عبارة مأثورة عن الشاعر والناقد الإنجليزي الشهير، وهو من أصل أميركي «توماس ستيرنزاليوت» (ت.س.أليوت) يقول فيها: إن الماضي كفيل دوما بتغيير الحاضر.

وكم حار الفكر في تفسير هذه المقولة الصادرة عن الشاعر الكبير، صاحب قصيدة «الأرض الخراب» التي يعدّها النقاد ؟ إذا استخدمنا مصطلح الأدب العربي ؟ أهم «معلقات» الشعر الحديث في الأدب العالمي. والحق أن «أليوت» يريد أن يؤكد أن الحاضر هو الكفيل بأن نكتشف وثائق محدثة، وأن نطلع على أسرار جديدة بشأن أحداث وقعت وطواها سجل التاريخ.. ومن ثم يتاح لنا من المعلومات والنظريات والرؤى ما لم يكن متاحا لأجيال سبقت.. وذلك كله كفيل بأن يدفعنا إلى أن نعيد تقييم ما سبق حدوثه.. وقد ننصف من كان مظلوما.. بل قد ندين ما كان موضعا لتوقير أو إجلال.. وفي ضوء هذه الظروف يمكن عن حق للحاضر أن يغّير الماضي.

رؤية كاتب أميركي... ونحسب أن هذه الرؤية هي التي يصدر عنها الكاتب السياسي الأميركي «جيمس برادلي»، وهو يحلل حدثا بارزا في التاريخ المعاصر للولايات المتحدة.. يستعيد الأميركيون ذكراه في هذه الأيام بالذات من شهر ديسمبر الحالي. ويحمل هذا الحدث باختصار اسم «بيرل هاربور» وقد أطلق عليه الرئيس الأسبق «فرانكلين روزفلت» الذي عاصر ملابسات الحدث وكان يتربع أيامها على قمة المسئولية في واشنطون وصفا لاتزال تعيه الذاكرة الجمعية الأميركية وهو:اليوم الشائن. «بيرل هاربور» اليوم ميناء يقع في جزيرة «أواهو» ضمن جزر هاواي في المحيط الهادئ.. وكان يضم واحدة من أهم قواعد البحرية الأميركية في تلك المنطقة على امتداد العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين. في يوم 7 ديسمبر عام 1941 شنّت الطائرات اليابانية غارة مفاجئة أدت إلى تدمير قطع الأسطول الأميركي الراسية في الميناء المذكور. بيد أن الكاتب السياسي «جيمس برادلي» لم يتوقف عند عبرة إحياء هذه الذكرى، ولا حتى عندما أفضت إليه كارثة «بيرل هاربور» من دخول أميركا ساحة الوغي في أتون الحرب العالمية الثانية.. على مدار أربع سنوات تلت.. وعلى صعيد مسارح قتالية شتى كان أبرزها وربما كان أخطرها هو مسرح القتال الباسيفيكي الذي شهد ؟ كما يوضح برادلي ؟ مصارع الملايين من البشر عسكريين ومدنيين على السواء.

أسرار رئاسية... إن الكاتب الأميركي يغتنم هذه المناسبة ليزيح الستار عن أسرار ظلت كامنة في بطون الوثائق والمراسلات السرية ويرجع تاريخا إلى السنوات الأولى من القرن العشرين.. يتوقف برادلي عند رئيس أميركي يحمل بدوره اسم عائلة «روزفلت» ويدرج اسمه في سجل البيت الأبيض بوصفه الرئيس رقم 26 للولايات المتحدة وهو «تيودور روزفلت» الذي تولى مقاليد الأمور في بلاده على مدار معظم سنوات العقد الأول من القرن الماضي (1901- 1909). ورغم أن الولايات المتحدة كانت في تلك الفترة الباكرة بعيدة بصورة أو بأخرى عن اهتمامات شعوب الوطن العربي والشرق الأوسط، بقدر ما كانت بعيدة عن الاهتمام بالشأن العام في المنطقة العربية.. إلا أن الرئيس «تيودور روزفلت» بالذات له اسم يتردد في حوليات تلك الفترة وخاصة ضمن عناوين الصحف ومقالات كبار الساسة والكتاب في مصر العربية على وجه الخصوص عند مطالع القرن العشرين.

في عام 1910 كان تيودور روزفلت قد أصبح رئيسا سابقا واكتفى بحمل لقب الكولونيل وقام بزيارة إلى شطري الشمال من وادي النيل.. جاءت رحلته إلى غابات السودان لممارسة رياضة صيد الوحوش التي كان مولعا بها.. في مدينة الخرطوم لم يتورع الرجل عن مجاملة مضيفيه الإنجليز المحتلين للسودان فألقى خطبة - غير عصماء طبعا - عمد فيها إلى تعداد «مآثر» الاحتلال البريطاني والتغني بأفضاله على شعب السودان. وكان بديهيا أن تشق الأخبار والمعلومات طريقها شمالا حيث تحفزت أركان الحركة الوطنية في مصر لاستقبال الكولونيل روزفلت الذي لم يكذّب ؟

كما يقولون خبرا ؟ بل ألقى خطابا في الجامعة المصرية معارضا مطالبة المصريين بدستور للبلاد، ومكررا نغمة مآثر الاستعمار البريطاني في مصر.. ويسجل الأستاذ عبد الرحمن الرافعي في مجلدات تأريخه الحافل للحركة الوطنية في مصر وقائع الكتابات والبرقيات ومظاهرات الاحتجاج التي شهدتها تلك الفترة ضد إشادة «الكولونيل روزفلت» بالاستعمار البريطاني.. وتعداده لما كان يعتبره مآثر المحتلين الإنجليز..

وفي هذا السياق يورد الرافعي أبياتا من قصيدة حافظ ابراهيم يعمد فيها الشاعر الكبير إلى تذكير روزفلت بأن بلاده الأميركية نفسها كانت ترزح شخصيا يوما ما تحت نير احتلال الانجليز.. فيقول:

أنت تطريهم وتثني عليهم

نائيا، آمنا وراء البحور

ليت شعري، أكنت تدعو إليهم

يوم كانوا على تخوم الثغور

يوم كانوا قذى بعين «نيو

يورك» وداء مستحكما في الصدور؟

هذه الروح الإمبريالية

والحاصل أن الرئيس تيودور روزفلت كان يصدر عن روح استعمارية متأصلة.. بقدر ما كان يتبع أيضا نمط الإزدواجية في السلوك السياسي: بين مقاصد وأهداف معلنة على مسارح السياسة العالمية وبين نوايا مكتومة مّبيتة عمد صاحبنا الكاتب الأميركي «جيمس برادلي» إلى إماطة اللثام عنها بعد قراءته المتعمقة في المراسلات والمذكرات السرية المأثورة عن رئيس أميركا عند مفتتح القرن العشرين.

في عام 1900 كتب روزفلت في مذكراته الخصوصية يقول:

كم أود أن تستولي اليابان على كوريا.،ولكنه ما لبث أن أعلن بعد ذلك بأربع سنوات قائلا: إن أميركا ستظل محايدة تماما في أي صراع بين اليابان وروسيا. لكن عندما نشبت حرب روسيا واليابان في وقتها كتب يقول أيضا: إن عواطف أميركا متجهة تماما إلى ناحية اليابان.

ورغم ذلك ففي يونية عام 1905 تسامعت الدنيا وقتها بالجهود الجليلة المشكورة التي كان يبذلها الرئيس الأميركاني روزفلت بمبادرة شخصية من جانبه لإنهاء حرب روسيا ؟ اليابان من خلال المفاوضات.

وبسبب هذه الجهود نال روزفلت جائزة نوبل للسلام. ولكنه كتب في رسالة سرية إلى ابنه يقول: أن المسألة لم تكن مبادرة من جانبه ولكنها كانت بناء على طلب سري من اليابان نفسها.

في نفس الفترة بعث روزفلت برقية سرية إلى طوكيو (بتاريخ يوليه عام 1905) يوافق فيها على أن تقوم اليابان بضم كوريا. وكان ذلك اتفاقا أبرمه رئيس أميركا من خلف ظهر الكونجرس. ويومها أيضا أمر روزفلت بقطع العلاقات مع كوريا وأغلق مفوضية بلاده في العاصمة «سيول» ثم سلمها إلى العسكريين اليابانيين كما أمر بشطب كلمة «كوريا» من سجل العلاقات الدولية في وزارة الخارجية الأميركية كي تحل محلها لفظة «اليابان»

كراهية الروس ومحبة اليابان

يمضي الكاتب جيمس براديلي (في دراسة نشرتها نيويورك تايمز بتاريخ 6/12 الحالي) ليوضح أن تيودور روزفلت كان يتصور أن طموحات أو أطماع اليابان سوف تتوقف عند شبه الجزيرة الكورية، وبذلك تُترك بقية الساحة الآسيوية سائغة للسيادة الإمبريالية لكل من بريطانيا والولايات المتحدة.. وبما يكفل في الوقت نفسه ؟ صد واحتواء أي أطماع من جانب روسيا ؟

القيصرية وقتها ؟ في أصقاع القارة الآسيوية ومواردها وإمكاناتها.. كان رئيس أميركا يصدر في هذا الصدد عن بُغض غريب إلى حد المقت لروسيا وقد كتب في مذكراته يقول: ما من إنسان أسود أو أصفر أو أبيض يمكن أن يكون كذوبا أو مغرورا أو مختالا.. ولا يستحق الثقة بأكثر من الروس (!) أما اليابانيون.. فقد كانوا على العكس، محل إعجاب تيودور روزفلت الذي كتب في نفس السياق يقول: إنهم شعب مدهش ومتحضر.. ويستحق أن يقف على قدم المساواة تماما مع سائر الشعوب المتمدنة في العالم..

حدث في بيرل هاربر

لكن جماعة اليابانيين لم يظلوا عند حسن ظن رئيس أميركا السادس والعشرين.. صحيح أنهم اكتفوا منذ أوائل القرن العشرين بنصيب من الكعكة الآسيوية التي كان يقتسمها حلفاء الغرب البريطانيون والأميركان والهولنديون والفرنسيون.. لكن مع أواخر الثلاثينات كان لابد للمعادلة أن تتغير، وأن تعلن اليابان الحرب في ديسمبر من عام 1941 فتشجب ما وصفته دوائرها السياسية والعسكرية بأنه «الوضع القائم» في آسيا في ظل السياسة الانجلو- أميركية من الاستغلال الاستعماري الذي ضحي بآسيا لصالح رخاء انجلترا وأميركا، وأن حكومة طوكيو (الإمبراطورية) لا يمكنها أن تسمح (أو تتحمل) استمرار وضع من هذا القبيل.

و.. هكذا حدثت واقعة تدمير الأسطول الأميركي في «بيرل هاربر» في مثل أيامنا هذه من 68 عاما.

وقد يسترعي اهتمامنا ما يذهب إليه الكاتب السياسي الأميركي الذي نحيل إليه في هذه السطور حين يحلل فكر الأميرال الياباني «أيسوروكو ياماموتو» وهو يخطط لتدمير أسطول أميركا منذ 37 سنة من واقعة «بيرل هاربور».

كان القائد البحري الياباني يستعيد ذكرى انتصار بلاده في حربها مع الروس في عام 1905 (وبالمناسبة فقد هللت أوساط شتى في الأمصار اليعربية لانتصار «أمة اليابان» كما كانوا يسمونها، وبوصفها شعبا شرقيا على بلاد الروس التي تنتمي بصورة أو بأخرى إلى عالم الغرب).. والمهم أن «ياماموتو» كان يستعيد ذكرى مفاجأة عام 1905 التي شنت فيها اليابان غارة مباغتة على أسطول روسيا مما كفل النصر لطوكيو منذ اشتعال الصراع.

يومها احتج الروس بأن الغارة جاءت انتهاكا للقانون الدولي.

يومها أيضا أعرب رئيس أميركا روزفلت عن سعادته.. كتب رسالة خاصة إلى نجله يقول فيها بالحرف: كم أنا سعيد بهذا النصر الياباني.. لماذا؟.. لأن اليابان تلعب نفس «لعبتنا».

لكن من مفارقات التاريخ أن تعمد اليابان في أواخر عام 1941 إلى أن تمارس نفس «لعبتنا» ولكن مع توجيه قواعد اللعبة ضد مصالح أميركا ذاتها عندما حطمت أسطولها وأودت بحياة بحارتها من ضباط وجنود.

وآخرهم أوباما

ومن مفارقات التاريخ أيضا أن يكون السيد «تيودور روزفلت» المذكور أعلاه هو أول من حصل كما ألمحنا على جائزة نوبل الدولية الرفيعة، وكان الرئيس الثاني هو وودرو ويلسون.. أستاذ علم القانون والسياسة في جامعة برنستون الذي أصبح الرئيس رقم 28 في تاريخ أميركا..

وكان الرجل جديرا بالحصول على نوبل بفضل مبادئه الأربعة عشر التي أعلنها غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى ومحورها ضمان حق تقرير المصير لشعوب العالم. وبالمناسبة أيضا فقد كانت مبادئ ويلسون المذكورة محل احتفاء في أوساط الصحافة والسياسة والرأي العام في عالمنا العربي.. على عكس وابل الهجوم على سلفه روزفلت نصير الاستعمار.

أما ثالث من حصل على نوبل للسلام.. فهو بالطبع رئيس أميركا الحالي أوباما الذي تقرر وقت كتابة هذه السطور أن يتوجه لاستلام الجائزة الرفيعة في العاصمة النرويجية أوسلو.

وإذا كان ويلسون قد حصل عليها بفضل مساندته للسلام في العالم.. وإذا كان أوباما قد فاز بها من باب التعلل بالأمل في سلام يخيم على العالم.. فإن تيودور روزفلت سبق إلى الحصول عليها بدعوى جهود بادر الرجل إلى بذلها للتوفيق «المحايد» بين روسيا واليابان، بينما لم يكن الرجل محايدا ولا مبادرا ولا داعية حقيقيا للسلام.

وهذا ما كشفت عنه اجتهادات كاتب محلل سياسي أميركي اسمه «جيمس برادلي».. حاول أن يكشف أسرار يزيد عمرها الآن على 100 عام فتتأكد بذلك مقولة الشاعر اليوت بأن الماضي يغير الحاضر كلما ازداد وعينا واستنارت رؤيتنا بعبرة الماضي ودروس التاريخ.

محمد الخولي