أكد وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني الدكتور محمد شتيه أن تحويل حلم إقامة الدولة الفلسطينية إلى واقع مثبت على الأرض لم يعد بعيدا. وأشار في حوار خاص مع «البيان» من القاهرة، إلى إن الأراضي الفلسطينية منذ عام 1994 في حالة بناء دائم، مؤكدا أن مشروعات حكومة الدكتور سلام فياض الإعمارية مستمرة رغم إدراك المسئولين عليها مدى تغول الجرافات الإسرائيلية إلا أنهم مصرون على تثبيت وجودها كأمر واقع يستعيد به الفلسطينيون سيادتهم على كافة أراضيهم الفلسطينية. وفيما يلي نص الحوار..

حكومة الدكتور سلام فياض أعلنت أنها ستسعى لإسقاط الحدود بين المنطقة ا وج بالضفة لإقامة مساكن للمواطنين الفلسطينيين وأنها ستجتاح المنطقة ج بالبناء، فهل ستسمح إسرائيل بذلك وهى المسيطرة على تلك المنطقة؟ مناطق التقسيم (أ، ب، ج) هي مناطق تقسيم أمنى أكثر من أي شيء آخر، ولكن جميع الأراضي الفلسطينية هي ملك للمواطنين بما فيها المنطقة المسماة (ج) وبالتالي لا يعقل أن تسرق إسرائيل أرضا بهذه الطريقة تحت حجج أن تلك المناطق لا يسمح فيها بالبناء أخرى يسمح فيها، ولهذا نحن نريد أن ننشئ مشاريعنا الإعمارية والبنية التحتية فيما يؤهل ليس فقط منطقتي (أ، ب) لكن جميع الأراضي الفلسطينية لإقامة دولتنا المستقلة، وبالتالي نحن لن نخضع للابتزاز الإسرائيلي في هذا الموضوع، لأنه واضح تماما أن كل ما تقوم به إسرائيل هو فقط التضييق وليس إلا التضييق على الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني سواء كان عبر الحواجز أو الجدار وغير ذلك.

وهل تتوقعون أن تقف إسرائيل ساكتة وأنتم تدخلون المعدات ومواد البناء؟

نعم في بعض القضايا سيكون مسموح العمل بها، وفى بعض القضايا الأخرى نحن نريد أن نخلق أمرا واقعيا جديدا، وهذا الأمر الواقع على إسرائيل أن تتعايش معه، لأنه بالمجمل العام نحن نتحدث عن إنهاء الاحتلال ومن المفروض أن لا يكون هناك أي اعتراض إسرائيلي على مثل هذه القضايا، ولكن حيث ما لزم نحن في حالة خلق أمر واقع جديد ونريد له أن يكون مثبت على الأرض بما يؤهل الأراضي الفلسطينية لكي نستعيد عافيتها وسيادتها أيضا.

ألا تخشون أن تستخدم إسرائيل آلتها العسكرية ضدكم لمنع عمليات البناء؟

ممكن طبعا، ونحن نخشى ذلك ولكننا لا نريد أن نستسلم لهذا الموضوع لأنه لا يعقل أن تكون المشاريع الإنمائية وغيرها تحت رحمة المحتل لأكثر من ستين عاما أو أكثر وهناك احتياجات كبيرة للفلسطينيين من مياه ومساكن والبنية التحتية بكل ما تشمل من مرافق، لا يعقل أن نبقى تحت رحمة إسرائيل.

كم هي نسبة الأراضي التي يحوزها الفلسطينيون بالضفة مقابل حصة الإسرائيليين؟

الضفة الغربية للأسف مقسمة لثلاث مناطق منطقة (أ) التي هي تضم بشكل أساسي رقعة المدن وهى لا تتعدى أكثر من 18% من مساحة الضفة الغربية ومنطقة (سى أو ج) والتي تسيطر عليها إسرائيل أمنيا ومدنيا وهذه تصل مساحتها 58% من مساحة الضفة وما يتبقى وهو حوالي 23% هي عمليا منطقة (ب) التي تتمتع فيها السلطة الوطنية الفلسطينية بالمسؤولية المدنية.

ولكن إسرائيل تسيطر عليها أمنيا، بالمجمل العام حتى منطقة (أ) التي من المفروض أن تكون واقعة تحت السيادة الوطنية الفلسطينية الأمنية.. إسرائيل عمليا قامت باجتياح المدن الفلسطينية وهى تدخل للمدن باستمرار، وبالتالي دخول الجيش الإسرائيلي لمناطق (أ) يعنى بالمجمل العام إنهاء للاتفاق ولهذا التقسيم، وبالتالي نحن نتوجه لمنطقة (ج) بالبناء والعمران مقابل توجه الجيش الإسرائيلي في اجتياحاته المتكررة في المنطقة (أ).

معنى ذلك أن الفلسطينيين بالضفة غير مسموح لهم بالبناء سوى في بالمنطقة (أ) بمساحة 18 % فقط؟

جائز البناء مسموح بالبناء في المنطقة (ب) ولكن عندما تجتاح قوات الاحتلال تلك المنطقة فأنها عمليا تدمر ما تم بناؤه.

سرقة المياه

مؤخرا أثيرت قضية سرقة إسرائيل للمياه الفلسطينية، فماذا عن قدرتكم على توفير المياه لمناطق البناء الجديدة؟

الموازنة المائية بالضفة الغربية في الأراضي الفلسطينية حوالي 800 مليون متر مكعب سنويا تسرق منها إسرائيل حوالي 600 مليون متر مكعب ولا يتبقى للأراضي الفلسطينية والسكان الفلسطينيين سوى 120 مليون متر مكعب والباقي يذهب للتبخر، ولذلك نجد أن هناك بعض القرى بالضفة الغربية تحديدا في منطقة الأغوار لا تصلها مياه الشرب في يونيه ويوليو وأغسطس وهي شهور الصيف ولا يجد الفلسطينيون شربة ماء في الوقت الذي فيه يستحم المستوطنون الإسرائيليون في برك سباحة حديثة، فضلا عن أن إسرائيل تمنع الفلسطينيين من حفر الآبار، وبالتالي نحن لا نريد أن نجتاح المنطقة (ج) بالمشاريع فقط ولكن أيضا نريد أن نحفر آبار مياه بدون أذن من الإسرائيليين.

قلت أن مشروع البناء في منطقة (ج) للوفاء باحتياجات الشعب الفلسطيني، فما هو حجم مشكلة الإسكان في الأراضي الفلسطينية وما هي أبعادها؟

أعلننا بالوزارة عن فتح باب التسجيل لمن يريد أن يحصل على شقة ووصلنا أكثر من خمسين ألف طلب حتى الآن، وبالتالي هذا يعكس أن حجم الطلب على المساكن عالي جدا، ولا يعقل أن تكون مناطق المباني الجديدة محصورة في منطقة (أ) فقط لأن أسعار الأراضي في منطقة(أ) برام لله عالية جدا .

حيث يصل سعر دونم الأرض بها أحيانا إلى مليون أو مليوني دولار بينما في منطقة لا تبعد سوى خمس أو عشر دقائق بالسيارة نجد أن سعر دونم الأرض يتراوح من (2000) : (10000) دولار وبالتالي فتح منطقة (ج) أمام الاستثمار والتطوير سيقلل حجم التكلفة بشكل كبير جدا وسيوسع المناطق التي هي تحت الاستخدام الفلسطيني.

أما عن حجم المشكلة فيوجد هناك عجز سنوي يتراوح من عشرة إلى أثنى عشر ألف وحدة سكنية في الضفة الغربية ولكن العجز المتراكم حقيقة يصل إلى حوالي مئة ألف وحدة سكنية في الضفة الغربية، وفى قطاع غزة هناك خمسة آلاف منزل تم تدميرها في الاجتياح الأخير وهناك أكثر من ستة آلاف منزل دمرتها إسرائيل باجتياحاتها خلال عامي 2001 و2002.

إضافة إلى النمو السكاني الطبيعي بالقطاع، ولذا نقول أن الاحتياجات العمرانية والسكانية كبيرة جدا بكافة الأراضي الفلسطينية وتحديدا بالقدس لأن إسرائيل لا تمنح تراخيص بناء للفلسطينيين بالقدس بل وتقوم بهدم منازلهم بهدف تهجيرهم ولذلك نقول أن مشكلة الإسكان بالأراضي مشكلة كبيرة جدا جوهرها أن إسرائيل تريد للفلسطيني أن يصعد للسماء ولا يتوسع على الأرض.

هل هناك شراكة مع القطاع الخاص الفلسطيني لتمويل مشروع الوزارة أم أن هناك تخوف من جانبه مما يمكن أن تفعله الجرافة الإسرائيلية؟

نعم فمشاريع الإسكان هذه هناك شراكة مع القطاع الخاص الفلسطيني والقطاع البنكي حولها، وهناك تمويل من بعض المصادر المحلية وبعض المصادر الإقليمية من البنوك التجارية وشركات الاستثمار الفلسطيني، وبالطبع نحن نأخذ بعين الاعتبار ما يمكن أن تفعله الجرافة الإسرائيلية، ولكن لا نريد أن نستسلم لهذا الموضوع أطلاقا، نريد أن ننشئ كل ما يقع ضمن الاحتياجات الفلسطينية ولتتفضل إسرائيل وتدمر أذا أرادت، لأن جيش الاحتلال هو أصلا جرافة تدمير.

وحتى بقطاع غزة التي لم يكن فيها أي وجود لا استيطاني أو عسكري إسرائيلي، قامت إسرائيل بقصفها بالطيران ودمرت كما ذكرت خمسة آلاف منزل في حربها الأخيرة وبالتالي بالعدوان وبالجيش نعم يمكن لإسرائيل أن تدمر ما نبنيه والجرافة الإسرائيلية هي للتدمير والجرافة الفلسطينية للتعمير.

حجم العمالة التي يمكن أن تستفيد من المشروع؟

أعتقد أن قطاع البناء يسهم بواحد وعشرين مهنة مرافقة وبالمجمل العام هذا البرنامج الخاص بالبناء عمره الزمني خمس سنوات ونأمل أن يخفف بشكل كبير من حدة أزمة البطالة بين صفوف العمالة الفلسطينية، فنسبة البطالة في الضفة الغربية تقترب من 21% من مجمل القوى العاملة، ولكن طبعا في قطاع غزة النسبة مرتفعة بشكل كبير جدا.

البعض يوجه انتقادا للمشروع وهو أنه مخصص لموظفي السلطة فقط؟

السبب في توجيه هذا البرنامج لموظفي السلطة أن هذا مرتبط بقدرة هؤلاء على السداد، لأن هذه المشاريع ليست مجانية والمستفيد سيدفع ثمن الوحدة السكنية وبالتالي سيكون هناك قروض لهؤلاء المستفيدين مستخدمين رواتبهم للسداد الشهري بأقساط شهرية ميسرة بأذن الله.

وماذا عن باقي الفئات واحتياجاتهم للسكن مع ارتفاع سعر الأراضي؟

بالمرحلة الأولى نحن نتعاطى مع هذه الشريحة ولكن هذه الشريحة تضم صغار موظفي الدولة الذين هم محتاجين للسكن وقدراتهم وإمكانيتهم متواضعة وبسيطة وبالتالي سيكون هناك عدة نماذج للسكن مثل نموذج 80 مترا مربعا للوحدة السكنية ونموذج آخر 100 متر وثالث 120 مترا ورابع 160 أي هناك عدة نماذج منها ما هو قليل التكلفة وفى متناول يد الموظف البسيط، ثم سيكون لدينا برنامج آخر للذين هم ليسوا موظفي السلطة من باقي المواطنين.

بناء المؤسسات

من المعروف أن حكومة سلام فياض تحاول بناء مؤسسات الدولة تمهيدا لإعلانها خلال عامين، تقريبا كم حجم العمران الذي تم في بناء تلك المؤسسات حتى الآن؟

السلطة الوطنية الفلسطينية أنشئت في عام 1994، والأراضي الفلسطينية تضم حوالي 3700 كليومتر من الطرق تم تعبيد 1850 كيلو مترا منها تلك الطرق منذ عام 1994 وحتى اليوم، كما تم بناء أكثر من 12 ألف وحدة غرفة صفية بقطاع التعليم والعديد من المباني العامة.

والآن لدينا برنامج لبناء مجمعات للمدن العامة تضم بعض الوزارات، ولكن طبعا نحن نأخذ في الاعتبار أن وزارات السيادة سوف يتم بناؤها في مدينة القدس، ولكن الآن هناك برنامج لبناء مقرات للمؤسسة المدنية والأمنية ومجمعات للوزارات ومرافق عامة وحدائق وغير ذلك وهناك أيضا برنامج بناء بقطاع القضاء وفضلا عن بعض المستشفيات التي تم إنجازها.

ويمكن القول أن السلطة الفلسطينية منذ عام 1994 وحتى اليوم هي في عملية بناء دائم، وأن كان الحصار المفروض على الأراضي الفلسطينية يعيق عملية البناء ولكن الإعاقة الأكبر هي أن عمل برنامج الأعمار في الأراضي الفلسطينية مرتبط بشكل أساسي بحجم ومدى توفر أموال له، آخذين في الاعتبار أن التمويل الرئيس للبرنامج يأتي من الدول المانحة ومنذ عام 2000 والمساعدات معظمها يذهب لدعم خزينة السلطة لدفع رواتب الموظفين وليس لدعم برنامج الأعمار، ولكن الآن نأمل أن نخصص الجزء الأكبر من المعتاد لبرنامج إعادة الإعمار.

كم حجم الأموال التي توجه سنويا لبرنامج إعادة إعمار الأراضي الفلسطينية؟

يتراوح حقيقة من عام لعام، ففي بعض الأعوام كان برنامج الأعمار يخصص له حوالي من 300 : 400 مليون دولار ولكن في الأعوام السابقة لم تكن الموازنة الفلسطينية تعانى من أي عجز ولكن منذ عام 2000 وحتى اليوم فإن هناك عجزا سنويا ويضطر المانحون بمساعدتنا في تغطية هذا العجز لكي تتمكن السلطة من دفع رواتب شهرية لقطاع الموظفين.

ما هي الأسباب التي أدت لهذا العجز؟

الحصار المفروض على قطاع الأراضي الفلسطينية وتحديدا غزة وهذا الأمر يعنى أن قدرة السلطة الفلسطينية على جباية الضرائب هناك تكاد تكون منتهية وليس هذا فحسب ولكن الواردات والصادرات الفلسطينية تتأثر أيضا بالحصار هي وباقي أوجه النشاط الاقتصادي وبالتالي يؤثر ذلك على الضرائب التي تجنيها السلطة مما يسبب العجز بالموازنة خاصة أذا أخذنا في الاعتبار أن هناك مصاريف والتزمات فالسلطة لديها 145 ألف موظف من مدنيين وعسكريين كما أنها تنفق حوالي 58% من موازنتها على قطاع غزة ولا تجنى من القطاع أي ضرائب، فضلا عن واقع الانشقاق هناك أيضا.

أذن كيف سيكون البناء إذا كانت معظم المخصصات تذهب لسد عجز الموازنة؟

ذكرت أن 80% من أموال المانحين تذهب منذ عام 2000 إلى قطاع الرواتب ولكن الباقي أي 20 % من أموال المانحين تخصص لمشاريع إعمار، فمثلا هناك مشاريع في مناطق صناعية ممولة من الفرنسيين والولايات المتحدة وغيرهما، أي هناك نشاط إلى حد ما مخصص له بعض الأموال، وكما ذكرت في حدود 20% من موازنة 2009 و2008 خصصت وصرفت في مشاريع الإعمار.

وماذا عن إعادة الأعمار بقطاع غزة؟

إعادة إعمار غزة يحكمها عدة عوامل أولها أن تقوم إسرائيل برفع الحصار عنها وثانيا نحتاج إلى توحيد مؤسسات السلطة الفلسطينية وثالثا توفر الأموال وهذا البند الأخير على عكس سابقيه لا مشكلة فيه، فالمانحون في مؤتمر شرم الشيخ في مارس الماضي تعهدوا بحوالي أربعة مليارات دولار لإعادة إعمار غزة ولكن لم يصرف أي من هذه الأموال حتى الآن والسبب في ذلك هو أننا لا نستطيع إدخال ولو حتى كيس إسمنت واحد للقطاع بسبب الحصار الإسرائيلي له، ولكن خططنا بالسلطة لإعادة إعمار القطاع موجودة وجاهزة وتعهدات المانحين موجودة والمشكلة فقط بالحصار.

وماذا عن أسعار مواد البناء وتكلفته في الأراضي الفلسطينية؟

أسعار مواد البناء مرتبطة بشكل أساسي بالسوق العالمي، ولكن هناك بعض التشريعات التي تسنها البلديات الفلسطينية تؤدى إلى رفع التكلفة، فمثلا بعض البلديات تشترط أن يكون البناء بالحجر وهذا يزيد من التكلفة النهائية للبناء بمقدار 25% أي ترتفع قيمة البناء نظرا لوجود مثل هذه الاشتراطات، ونحن من جانبنا نقوم الآن بالحوار مع هذه البلديات من أجل خفض تكلفة البناء عبر تغيير مثل هذه التشريعات.

القاهرة ـ سباعي إبراهيم