الإعلام الغربي.. جنة الديمقراطية في العالم كما يعتقد الكثيرون.. يصدقونه، يثقون به، يعتمدون عليه في المعرفة التي تشكل مصدرا أساسيا من مصادر المعلومات، ولكن الوضع يختلف عندما يتناول الإعلام الغربي القضايا والمشاكل العربية، ظهر ذلك في تناول القضية الفلسطينية على مدار أكثر من 60 عاما، وظهر أيضا في تناول الأوضاع في السودان سواء في الجنوب أو في دارفور، وكذلك في الصومال والعراق وسوريا ولبنان، حتى مع مصر رغم كونها حليفاً أساسياً ورئيساً للغرب في المنطقة، نفس الشيء تكرر مع أزمة ديون دبي العالمية.

ورغم ذلك فقد اختلفت الآراء حول توجهات الإعلام الغربي في تناوله للقضايا العربية، وإن كان الكثيرون قد اتفقوا على أن الإعلام الغربي لا هو جنة الديمقراطية، ولا هو شيطان رجيم يتربص بنا الدوائر. المحللون والخبراء وأهل التخصص تباينت آراؤهم واختلفت كلماتهم بشأن التوصيف الدقيق لقضية الإعلام الغربي عندما يتناول شأنا عربيا، بل إن البعض أنحى باللائمة على العربي لعدم قدرته في التصدي لهجمات الإعلام الغربي علينا هنا محصلة آراء لمفكرين ومتخصصين عرب حول القضية من كافة جوانبها. أكد الدكتور صفوت العالم أستاذ الإعلام ورئيس قسم الصحافة بجامعة القاهرة أنه لا يوجد شك في أن تناول الإعلام الغربي للقضايا العربية ينطلق من بعض الأفكار والأنماط الجاهزة فإذا حقق العرب نجاحا اقتصاديا يتجاهلون هذا النجاح، وأحيانا إذا أظهروه فإنهم يبرزون أنهم شاركوا في تحقيق هذا النجاح وأنه تم بفضلهم ورعايتهم فإذا تم تطور تنموي في دولة عربية ما فإنهم يقولون إن هذا تم بفضل مساعدات دولة غربية ما، معربا عن أسفه في أن الإعلام العربي في المقابل بكل أسف يتخبط ويسير بدون أجندة أو أهداف محددة.

وقال إنه فيما يتعلق بتجربة إمارة دبي والنجاح الاقتصادي والتطور الذي تم فهناك تناول أقرب للتناول المغرض يصل إلى حالة من التشفي يكون صورة ذهنية بأن هناك قرارات اقتصادية رغم أنه كان في الماضي يتحدث عن أنها قرارات مميزة وإيجابية، انقلب إلى أن هناك سياسات فاشلة وسلبية دون أدلة أو شواهد، أو الحديث بأن التطور والنجاح الذي تم هناك كان نتيجة المضاربة العقارية. وتابع : إن هذا يأتي فضلا عن الإشارة الضمنية الدائمة بأن هذه السمات تقليدية وفق الصورة الذهنية الشائعة للعربي البدوي الذي حياته وثقافته هي ثقافة البداوة والرعي وانتظار مالا يجيء، وهي صورة تقليدية تلتصق بكثير من الدول العربية دون تحديد وبتعميم هذه الصورة دون أدلة أو شواهد». وأشار إلى أن هذه الصورة النمطية غير قابلة للتعميم وهي صورة جزئية لا يمكن أن نعممها على كل التجارب وكل دول العالم العربي، لافتا إلى أن كل التجارب الناجحة يمكن أن تتعثر وتتعرض لبعض الأزمات، ولا يجب أن نستسلم لذلك ولا لأي مواقف سلبية أو محبطة من أية جهة.

تصحيح الصورة التقليدية... ومن جانبه، قال مجدي الدقاق رئيس تحرير مجلة أكتوبر عضو أمانة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي إن الغرب دائما ينظر إلينا بمنظارين الأول مصالحه حيث تحركه أهدافه التي تحقق مصالحه وأهداف مجتمعه، وهذا حقه ويجب أن نتعامل معه بنفس المنطق، أما المنظور الثاني بأنه يتعامل معنا بما يراه هو وليس بما نريده نحن، أي أن لديه صورة مسبقة عن أوضاعنا وقيمنا وثقافاتنا وسلوكنا وتوجهاتنا تحدد توجهاته وتعاملاته معنا بشكل دائم وتقليدي. وأضاف إن هذا يجعلنا نفكر ونسأل أنفسنا كعرب ومسلمين ماذا نفعل مع هذه الرؤية التقليدية؟ وكيف نتعامل مع هذه الرؤية المسبقة وفق مصالحنا الوطنية والقومية، لافتا إلى أهمية أن نخاطب الغرب بما يفهم وليس بما نفهم نحن بلغته وطريقته.

وأكد أن الأمر الأهم هو أن نبذل جهدا لتصحيح الصورة التقليدية عنا كعرب ومسلمين، وإبراز الجوانب الإيجابية في مواقفنا وتاريخنا ويكون خطابنا واضح فلا ضير أن نعلن أننا أصحاب حق ولكننا مع السلام، وأننا ضد الحروب ولكن ليس على حساب مصالحنا الوطنية، أننا مع الحرية والديمقراطية ولكن ليس بفرضها علينا، وأن نعلن أننا ضد الإرهاب والغلو وصراع الحضارات ولكننا مع الحوار والاحتفاظ بخصائصنا ورؤيتنا التاريخية، وأننا نقف معهم ضد الإرهاب مع التأكيد على أن المسلمين والعرب ليسوا إرهابيين وأننا اكتوينا بنارها وأننا لسنا جميعنا بن لادن أو الظواهري أي نقدم أنفسنا بصورة جيدة.

وتابع الدقاق: إنه بهذا يمكن أن نصل إلى حلول لتصحيح صورتنا وتصويب التناول الغربي لقضايانا، هذا بالإضافة إلى أهمية التعاون مع التيارات الغربية التي تتعاطف معنا ومع قضايانا، ولابد من أن ندعمها ونتحاور معها ونكشف ألاعيب ومخططات الصهيونية العالمية واليمين المتطرف الفاشي والذي يحاول أن يصورنا بأننا دعاة حرب وإرهاب وتطرف وفساد وديكتاتورية.

ونوه إلى أنه حتى نصل إلى المواطن الغربي لابد من اختيار فضائيات محددة وبلغات وأسلوب يفهمه المواطن الغربي وإدخالها عبر شركات الكوابل الأرضية المحلية لإتاحتها أمام المواطن بالطريقة التي يفضله وتتناسب مع أسلوب حياته.

الصورة العربية المغلوطة

الإعلامي نبيل شرف الدين الكاتب الليبرالي ومراسل راديوا «سوا» الأميركي بالقاهرة فلديه رأي مغاير ويرى أن الغرب وخاصة الدول الأوربية في نهاية المطاف وصل إلى سقف الحضارة الإنسانية وهي التي تمثل الآن ضمير الإنسانية الحي ويتعامل مع القضايا العربية بقدر كبير من الحساسية بسبب الخطاب العربي غير المحسوب وعندما نصدر دوما للغرب بأنه عدو لنا فماذا نتوقع منه أن يتعامل معنا؟.

تغيرات

تسويق القضايا العربية

الإعلامي الكبير أمين بسيوني رئيس اللجنة الدائمة للإعلام العربي بجامعة الدول العربية فقد شدد على أن ما يجب أن نفهمه هو أن العالم أصبح قرية واحدة وأننا لم ندرك بعد أهمية ثورة المعلومات والاتصالات التي نعيشها.

وقال : كنا متعودين على الإعلام الأرضي الذي تتحكم فيه الدولة وفق أجندتها السياسية والثقافية والاقتصادية والفكرية، أما الآن فالإعلام تغير حتى على مستوى العالم العربي الذي كان قطريا داخل نطاق كل دولة ، وأحيانا لم يكن يغطي كامل الدولة، أما الآن فقد أصبح إعلاما وطنيا إقليميا من المحيط إلى الخليج، وأصبح مؤثرا بشكل كبير في الوطن العربي.

هذا بالإضافة إلى الإنترنت الذي أصبح ساحة دولية مفتوحة من خلال المواقع والـ «فيس بوك»، ما يجعلنا أمام صعوبة بالغة إن لم يكن استحالة للسيطرة على الإعلام وبالتالي فعلينا أن نواجه بفاعلية التطورات الإعلامية الجديدة التي خرجت عن نطاق السيطرة. وتابع: إن الكثير من الرأي العام وليس المواقف الرسمية فقد تشكلها وتصنعها اللوبيات المختلفة مثل اللوبي الصهيوني .

البحرين.. مطالبة العرب بحل قضاياهم لمواجهة الغرب

أكدت الكاتبة الصحافية بصحيفة أخبار الخليج وعضو مجلس الشورى البحريني سميرة رجب في تعليقها على الهجمة الإعلامية الغربية على الدول العربية وما يصاحبها من تقارير كاذبة كما حدث في إعادة جدولة ديون دبي أنه لا يمكن علاج أي مرض دون تشخيصه بشكل سليم، مشيرة إلى تجاهل هذه الحقيقة لا ينتج عنها إلا تفاقم المرض والنهاية هو الموت المحقق.

وأضافت ما يثيرني كإعلامية إننا ومن أجل أهواءنا السياسية نتجاهل التشخيص السليم للحالة العربية عموماً والإعلامية خصوصاً، رغم إن الإعلاميين هم أعلم الناس بتأثير الإعلام وأهميته ومخاطره، لذلك أتساءل لماذا تتجاهلون أثر أكاذيب الإعلام الغربي على الحالة العراقية التي هي أسوأ وأقسى وأوضح مثال في موضوعنا؟».

وأوضحت أن «العراق تم احتلاله إعلاميا قبل أن يتم احتلاله عسكرياً، وهذه ليست هي المرة الأولى التي يطالب فيه الإعلام الغربي الإطاحة بزعيم عربي، وهو حاكم دبي، لأن هذا الإعلام قام بنفس الدور مع جمال عبد الناصر وصدام حسين، ويستفيد الإعلام الغربي من ذاكرة العرب المثقوبة من جهة، وسوء إدارة الإعلاميين العرب لمؤسساتهم من جهة أخرى، وإلا لماذا ينجح الغرب دائماً في مسعاه السياسي والاستعماري والإعلامي ويفشل العرب؟».

وبينت أن من ضمن التشخيص السليم للواقع الإعلامي العربي المتردي هو إنه ردد على مدار ما يقارب العقدين من الزمان كل أكاذيب الإعلام الغربي عن العراق حتى صار إعلامنا العربي وكأنه مصدر هذه الأكاذيب.

ورغم إننا الآن لسنا بوارد تفصيل تلك القصص التي تداولها الإعلام العربي والغربي عن العراق عموماً، والتي كان يمكن لأي إعلامي بسيط أن يثبت عدم صدقها، إلا إننا يجب الذهاب لذلك البعد الذي تجاوزناه بكل ما أريق بسببه من دماء وكل ما ندفع ثمناً له اليوم، وأحد الأثمان هو ما يمارسه الإعلام الغربي من دور قبيح ضد الأمة العربية عموماً، شعوباً وقيادات، ودبي مثالاً.

وأبدت أسفها الشديد لما تتعرض له دبي، والإمارات، وكذلك الوطن العربي عموماً من كوارث سياسية ونزيف مستمر في ثرواته، لذا فإننا يجب أن نكون جادين ومخلصين في تشخيصنا وعلاجنا للحالة حتى لو تطلّب الأمر أن نعترف بأخطائنا وإلا ستبقى هذه الكوارث تتفاقم حتى الموت».

ووجهت سميرة اتهامها إلى الإعلام الذي لا يرحم ويعمل لمصالح غربية استعمارية منذ أكثر من نصف قرن.. ارتبط بقنوات رسمية ممتدة من أجهزة المخابرات إلى السياسات الخارجية والمصالح الغربية المدفونة في منطقتنا، في الوقت الذي يدّعي إنه إعلام حر في دول تمارس الديمقراطية.

موضحة أنه إعلام لا علاقة له بحسابات العاطفة والأخلاقيات والعلاقات الإنسانية، لأن حساباته قائمة على المصالح التي تحددها له دوائر الحكم، وبالتالي هو إعلام يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يتوقعه الآخرون.

من جهتها أكدت الكاتبة الصحافية بصحيفة «أخبار الخليج» فوزية رشيد أنه لا يوجد أي تنسيق بين الإعلام العربي وإنما يوجد تنافس سطحي، مشيرة إلى أهمية توافر الإرادة في الإعلام العربي لمواجهة الادعاءات للإعلام الغربي وتوعية الشعوب العربية بمدى خطورة هذه الهجمة عليهم. وأوضحت رشيد أنه بعد هجمات 11 سبتمبر أصبح من الملاحظ وجود خطة إعلامية غربية مبرمجة ضد العالم العربي.

مشيرة إلى أن الإعلام الغربي تقوده الصهيونية التي تمتلك الثروة والإرادة، وما دعوة الكونغرس الأميركي بمعاقبة القنوات الفضائية العربية التي تهاجمها إلا دليل على ذلك.

الإعلام الغربي لا يغيب عن الساحة العربية ولا يكتفي بمواكبتها بل يؤزمها

عندما يتحول إعلامنا إلى سلاح في أيادي الغرب

سارع الإعلام الغربي لشحذ سكاكينه وانهال طعنا في صورة دبي ليس كمركز مالي رائد في العالم فحسب بل كتجربة عربية ناجحة، كما أطنب في الحديث عن عدم الشفافية في المعاملات المالية لها وذهب الإعلام شوطا بعيدا في أخباره المغرضة التي تنم عن الكثير من الحسد والغيرة والطمع وتوقع أن تغرق أسواق المال الخليجية،الهجمة كانت موجهة لأنه إعلام لا يضيع فرصة التدخل في خبايا وأسرار الأنظمة العربية على كل المستويات. ورأينا كيف صمت عندما أعلنت دبي مؤخرا تسديد تلك الديون.

الإعلامية التونسية أمال قلالة «صحافية في جريدة الخبير الاقتصادية» تقول:الإعلام الغربي لا يكاد يغيب عن الأحداث والوقائع العربية ولا يكتفي بمواكبتها بل يعمل على تأزمها كما أن خطورة اهتمامه بمجمل قضايانا العربية، تكمن في أنها تدخل في باب الترصد وخدمة الأجندات الخفية التي عادة ما تتستر تحت القناع الإنساني.

كما حدث في أزمة دارفور مثلا التي عمد إلى تأجيجها وتناولها من زاوية صراع بين عرب وأفارقة، واستعمل أسلوبا تحريضيا من خلال حديثه عن إبادة جماعية في دارفور بينما تقارير الجامعة العربية وتقارير دولية أخرى خلصت إلى وجود انتهاكات لحقوق الإنسان فحسب.

وعلى غرار أزمة دارفور تعرضت سوريا في السنوات الأخيرة بسبب رفضها شروط أميركية إسرائيلية تتعلق بوجود الفصائل الفلسطينية فوق أراضيها وعلاقتها بحزب الله إلى حملة إعلامية غربية غير مسبوقة أعقبها إعلان بفرض الحصار الاقتصادي عليها باعتبارها دولة مارقة وفق التصنيف الأميركي.

كما تم اتهامها أيضا بالضلوع في اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري. ولم يدخر الإعلام الغربي في أزمتي دارفور وسوريا جهدا باتجاه تدويل الملفين وجر نظامي السودان وسوريا إلى المحاكم الدولية.

والإعلام الغربي لعب لعبته القذرة في لبنان أيضا وتدخل بين الفرقاء وغذى الدعايات المغرضة ولفق التهم للبريء وبرأ المتهم وحرك الطوائف ضد بعضهم البعض وحتى ضد اللاجئين الفلسطينيين واجتهد في السنوات الأخيرة بالخصوص في تهيئة الأرضية لإثارة الفتنة الطائفية واتخذ من سلاح حزب الله مطية لذلك.

وما كاد الخلاف بين حماس والسلطة الفلسطينية يطفو على السطح منذ سنوات حتى تدخل الإعلام الغربي بكل ثقله وجاهر بعدائه لحماس التي كال لها شتى التهم ونشر تقارير كاذبة ضدها حول مصدر أموالها وسلاحها ومدى خطورة «إمارة حماس الإسلامية» على المنطقة بأسرها خاصة في صورة تحالفها مع حزب الله.

وفي مصر غالبا ما ترصد الإعلام الغربي كما لاحظنا ذلك العلاقة القائمة بين المسلمين والأقباط وطالما اتخذ من أي نزاع عادي بين مسلم وقبطي موضوعا لتقارير وهمية حول معاناة الأقلية القبطية في بلد ذات كثافة سكانية مسلمة كما ينبش في حقوق الأقباط المنتهكة حسب زعمه محاولا اختلاق أزمات طائفية في مصر.

ذلك هو الإعلام الغربي الذي طالما جعل من تعدد الأعراق والطوائف والأديان في بلداننا العربية مشروع أزمات مستقبلية يمكنه إثارتها وتحريكها وتضخيمها خدمة لأجندات حكوماته، ومقابل ذلك نرى أن إعلامنا العربي في مجمله يعمل على تسطيح العديد من القضايا والملفات التي تستحق إلقاء الضوء عليها وإيجاد حلول لها قبل استفحالها، كما يتعمد إعلامنا في كثير من الأحيان التعتيم على الكثير من التراكمات الداخلية التي باتت تنذر بالانفجار.

حتى يسبقه إليها الإعلام الغربي ويكشفها للرأي العام العالمي، أضف إلى هذا وذاك فإن الإعلام في كثير من دولنا العربية يفتقد روح المبادرة والجرأة والموضوعية وغالبا ما يتكئ في تشخيصه للأزمات العربية الداخلية على نظرية.

إذن فالإعلام الذي يتعامل مع العديد من القضايا الداخلية بنظرة سطحية أو يعتم على بعضها في كثير من الأحيان محاباة للسلطة القائمة هل يملك أسلحة أصلا لمواجهة الإعلام الغربي؟ هذا إن لم نقل أن الإعلام العربي قد تحول مؤخرا إلى سلاح في أيدي الإعلام الغربي لضربنا والتهجم علينا والسخرية منا.

ومن هنا يمكن القول أيضا بان الإعلام العربي بعقليته وتركيبته الحالية الارتجالية غير قادر على مواجهة الإعلام الغربي وحملاته المغرضة على العرب والمسلمين ورموزهم وانجازاتهم قديما وحديثا لان هذا الإعلام الذي لا يحظى بمصداقية شعوبه في الداخل لن يكون قادرا على محاورة الأخر وإقناعه حتى ولو كان محقا في طرحه.

فالإعلامي العربي بحكم الظروف والمعطيات التي تحكمه لم ينضج بعد في تصوراته وتفاعلاته مع محيطه السياسي والثقافي والاجتماعي وذلك خلافا للإعلامي الغربي الذي اكتمل لديه هذا التصور ويتصرف دون حاجة إلى توجيه أو تحذير أو تهديد من مسؤول أو رقيب.

و يقول الدكتور أحمد الحذيري أستاذ جامعي وإعلامي تونس: لسْتُ ممّن يُروّج لسيناريوهات الخوف، ولسْتُ مِنْ مُحْتَرِفِي صِناعة الانطباعات، ولكن لا بدّ من الإقرار أنّ الخليج العربيّ أصبح لا يواجه التهديدات النظريّة المجرّدة، وإنّما يواجه تهديدات حقيقيّة أصبحتْ ضمن ما هو وشيكُ الوقوع.

ومن البديهيّ أنّ دٌبي قد دفعتْ ثمن اختيارها لنموذج اقتصاديّ تمحور على رؤوس الأموال الأجنبيّة والمشاريع العقاريّة العملاقة والخدمات. وهي أزمةٌ قد تبدو داخليّة التبعات في الأساس، ولكنّ انعكاساتها على المدى القريب والمتوسّط تمسّ عديد الأطراف، ما في ذلك شكّ.

ومهما يكنْ منْ أمر، لا شيء يبرّر تلك الهجمة الإعلاميّة الشرسة على دبي خاصّةً،وعلى بلدان الخليج عامّةً، وعلى العرب عموما، وعلى اختياراتهم، بِنعْتِهِمْ بأسوأ النعوت،وبالتعبير، بكلِّ صفاقةٍ، عن الابتهاج الكبير يوشك انهيار حُلْم دُبي في تحديثٍ بدأَتْهُ بالانتقال من اقتصاد معوّل على البترول إلى اقتصاد خدمات، وبتطوير منظومتها التعليميّة وبحسن توظيف التكنولوجيّات الجديدة واستقطاب كبريات العلامات التجاريّة العالميّة، بما جعلها،سريعًا، عاصمةً عصريّةً، قامتْ دليلاً على كون التطوّر الاقتصاديّ لا يمكن إلاّ أن بصحبه التحديثُ والاعتدالُ في كلِّ المواقف وعلى جميع المستويات...

مصالح

يقول الإعلامي التونسي ناصر مطير لا يختلف اثنان على إن دور الإعلام كان ولا يزال عنصرا حاسما في كسب الحروب والمعارك بأنواعها المختلفة لاسيما في المواجهة التاريخية الثقافية والحضارية المتواصلة بين العالم العربي والإسلامي من جهة والعالم الغربي من جهة أخرى والتي يحكمها بالأساس الموروث الحضاري والثقافي العقائدي الديني المعقد بين المد والجزر والصعود والسقوط.

ولاشك أيضا أن الغرب كرس الإعلام بأنواعه وفنونه وأساليبه المختلفة أداة رئيسية بل إستراتيجية في هذه المواجهة لتكريس تفوقه المادي والتكنولوجي والتنموي عموما لتصبح المنظومة الإعلامية الغربية جزءا لا يتجزأ من المنظومة الدفاعية الشاملة عن الهوية الغربية والمشروع الغربي بأبعاده المختلفة وباختصار شديد عن المصالح الغربية التي يحددها ويحكمها هذا المشروع الغربي.

وهنا يمكن المجازفة بالقول وللأسف إن الإعلام العربي لم يرق إلى هذا المستوى لغياب مشروع واضح ومحدد المعالم والأهداف وللافتقار لهوية عربية إسلامية قادرة على تحديد طبيعة المصالح التي لا يزال العرب والمسلمون يبحثون عنها.

كما إن الإعلام الغربي يتعامل مع المصالح ويتفاعل معها ولا يعترف إلا بالقوي بما في ذلك قوة الحدث الذي يفرض نفسه بالنهاية.

قطر: وطننا العربي يعاني انكشافاً إعلامياً مقارنة بالعالمي

«رب ضارة نافعة» هكذا رد مسئول صحيفة الحياة في الدوحة محمد المكي احمد على حول تضخيم وسائل الإعلام الغربية لازمة شركة دبي العالمية وانجرار بعض الإعلام العربي وراءها بدون تمحيص أو تفكير.

ويضيف إن الاهتمام الكبير بدبي في رأيي دليل على حيويتها وتميز موقعها على الخارطة العربية والدولية بشكل عام. فالإعلام الغربي يتعامل مع القضايا العربية جميعها وليست قضية دبي الأخيرة فحسب، بنظرة فردية ومعظم تناوله لقضايانا يأتي مجحفا وظالما بشكل عام.

ويضيف لا استغرب أسلوب التناول الغربي لقضايانا في المنطقة العربية ولا يزعجني أيضا فالإعلام الغربي يسعى للتشويه لمصالح خاصة، وهذا أمر معروف ولكن ما يزعجني أن المشكلة عندنا فنحن في العالم العربي لا زلنا نفتقر إلى حرية تداول المعلومات وحرية الوصول إليها في الوقت المناسب وتوظيفها لصالح قضايانا.

ويأمل المكي الاستفادة مما حصل مؤخرا لتسهيل حرية تدفق المعلومات في العالم العربي حتى نستطيع الاعتماد على مصادر عربية في الأخبار والتحليلات بدلا من الاعتماد على الإعلام الغربي كما حدث مؤخرا.

ويحمل الكاتب عيسى آل إسحاق المسؤولية فيما جرى على الإعلام وعلى الحكومات العربية التي لا تتعامل بشفافية مع مواطنيها ،وتفرض حظرا على تداول المعلومات وحرية الوصول إليها.

ويضيف لقد شن الإعلام الغربي هجوما كبيرا على دبي وقام بتضخيم ما حدث ووقع الكثيرين في حبائله بسبب بسيط، غياب المعلومات الحقيقية لدى الناس ولو توفرت لدى الرأي العام، لما التفت احد إلى ما يبثه الإعلام الغربي عن قضايانا والذي يعكس دائما رؤية قاصرة أو منحازة.

ويرى أن العالم العربي في معظمه يفتقر إلى الإعلام الحر ويفتقر لحرية تداول المعلومات وحرية الوصول إليها وبالتالي إذا أردنا التصحيح علينا ممارسة الشفافية وإيجاد قوانين تسمح بسياسة الأبواب المفتوحة حتى نصل إلى إعلام حقيقي يحترم عقل القارئ، عندها لن يجد الإعلام الغربي المنحاز زوابع يثيرها عندنا. من جانبه يرى المحلل السياسي سمير الحجاوي أن العالم العربي يعاني من الانكشاف الإعلامي على المستوى العالمي مع بعض الاستثناءات، ومرد ذلك يعود إلى جملة من الأسباب يقف على رأسها غياب الحريات وانعدام الشفافية واحتكار المعلومة والتحكم بالصحف ووسائل الإعلام وتحويلها إلى مجرد أبواق للسلطة.

ويضيف كل تلك الأسباب مجتمعة جعلت المواطن العربي يتوجه إلى مصادر أخرى للحصول على المعلومة مثل القنوات الغربية أو النشرات السرية وحاليا انضمت إلى القائمة مواقع الانترنت التي تقدم غالبيتها أخبارا لا مصدر لها.

فالصحافة العربية تعاني من أزمة كبيرة. فالرسمية منها ليست أكثر من نشرة للسلطة، ولا تقدم إلا المعلومات التي تريدها، وهي لا تتمتع بأي مصداقية لدى الغالبية العظمى من القراء، لأنها تغيب الحقائق وتقلب الأمور رأسا على عقب، وبين صحافة السلطة وصحافة المعارضة تقف الصحافة المستقلة أو شبه المستقلة والصحافة العربية المهاجرة، وهي تتمتع بسقف أعلى من الحرية، إلا أنها تعاني من التضييق عليها ومنع نشر أعدادها أحيانا واعتقال صحفييها، ويضاف إلى هذا ان بعض الصحافة المهاجرة، أصحبت في ملكية حكومات بعينها، مما حد من مصداقيتها أيضا.

هجمة«الغربي» سببها ضعف العربي وغياب الشفافية

تهويل لا يبتعد كثيرا عن التضليل.. أخبار موجهة ومعلومات ملفقة، مغالطات وبيانات تفتقر إلى الواقعية.. كمن يدس السم في العسل هذا هو لسان حال الإعلام الغربي في تعامله مع قضايانا العربية.. ولقد ظهر جليا وبما لا يقبل مجالا للشك ان تناوله للشؤون العربية بعيد كل البعد عن أي مصداقية وحيادية ومهنية طالما يتغنون بها.

ولعل ما حدث مؤخراً من مبالغات في التركيز على أزمة دبي المالية خير دليل على سعي الإعلام الغربي للنيل من النجاحات العربية..

فعند العدوان الإسرائيلي على غزة.. تخلى الإعلام الغربي تماما عن الموضوعية والحيادية محاولا إرضاء جماعات اللوبي أو الممولين وذلك على حساب ميثاق ومعايير العمل الإعلامي..

ولقد بدا واضحا ان الإعلام الغربي بشكل عام منحاز لإسرائيل وذلك على حساب مبادئ الاستقلالية والحرية والديمقراطية التي ينادي بها، غير مكترث بمعاناة ضحايا الآلية العسكرية للاحتلال من سكان غزة. كما ان الصراع في اقليم دارفور غربي السودان كان ايضا ميدانا جديدا ليتبارى فيه الإعلام الغربي بالتهويل والتضليل وابراز السلبيات والتعتيم على الايجابيات، فقد دأب الغرب عبر سياسييه وكتابه وإعلامييه وحتى فنانيه وبالتأكيد ليس جميعهم، على تكرار عبارات النقد اللاذع للعرب والمسلمين ازاء مأساة اقليم دارفور.

يقول مستشار جمعية الصحافيين الكويتية د. عايد المناع ان السبب وراء ضعف الإعلام العربي في مواجهة نظيره الغربي يكمن في ان الأخير مصدر الخبر والمعلومة وصاحب المبادرة ونحن لم نصل بعد إلى المستوى الذي يمكننا من الاعتماد على أنفسنا ورغم وجود الكوادر البشرية الا ان التكنولوجيا والممول لها لا زالت غربية.

و أكد رئيس تحرير جريدة القبس وليد النصف ان وسائل الإعلام بشكل عام اذا لم تراع الموضوعية والحيادية فيما تنشر وتذيع فإنها ترتكب جريمة بحق كل من يقرأ ويسمع لها، والإعلام سيف ذو حدين.

وقال «ان الإعلام الغربي مازال متفوقا على الإعلام العربي ويعود السبب التقوقع الذي يعيشه إعلامنا وعدم استطاعته في إيصال الرسائل التي يريد ان يوصلها إلى العالم».

تعامل الاعلام الاجنبي و«دبي العالمية» محكوم بترسبات ثقافية وأهداف إستراتيجية

الدول الغربية ضحت بالمبادئ الاقتصادية الليبرالية التي دأب إعلامها على التغني بها دون أن يعني ذلك انقلابا على الحرية الاقتصادية وقد لاحظنا كيف أن الأزمة المالية التي عصفت بها البلدان الغربية أدت إلى تدخل الحكومات وبقوة من أجل إنقاذ المصارف والشركات التي كانت مهددة بالانهيار على غرار مثيلاتها المتهاوية تحت تأثير ضربة الأزمة المالية العالمية في تلك البلدان دون أن يعني ذلك للإعلام الغربي بداية النهاية لاقتصاديات دولها أو فشل وإخفاق لإستراتيجياتها.

لقد بادر الإعلام الغربي إلى التهويل من حجم وأثار مشكلة ديون شركة في دبي، ورغم أنها لم تعلن عن إفلاسها وإنما مجرد الإعلان عن تأجيل سداد دين، وجعل منها مدخلا لخطاب جانبه الموضوعية والتنكر للمهنية منساقا وراء نوازع ومنطلقات ظلت تتحكم فيه تجاه قضايانا العربية والإسلامية، ما أعاد للأذهان أن الإعلام الغربي لا يزال أسير رؤية نمطية تحكم تصوراته وتعاملاته مع المنطقة، داحضا بذلك المقولات الرائجة والشائعة من قبيل أن العالم أصبح قرية كبيرة واحدة وأن العولمة كسرت كل الحواجز الفاصلة بين الدول.

وأخذ يعبر عن نفسه في كثير من اللحظات التاريخية كما حصل مع دبي العالمية ومع قضية دارفور، والحصار الجائر المضروب على غزة، والربط بين الإسلام والإرهاب عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001. حول تعامل الإعلام الغربي مع قضايانا قال الدكتور عبدالواسع الحميدي الأستاذ في كلية الإعلام بجامعة صنعاء.

إن تعاطي الإعلام الغربي مع أزمة مديونية شركة دبي العالمية لم يخرج في مجمله عن تعاطيه مع كافة القضايا العربية حيث يغلب عليه الانحياز والنظرة الدونية إلينا والتقليل من كفاءة العقلية العربية. في السياق ذاته يرى الباحث في مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية الأستاذ خالد الرماح.

أن طريقة تعامل الإعلام الغربي مع قضيانا لفت أنظار الكثير من المراقبين والمتابعين وأثار العديد من التساؤلات وعلامات التعجب والاستفهام خاصة لجهة تحوير الحقائق والتهويل من حجم المشاكل بطريقة مكشوفة ومفضوحة كانت جلية في مؤشرات عديدة أبرزها التهويل، وإثارة الرعب لدى المستثمرين والمتعاملين في سوق مركز دبي المالي خاصة والمنطقة عامة والغريب.

وقال هناك تصور نمطي ورؤية واعية تنطوي على بعد إستراتيجي وليس مجرد مبادرات فردية أو مؤسسية.المسألة في اعتقادي تأخذ بعدا أخطر عندما يندرج التعامل الإعلامي الغربي مع القضايا العربية ضمن الرؤية الإستراتيجية الغربية للمنطقة العربية والإسلامية، وهذه الرؤية تقوم في جانب منها على تفكيك وضرب أي مركز محوري يشكل نموذجا جاذبا لانطلاق العرب سواء كان هذا النموذج سياسيا أو اقتصاديا.

القاهرة ـ سباعي إبراهيم المنامة ـ غازي الغريري ـ تونس ـ ضحى السعفي ـ الدوحة ـ أنور الخطيب ـ الكويت ـ بدر سالم ـ صنعاء ـ عبد الكريم سلام