عندما قررنا إصدار صحيفة «هوفنغتون بوست»، تحدثت عن أن مستقبل الصحافة سيكون ذا ثقافات وتقاليد متنوعة يتبنى فيها رجال الإعلام التقليديون أساليب الإعلام الجديدة التي تشمل، من بين أمور أخرى، الشفافية في نقل الخبر والتفاعل مع الأحداث واتخاذ الإجراءات الفورية. وتتبنى شركات الإعلام الجديدة أفضل ممارسات أساليب الإعلام القديمة، ومن بينها النزاهة والدقة في نقل الأخبار وصحافة التحقيقات.
ومع تكيف كثير من شركات الإعلام التقليدية مع الوقائع الجديدة، من السخف أن ننشغل ببعضنا وتتجادل وسائل الإعلام القديمة مع وسائل الإعلام الجديدة وتنظر إلى الأشياء بمنظار خاطئ.وبصورة متزايدة أصبح التصرف بصورة ودية لا يتم سوى بطريقة واحدة، فنجد كثيرا من الناس يكيلون الشتائم ويوجهون إلى وسائل الإعلام الجديدة الألفاظ النابية وينتقدونها بعبارات حادة ومملوءة بالسخرية والإهانات في غير محلها. ومن الواضح أن البعض في وسائل الإعلام القديمة قرروا أن هذه لعبة وأن أفضل طريقة لممارستها والحفاظ عليها بأنفسهم على الأقل إن لم يكن بواسطة الصحافة، تتم بكيل الاتهامات وإطلاق الألقاب الساخرة عليها. وهذا التكتيك مألوف بين التلامذة في ساحات المدارس في كل مكان، فعندما يفشل أحدهم في إنجاز شيء فإنه يكيل الشتائم ويوجه الإهانات لمن حوله دون تمييز.
لذلك أصبحت المواقع الإلكترونية التي تجمع شتى الأخبار، بحسب وصف ملك الصحافة روبرت مردوخ وفريقه، بمثابة طفيليات، وسارقات مهووسات، ومصاصات دماء، وديدان شريطية في أمعاء الإنترنت، وبالطبع لصوصاً يسرقون حقوق الملكية الفكرية. ويضاهي قطاع الأخبار الأم التي تنتعل حذاءً عسكريا، على الرغم من أنها لا تبدو مقنعة. وإذا كان الزبائن في معظم قطاعات العمل، وليس في قطاع الإعلام فحسب، يغادرون زرافات ووحدانا، فسوف يحاول المسؤولون التصرف بشتى الوسائل لاستعادتهم. وسيتهمون جامعي الأشياء بسرقة مقتنياتهم.وبالطبع فإن بإمكان أي موقع الكتروني التكتم على مصدر أخباره ومنع محرك «غوغل» العملاق من الوصول إليه بسهولة من خلال كتابة اصطلاح «غير متاح» في ملف النص الآلي. ولكن يتعين توخي الحذر لأنه حالما تقوم بهذا العمل وتباشر بمنع وصول محتوى نصك إلى المواقع الأخرى التي تجمع الأخبار وتربطها بمصدرها الأصلي، فإنك ستخسر بين عشية وضحاها جزءاً كبيرا من مصادرك. وكما يقول الأستراليون فإن إتقان العمل شيء جيد.
وإلى كل من يهتم كثيرا بمستقبل بلده أقول له ان جعل «غوغل» عاجزاً عن البحث عن المذيع الأميركي الشهير «غلين بيك» شيء جيد، ولكن هل ينطبق ذلك على الشركات التجارية الناجحة ؟ ليس لهذا الحد.
فالاعتقاد أن منع «غوغل» من الوصول إلى محتويات أخبارك سوف يجعلها «حصرية»، هو اعتقاد خاطئ ويظهر مدى الحاجة لتفهم الإنترنت وكيف تعمل. وكمثال على ذلك يقوم محرك غوغل حاليا بوضع المصطلحات والجمل الرئيسية المقتبسة من أية قصة شيقة، خلف جدار منيع، كما هو الحال في صحيفة «وول ستريت» على سبيل المثال.
تخيل مثلا أنه لا توجد في نتائج البحث عن أحد الموضوعات أية مصادر لمؤسسات إخبارية، فإنك سوف تتلقى مع ذلك العشرات من الروابط التي تقودك إلى مصادر أخرى، ومن ضمنها العديد من أكبر المواقع الإخبارية التي تعلق على القضية، وتعالجها، وتقتبس منها وتتحدث عن الحقائق الرئيسية فيها. لذلك ماذا ستفعل؟ هل ستحاول منع أي شخص من التحدث أو الكتابة أو التعليق أو الإعلان عن القضية التي جعلتهم يدفعون المال مقابل ذلك؟ تبدو هذه فكرة سخيفة.
شاركت أخيرا في لجنة بموناكو مع ماثياس دوبفنر، المدير التنفيذي لدار النشر الألمانية «آكسل سبرنغر». ولاحظت أنه قرر أن يمارس لعبة بلاغية مربكة من خلال مقارنة المحتوى الإخباري بالمشروبات، وقال لي «إذا قررت مجلتكم عرض علب المشروبات مجانا، فهذا شيء حسن، ولكن لا تأخذوا مشروباتنا وتعرضوها مجانا».
وقد أثارت هذه العبارة دهشتي واعتبرتها عبارة بلاغية حقيقية، فالمعلومات والأخبار لا تقارن بالمنتجات التي يستهلكها الفرد، فإذا استهلكت قصة إخبارية، فقد تكون واحدا من ملايين الأشخاص الذين يفعلون ذلك، أما إذا استهلكت علبة مرطبات فإنك تستهلكها بمفردك ولا أحد يشاركك بها.
تبدو هذه عبارة بلاغية زائفة، فإذا باشرت كتابة مقدمة خاطئة فسوف يقودك ذلك، لا محالة، إلى استنتاج خاطئ. أو بعبارة أخرى إذا شربت حتى الثمالة من العبارات الإعلامية القديمة فسوف ينتهي بك الحال بالشعور بالانذهال عبر درب من التفكير غير المنطقي وتصطدم بعمود كهرباء من النماذج التي تحصل الإيرادات بصورة خاطئة!.
وفي كلمته التي ألقاها أخيرا، أثار مردوخ الذهول حينما قارن بين جمع الأخبار والاختلاس الجماعي. فالاختلاس الجماعي عمل غير قانوني، وعليه مأخذ قانوني، في حين أن عملية جمع الأخبار التي تقع ضمن استثناءات الاستخدام العادل لقانون حقوق النشر، تشكل جزءا من جدول البصمة الوراثية لشبكة الإنترنت.
وفي صحيفة «هوفنغتون بوست»، تسير عملية جمع الأخبار جنبا إلى جنب مع الكم الهائل من المحتوى الأصلي للنص ويشمل ذلك التقرير الأصلي وأكثر من 250 عموداً من السجلات الشخصية يوميا. ويروق لنا ذلك عندما يعزو أحدهم مصدره لأحد أعمدتنا الصحافية، أو يقتطف قدراً صغيرا ويعزوها لنا.
وتقدر معظم مواقع الإنترنت قيمة هذه الممارسة والطريقة التي تعمل بها الرابطة الاقتصادية في صحيفتنا. ولهذا السبب تتلقى الصحيفة مئات الطلبات من المراكز الإخبارية تطلب منا نشر موادها وربطها بمواقعها. وهي تتفهم أن شبكة الإنترنت ليست لعبة فارغة المضمون وأن المستهلكين يحبون حرية متابعة أين تكمن مصالحهم إذا جاز التعبير.
وعلاوة على ذلك، لنكن صريحين فإن أكثر الساخطين على هذه الممارسات يعملون جنبا إلى جنب. ومثال على ذلك مؤسسة مردوخ الإخبارية، فلو تصفحنا مواقعها كأحد المواقع التكنولوجية على سبيل المثال، فسنشاهد العديد من الأمثلة لعمود صحافي يدعى «الغلاية السوداء»، يقوم الموقع بجمع محتواه من النصوص. كما يوجد في صحيفة «وول ستريت» قسم تقني، وهو ليس أكثر من قسم متطفل، وأعني بذلك جامعا لأحد محتويات النصوص الخارجية.
ولدى موقع فوكس الإخباري «فوكس نيوز.كوم» صحافي يتابع الشائعات السياسية المدوية، فيمتص الدماء، أعني يجمع النصوص، ويربطها بموضوعات من مصادر متنوعة من ضمنها صحيفة «نيويورك تايمز»، و«الواشنطن بوست»، و«إم إس بي سي»، وغيرها.
وتمتلك مؤسسة مردوخ الإخبارية موقعا يدعى «آي جي إن»، لديه مجموعة متنوعة من خصائص شبكة الإنترنت، ويشمل ذلك موقع «الطماطم المتعفنة» الذي يجمع آراء نقاد الأفلام السينمائية.، وهذا الموقع مؤلف بالكامل من الآراء السينمائية المقتبسة من مواقع أخرى. فهل اتهم أحدهم الموقع بالسرقة؟
لذلك حان الوقت لشركات الإعلام التقليدية إيقاف نواحها ومواجهة واقع أن كثيرا منها تهلّل لأنها تفتقر للمنافسة وحصلت على سنوات من الفوائد بنسب تزيد على 20 في المئة قبل فرض الضرائب، وهي تقدم الأرباح المالية على الصحافة وتسيء قراءة وتفسير شبكة الإنترنت حالما تصل إلى مسرح الأحداث. وتركز اهتمامها على التضامن، وترشيد الإنفاق والتكلفة، وإرضاء «وول ستريت»، ولا تركزه على عملية التحديث وإرضاء قرائها.
وتستغرق هذه الشركات التقليدية في النوم فوق دفة القيادة، وتفوتها الكتابات الجدارية، وتدع القطار يغادر المحطة، كما تدع السفينة تبحر، وتلتقط عباراتها البلاغية وسرعان ما تجد نفسها على الجانب الخاطئ من الاختراع الذي تمثله شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام الإخبارية. والآن تريد المطالبة بمهلة محددة والقيام بعمل أكبر، وتبدأ بتغيير القوانين وتضغط على الحكومة لإنقاذها من مأزقها، وتهاجم وسائل الإعلام الحديثة لمجرد كونها حديثة ومختلفة ومتحولة. وفجأة تتحدث عن السرقة واللصوصية والتطفل وديدان الأمعاء!
فلنكن واقعيين، فقد تغير العالم. وقبل أن نختتم إليكم أكثر الحقائق شعبية وانتشارا، والتي أثرت بصورة عميقة على التكنولوجيا في عالمنا الحاضر وقد جمعها أستاذ الرياضيات كارل فريش:
ـ هل تعلم أن توزيع الصحف قد انخفض بمقدار 7 ملايين عدد خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، في حين ارتفع عدد قراء الأخبار على شبكة الإنترنت بمقدار 34 مليون قارئ في السنوات الخمس الماضية؟
ـ هل تعلم أن إعلانات الصحف قد انخفضت بنحو 19 في المئة في العام الحالي، في حين ارتفعت إعلانات الإنترنت بنسبة 9 في المئة، فيما ارتفعت إعلانات الهواتف المتحركة بنسبة 18 في المئة؟
ـ هل تعلم أن عدد أفلام الفيديو التي تم تحميلها على موقع «يوتيوب» في الشهرين المنصرمين، يفوق ما بثته محطات «ايه بي سي»، و«سي بي إس» و«إن بي سي» التلفزيونية من محتوى جديد في كل دقيقة من كل يوم منذ عام 1948 وحتى الآن؟
ـ وأخيرا هل تعلم أنه يمكننا الوصول إلى أكثر من تريليون صفحة إنترنت، و10 آلاف تطبيق في هاتف «آي فون»، وإرسال رسائل نصيّة بعدد يفوق سكان الأرض، فيما لا يزال روبرت مردوخ يعتقد أن المشكلة تكمن في جمع الأخبار.
بقلم ـ أريانا هوفنغتون - ترجمة ـ عمر حرزالله
كادر
نماذج متعددة للتفاعل الإعلامي
هناك كثير من الناس لا يُسألون مطلقا عن سبب جلوسهم على الأرائك المريحة ومشاهدة برامج لا معنى لها على التلفاز لساعات طويلة، لا يستطيعون فهم سبب عدم تأثرهم بالمواضيع التي تثير اهتمامهم مهما كانت كبيرة أو قليلة الأهمية. ولا يمكن فهم سبب تصرفات الناس الذين يساهمون بتقديم معلوماتهم وسجلاتهم الشخصية إلى موسوعة الإنترنت «وايكيبديا» مجانا ويحررون صورهم على المواقع الشخصية ويكتبون مواضيع مختلفة في مواقعهم الاجتماعية مجانا ويجددون المواضيع دون كلل أو ملل مجانا، ويرغبون بالمساهمة في نشر مواضيع مختلفة لما يحدث في حياتهم ومجتمعاتهم ويعلقون على الأخبار المتنوعة وكل ذلك مجانا أيضاً.
اتجاه قوي لتبسيط التعامل مع الإعلام الرقمي
أعلن جيمس هاردنغ وهو صحافي في صحيفة «لندن تايمز» وعضو في فريق الملياردير وإمبراطور الإعلام روبرت مردوخ، أنه يفضل تقاضي المال مقابل دخول القراء على موقع صحيفته الإلكترونية لمدة 24 ساعة، بدل حصوله على دفعات نقدية شحيحة قد تؤدي إلى الدخول للصحف الإلكترونية الأخرى، وبكلمات أخرى لنجعل الأمور أكثر بساطة.
في كل يوم نسمع عن مبادرة جديدة لتسخير الإعلام الرقمي وجعل الناس يدفعون مقابل قراءة الأخبار على شبكة الإنترنت. وهناك اتجاه قوي لتبسيط التعامل مع الإعلام الرقمي.
والضجة الكبرى التي أثيرت أخيرا تتعلق بالقريحة التي جادت بها نفس المؤسسة الإخبارية «نيوز كورب» وإعلانها الانفصال عن «غوغل» ومحاولتها الارتباط بمؤسسة «مايكروسوفت» مانحة قلبها ومحتوياتها كافة إلى المؤسسة. ويبدو أن مايكروسوفت قدمت عروضا كثيرة لمردوخ تؤمن ربحا لشركته العملاقة على حساب القراء. حيث اقترح مؤخرا جايسون كالاكانيس، أحد أشهر المستثمرين في المواقع الإلكترونية في الولايات المتحدة، أن تتفق المؤسسات الإعلامية وتحرم غوغل من موادها الإخبارية.
نحو صحافة أفضل في الأوقات العصيبة
يؤكد المراقبون على ضرورة عدم نسيان أن ثقافتنا الإعلامية الحالية، مع بعض الاستثناءات المشرفة، فشلت في خدمة القراء من خلال افتقادها لأكبر قضيتين في عصرنا الحالي، وهما الهرولة لشن الحرب على العراق والانهيار المالي. وفي كلا المثالين كان هناك عدد كاف من الناس تكهنوا بما قد يحدث بصورة صحيحة وحذروا من وقوعه، لكن صوتهم لم يكن كافيا أو أنهم كانوا يدورون في حلقة مفرغة. وبالطبع يجب تحديد مستقبل الصحافة، من خلال الأعداد المتزايدة بكثرة من البشر الذين يطالعون الأخبار ويرتبطون بها بطريقة جديدة تماما عن طريق الإنترنت ويعلقون عليها ويبدون وجهات نظرهم بصورة فورية بعكس ما يحدث في الصحافة التقليدية

