اعترف الرئيس أوباما بأن أداءه، حتى الآن، لم يكن عند حسن الظن. كان أقل من المرغوب والمطلوب. في تقييمه لوضعه، خلال مقابلة تلفزيونية عشية نهاية العام؛ أعطى نفسه درجة «ب». عزا ذلك إلى ثقل التركة التي ورثها. صحيح. منذ «الكساد الكبير»، في ثلاثينات القرن الماضي؛ لم يتسلّم رئيس أميركي من سلفه، ما تسلّمه هو من الرئيس بوش. كوارث تهدّ الجبال.

مع ذلك، ساهمت ممارسته في التعثّر. وربما كان لها الدور الأكبر في ذلك. فهي عجزت أن ترتقي إلى المستوى الذي تستوجبه الأزمات المطروحة ومعالجاتها. الرئيس أوباما تعاطي معها بحسابات سياسية ؟

انتخابية؛ تراعي فيها المعادلات والتوازنات. مقاربته حكمتها قواعد اللعبة التقليدية، من أخذ وعطاء وتراجع؛ سعياً وراء الحلول الوسط، التي لا يموت فيها الذئب ولا يفنى الغنم.

أي تعامل معها من ضمن أصول لعبة الرئاسة ومتطلباتها ومل تقتضيه من مرونة ومساومات. وبالتحديد تجاه الكونغرس ومعه. من حيث المبدأ، لا مأخذ في ذلك. فالرئيس لا يسعه الخروج عن هذه الخطوط، التقليدية في الحياة السياسية الأميركية.

لكن هذا في الأحوال العادية. الظروف غير الاعتيادية والمحفوفة بالمخاطر الكاسرة، التي يواجهها أوباما، تتطلب مقاربة أخرى، تقوم على إعطاء الأولوية لوضع الحلول والمخارج المناسبة، ثم العمل مع الإصرار على تحويلها إلى سياسات ملموسة؛ بصرف النظر عن مردودها السياسي. أو حتى عن حجم الاعتراض السياسي عليها. نفس الدور القيادي، الذي سبق ولعبه رؤساء كانوا في ظروف مشابهة؛ مثل الرئيس فرانكلين روزفلت، زمن الكساد.

السياسات التي تكسر المألوف، دائماً كان تسويقها صعب وتمريرها أصعب؛ في نظام معقد تحكمه مصالح عاتية، كالنظام الأميركي. لكنها معركة لا خيار لمن يلعب الدور القيادي، في الأوقات الكبيرة، من النهوض بها. حتى اللحظة، لم يفعل أوباما. الفرصة ما زالت أمامه سانحة. ولأنه لم يفعل، دفع الثمن.

ترك للكونغرس أن يخطف المبادرة منه ويتحكم بالأجندة. والمفارقة أن حزب الرئيس يسيطر على مجلسي الكونغرس. وبالذات على مجلس الشيوخ؛ وبأكثرية الستين صوتاً المطلوبة لمنع الوقوف بأي تشريع يريده الرئيس وحزبه. ومع ذلك، تعذر على الرئيس تمرير أي واحد من مشاريعه الرئيسية.

قانون الضمان الصحي، الذي يشكل العمود الفقري لسياسته الداخلية، لا يزال يراوح مكانه. بل هو مهدّد بالتفريغ وفي مجلس الشيوخ بالذات. كذلك الأمر فيما يتعلّق برزمة الضوابط المالية التي وضعتها الإدارة، كصمام أمان يحول دون حصول انهيارات مصرفية ومالية، كالتي تسببت بأزمة العام الماضي. أيضاً هو مهدّد في مجلس الشيوخ.

وهكذا هي الحال وأكثر، على صعيد سياسته الخارجية. كل ما وعد به، مجمّد. أو أن اضطر البيت الأبيض للتراجع عنه؛ تحت ضغوط الكونغرس وتهديده برفض الموافقة على ما يطرحه الرئيس، في مواضيع مثل سخونة المناخ والتجارة الخارجية مع دول حوض الباسفيك وغيرها. وموافقة مجلس الشيوخ ضرورية لتصبح هذه الاتفاقيات ملزمة.

حتى سياسته التي أعلنها مؤخراً بخصوص أفغانستان، جاءت متناغمة إلى حدّ بعيد مع الأجواء السائدة في الكونغرس؛ والتي ترجح فيها كفة موقف المحافظين. الاعتبارات الانتخابية وضغوط اللوبيات المختلفة، تتحكم بالكونغرس.

وهو بدوره تمكّن من التحكّم بأجندة أوباما. نفس الاعتبارات، فضلاً عن دور اللوبي الإسرائيلي؛ لعبت دورها في تطويع موقف الرئيس وحمله على التراجع المفضوح والمخجل عن وعوده، في ملف عملية السلام. طبعاً ما زال من المبكر الحكم على رئاسة أوباما.

فهي لم تكمل عامها الأول بعد. ولو أن المكتوب يقرأ من عنوانه. لكن البداية، ما كانت حتى عند الحدّ الأدنى من الانجازات. عادة، لا يطالب الرؤساء الأميركيون، خلال ذات الفترة؛ بما يطالب به أوباما، لكن ما ورثه لا يتحمّل المعالجة المتعثرة. يزيد من الضغط عليه، أنه جاء بتفويض كبير ونادر.

من الناحيتين، هو مطالب بمبادرات على قدر التحديات. على الأقل في ميدان السياسة الخارجية، المتروك أساساً وتقليدياً للرئيس؛ ولو أنه دائماً بحاجة إلى دعم الكونغرس، باعتباره أمين صندوق المال الذي لا تصرف منه موازنات من دون موافقته. للإطاحة بإرث بوش ووضع استراتيجية الحوار والشراكة، يقتضي أن يتولى أوباما قيادة السفينة لا أن يتركها للكونغرس تتحكم فيه «اللوبيات» وعقلية الهيمنة.

فيكتور شلهوب