في السابع من ديسمبر الجاري انطلقت من العاصمة الدنماركية كوبنهاغن قمة الأمم المتحدة للتغير المناخي، والتي طال انتظارها بعد مرور قرابة العقدين من الزمان على انعقاد «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو في البرازيل العام 1992، والتي تمخض عنها بروتوكول «كيوتو» حول التغييرات المناخية.

إلا أن الآمال التي يعلقها الكثيرون والمخاوف التي يحذر منها العلماء على مستوى الكوكب بكامله، ميزت المؤتمر الذي وصف بأنه «أهم» المؤتمرات التي يشهدها العالم حتى الآن، كونه قد ينقذ أو يودي بحياة ملايين البشر على مر السنين القادمة، فضلا عن التحذيرات من تشريد نحو مليار شخص على مدى العقود الأربعة القادمة.

ويبقى الفيصل بين مسارين قاطعين كحد السيف ما يتفق عليه قادة وزعماء 194 دولة تقرر مشاركتهم في الحدث العالمي، الذين تجمعهم ثلاثة أهداف ظاهرية تتركز عليها نقاشات المؤتمرين، وتتمثل في كبح انبعاثات الغازات المسببة للحرارة، لاسيما في الدول الصناعية.

ومساهمة الدول الصناعية في التمويل اللازم لمساعدة العالم النامي على التأقلم مع التغير المناخي، والموافقة على خطة عمل في مجال تبادل الكربون بهدف إنهاء تدمير الغابات بحلول العام 2030. ولكنهم يختلفون فيما بينهم حول آلية تحقيق ذلك، لاسيما ما يتعلق بنسب تخفيض انبعاثات الكربون، ومن ثم تحديد سقف أعلى لارتفاع حرارة سطح الأرض.

وبعد الاتفاق على مسودة أولية قدمتها القمة يوم الجمعة الماضي لمواجهة التغير المناخي وتنص على تحديد سقف ارتفاع حرارة سطح الأرض بدرجة ونصف او درجتين مئويتين تاركة بذلك الخيار بين هذين الرقمين للبت به لاحقا.. أعربت بعض الدول النامية عن رفضها واستغرابها من ذلك كونه يمثل خطوة للخلف وليست للأمام.

ويدعو نص المسودة الأولية الدول الصناعية إلى البدء بالمرحلة الثانية من تعهدات بروتوكول «كيوتو» للفترة الممتدة بين 2013 و2020، ما رأى فيه كثيرون استجابة قوية لمطالب الدول النامية. إلا أن صياغة الوثيقة بدت أكثر «غموضا» بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي لم تصادق على بروتوكول «كيوتو»، والتي أعلنت أنها سترد تعهداتها في مجال انبعاثات غازات الدفيئة في نص ملحق بالاتفاق. والى الآن، عرضت واشنطن خفض انبعاثاتها بحلول 2020 بنسبة 17 في المئة مقارنة بمستويات العام 2005، ولكن المفاوضين الأميركيين قالوا إن أهدافهم على المدى الأبعد «أكثر طموحا».

كذلك، فان النص لم يحدد تاريخ بلوغ الانبعاثات العالمية من غازات الدفيئة ذروتها، وهو تاريخ يفترض من بعده ان تبدأ هذه الانبعاثات بالانخفاض، حيث اكتفى بالقول ان هذا التاريخ يجب ان يكون «في أسرع وقت ممكن».

ما جعل الأمر لا يبدو مبشرا، وإن كان يمثل في نظر الكثيرين تنازلا من شأنه أن يلقى قبولا من جانب الدول التي لم تصادق على «كيوتو» وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي رأت أن «كيوتو» ظالم لها وغير محقق لمصالحها، مستندة في موقفها إلى وجود دول، وإن كانت نامية في ذلك الوقت، إلا انها لن تكون كذلك في المستقبل القريب.

وفي مقدمتها الصين والهند، ومن ثم ستصبح من بين الدول المسؤولة عن ظاهرة انبعاث الغازات الدفيئة (التي تمتص الأشعة تحت الحمراء في الغلاف الجوي، وتسبب الاحتباس الحراري).

وبالتالي رأت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أن الاتفاق لن يحقق الهدف المرجو منه. في حين نظرت الدول النامية والأقل نموا إلى الاتفاق بعين الرضا والارتياح، كونه ألقى على عاتقها التزامات قليلة يمكنها تحمل تبعاتها.

وبالعودة قليلا لنص المعاهدة التي صادق عليها 183 طرفا، واعتمد استخدامها في ديسمبر 1997 في كيوتو في اليابان، ودخلت حيز التنفيذ منتصف فبراير 2005، فإن المعاهدة هدفت إلى تثبيت تركيز الغازات الدفيئة، بما يحول دون تأثيرها على النظام المناخي.

إذ نصت على إلزام الدول الصناعية قانونيا بخفض الانبعاثات بمعدل 2, 5 في المئة دون مستوياتها في العام 1990 بحلول العام 2012، والتي تشمل أربعة غازات دفيئة، وهي: ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز (غاز الضحك) وسداسي فلوريد الكبريت، فضلا عن مجموعتين من الغازات، وهي: هيدروفلوروكربون والهيدروكربونات المشبعة بالفلور.

وبينما يستمر الجدل والخلاف بين مختلف الأطراف المشاركة في كوبنهاغن، لاح تحذير علمي قاطع من منظمة الأرصاد الجوية العالمية باحتمال أن يكون العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الأكثر دفيئة في كافة سجلات المنظمة على الإطلاق. ما يجعل وتيرة القلق والخوف تتصاعد جنبا إلى جنب مع الطموح والتفاؤل حيال قمة يترقب العالم نتائجها بفارغ الصبر.

تقريرـ سهير إبراهيم