة لمواجهة مشكلات أميركا

كل مشكلة لها حل، هذه كانت على الدوام وجهة النظر الأميركية المتفائلة وهي تنطبق على الأوقات اليسيرة والعسيرة. لكن لا يوجد للمشكلات المؤلمة في الغالب حلولا غير مؤلمة. وهذا ينطبق على الأزمة الإقتصادية الحالية.

وللتعامل مع هذه الأزمة على الزعماء الأميركيين إضافة كلمة مهمة عندما يتحدثون لشعبهم ويتفوهون بالحقيقة الناصعة. وهذه الكلمة هي «التضحية». فلا يوجد حل للمشكلة الأميركية بدون تضحية. وتتيح أحدث الميزانيات الأميركية التي قدمها أوباما للكونغرس فرصة كبيرة للتغير.

فعوضا عن تجزئة الميزانية سعيا وراء الفوائد القليلة وتنميقها بشروط الفوائد الخاصة، لدى الكونغرس فرصة بالمساهمة في ايجاد خطة رشيدة لمساعدة الفقراء وتعزيز الرعاية الصحية الشاملة وخلق حوافز لدعم التنافس بين الأميركيين.

أدرك أن مثل هذه الميزانية الرشيدة غير قابلة للتخيل من قبل زمرة السياسيين الأميركيين وجهازهم السياسي الذي أصبح في أسوأ حال، ومثقلاً بالمصالح الخاصة لدرجة أنه أصبح أشبه بالقلب المريض.

وعندما يعاني أحد الأشخاص بانسداد في شريان القلب، يدرك أنه سيواجه جراحة كبيرة أو يصاب بنوبة قلبية خطيرة أو قاتلة قد تعود عليه بنتائج كارثية. ولا يتخيل السياسيون الأميركيون إمكانية انسداد شرياناتهم السياسية وأن ذلك قد يعرضهم لعواقب وخيمة.

وهذا دليل على أن المجتمع الأميركي لا يستطيع تخيل الفشل وإذا لم يستطع تخيله فإن الفشل قادم لا محالة. وفي هذه الحالة على كل سياسي أميركي الإعلان أن مصالح أميركا على المدى الطويل أهم من مستقبله السياسي.

وعلى الزعماء السياسيين مصارحة الشعب بالحقيقة. لقد حان الوقت لكي ينفق الأميركيون مقدارا أقل ويعملون بجد أكبر.

باحث متألق

كيشور محبوباني: هو عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية، وأحدث مؤلفاته التي نشرها في عام 2008: «نصف الكرة الآسيوي الجديد»، و«إنتقال القوى العالمية الذي لا يقاوم نحو الشرق». وله مقالات سايسية كثيرة يتابعها كبار السياسيين والنقاد في أرجاء العالم.

وفي مقالة له بعنوان «جرأة الأمل من أجل فلسطين» يقول محبوباني: في هذا العام ستخيم سحابة داكنة من الغم والهم على العالم، حيث ستتخبط مؤسسات الاقتصاد وتسقط الحكومات وتفلس الشركات.

ولكن الخطر الأعظم على الإطلاق يتلخص في الإحساس باليأس والعجز. ولمنع هذه النتيجة فإن الأمر يتطلب حل مشكلة ضخمة ومستعصية.

ومن شأن استكمال «جولة الدوحة» من محادثات التجارة العالمية أن يوفر مثل هذه الفرصة، لكن الفرصة الأفضل يوفرها حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

بقلم ـ كيشور محبوباني ـ ترجمة ـ عمر حرزالله