من أجل إحراز أي نجاح في التوصل إلى إنجاز بشأن التغير المناخي، يتعين على زعماء العالم التفكير بأجيال المستقبل والمواطنين الآخرين، وليس بمواطنيهم فحسب.

وسيتطلب ذلك منهم التفكير بالإجراءات الاستثنائية والشاملة، وليس مجرد ترميم لمصالح وطنية أو إقليمية مختارة. ولن تجدي أية اتفاقية لا تتعدى البلاغة الخطابية ولا تحقق احتياجات أفقر الدول وأكثرها تعرضا لتغيرات المناخ.

ولا يمكن إصلاح المناخ في قارة دون أخرى، ولا تحترم التغيرات المناخية الحدود الإقليمية، فنحن في قارب واحد أي ثقب فيه يعرضنا جميعا للغرق. ولإنجاح أية اتفاقية يجب أن تسودها العدالة المناخية، وأن تشكل جوهرها، وستتعرض أية اتفاقية غير نزيهه للإخفاق.

وعلى الدول الصناعية، كالولايات المتحدة، أن تكون الرائدة في خفض الانبعاث الحراري ودعم الدول الأخرى لكي تحذو حذوها، غير أن الدول النامية كالهند أو الصين، لديها مسؤولية متزايدة أيضا للقيام بذلك نظرا لاستمرار نمو اقتصادياتها.

والمثير للأسى أن أكثر الدول فقرا وأقلها مسؤولية هي التي يتعين عليها تحمّل عبء التحدي المناخي كالارتفاع في درجات الحرارة والفقر المدقع والجوع وتعرض مليارات البشر من شعوبها للمرض.

وهي تحتاج للمساعدة الفورية لتقوية مرونتها المناخية أيضا، طالما هناك دعم طويل الأمد لتكيفها مع أنماط التغير المناخي، وتقليلها لإزالة الغابات ومتابعة خفض الانبعاث الحراري، واتباع استراتيجيات تتبنى نموا نظيفا للطاقة.

ويتعين أن تحقق الاتفاقية مجموعة من الإنجازات تتلاءم مع العلم الحديث، ويتحتم عليها بحلول عام 2050 خفض الانبعاث الحراري الأرضي بنسبة تتراوح بين 50 و 85 في المئة قياساً بمستويات عام 2000.

وهذا يتطلب من الدول الأغنى وضع جدول زمني للتحرك نحو خفض الإنبعاث الحراري بحلول عام 2020 بنسبة تتراوح بين 25 و 40 في المئة قياساً بعام 1990. وهي اجراءات تبدو واضحة بالنسبة للاقتصادات الناشئة لخفض الانبعاث الحراري بصورة فورية، وعليها توضيح موقفها بالنسبة للدعم المالي والتقني الفوري للدول النامية على المدى الطويل، وعلى الخصوص لأكثر الدول فقراً وضعفاً.

والسؤال المطروح: هل سنحقق الأهداف التي اقترحناها لخفض الانبعاث الحراري؟ تبدو تلك الجهود مشجعة بالنسبة للإتحاد الأوروبي واليابان والنرويج، وكذلك الحال بالنسبة للاقتصادات الكبيرة الناشئة كما في البرازيل والصين والهند وأندونيسيا وكوريا الجنوبية.

وتمثل الإعلانات الأخيرة للولايات المتحدة عن تحقيق أهداف الانبعاث الحراري نقلة مهمة وتوفر الأساس لرفع سقف الالتزامات في السنوات المقبلة، وهذا ينطبق على اعتراف الاقتصادات الناشئة بأن لها دورا في دعم أضعف الدول.

كما يجب الإشادة بمقترحات الدعم المالي لأقل الدول نموا وتطورا ودول الجزر الصغيرة، والذي قدمته قمة الكومنولث المنعقدة في ترينداد، وكذلك المقترحات التي قدمتها هولندا وفرنسا وبريطانيا في هذا الشأن من بين دول أخرى.

ولكن هناك حاجة أكثر خصوصية بشأن الدعم المالي، فالالتزامات الحالية الرسمية لدعم النمو في أكثر الدول فقراً تقابلها أهداف النمو الألفي التي يتعين تحقيقها. وهناك أيضا حاجة لتحريك تمويل مالي إضافي مهم منفصل عن الالتزامات الحالية الرسمية لدعم النمو، وذلك للمساعدة في مواجهة تكاليف الدعم الزائدة الناجمة عن التغيرات المناخية.

وأية اتفاقية لا تبدو واضحة للعيان بالنسبة للتمويل المالي لن تكون مقبولة لدى الدول النامية كما لن تكون قابلة للتنفيذ. ولن يكون من السهل إيجاد موارد أخرى وإظهار الحاجة إليها، وعلى وجه الخصوص في المناخ الاقتصادي الحالي السائد، ولكن يتعين تحقيق ذلك.

وقد تحفز أية اتفاقية ناجحة ليس فقط الرعاية الجيدة للغابات والاستخدام الأفضل للأرض، ولكن أيضا الاستفادة الكبرى من خفض النمو الكربوني ونحو ايجاد كوكب أكثر تعافيا، ويشمل ذلك عددا من القطاعات من بينها توليد الطاقة والعمران والمواصلات.

وقد يقود ذلك نحو عصر من التعاون الدولي النوعي الجديد المرتكز على المسؤوليات المشتركة برغم تباينها، ليس بإدارة التغيرات المناخية فحسب ولكن أيضا في سبيل تحقيق النمو الإنساني والعدالة الاجتماعية والأمن العالمي.

وفي النهاية ستكون قدرة زعمائنا السياسيين على المحك فهل سيستطيعون العمل على مساعدتنا في إنقاذ أنفسنا...من أنفسنا؟

بقلم: كوفي عنان - ترجمة ـ عمر حرز الله