بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما ودودا في تفهم مدى الحماقة الشديدة التي عالجت بها إدارة بوش الحرب في أفغانستان على الأصعدة كافة ومدى خطورة الإرث الثقيل الذي تسلمه.

ولا تزال الأمور غير واضحة فيما يتعلق باستغراق إدارة أوباما كل هذا الوقت لتقرر استراتيجيتها بشأن الحرب، لكن يتعين دراسة استراتيجية أوباما على ضوء حقيقة أنه اضطر للتركيز بصورة فعلية على كافة أوجه الخطة الأميركية الجديدة في أفغانستان وباكستان للتعامل مع فشل إدارة الحرب عبر ثماني سنوات، وذلك بهدف الضغط على الحكومتين الأفغانية والباكستانية لنشر عدد ملائم من القوات أميركية وللسعي بقوة نحو توحيد جهود حلف شمال الأطلسي وقوات «ايساف» لإدارة المساعدات ودمج العمليات المدنية والعسكرية.

وكانت النتيجة نشوء فراغ قوي استغلته طالبان والقاعدة بمهارة فائقة، علاوة على خسارة نصف الأراضي الأفغانية بين عامي 2005 و2009. لقد باشرت الولايات المتحدة أخيرا التخطيط والإدارة على المستوى المطلوب، على الرغم من أن ذلك ينطبق حتى الآن على الجانب العسكري من جهودها.

ويشير أحد المسؤولين الكبار الذين خدموا في إدارتي بوش وأوباما إلى أن هذه كانت المراجعة الاستراتيجية الرئيسية الخامسة التي تجريها الولايات المتحدة، منذ بدء الحرب الأفغانية، لكنها الأولى التي تتعامل مع طرق ووسائل وأطراف محددة فيما يتعلق بالموارد والخطط العسكرية والبرامج المحددة التي ثمة حاجة ماسة إليها لاتخاذ إجراءات ملموسة تجاه الحرب. ولاحظ هذا المسؤول أن قرارات الرئيس أوباما لم تصدر إلا بعد عشر اجتماعات رئيسة وعقب إصدار نحو ثلاثين دراسة استخباراتية.

طبيعة الحرب والأهداف

في الوقت نفسه حافظ الرئيس أوباما على أسطورة مبسطة، فقد ركز على تنظيم القاعدة والمنضوين تحت لوائها، مثيرا احتمال السيطرة المتطرفة على الأسلحة النووية في باكستان. ولم يناقش أوباما بصورة جادة مدى الحاجة لتحقيق الاستقرار الإقليمي أو يركز على حقيقة أن التطرف سيشكل تهديدا راسخا في أرجاء المنطقة مهما فعلت واشنطن في أفغانستان أو باكستان. وتعكس قرارات أوباما ،في الواقع، حقيقة أن الحرب ليست موجهة نحو القاعدة وحلفائها فحسب، سواء تعرضت تلك الأطراف للتعطيل أو التفكيك أو التدمير.

وقد يرفض البيت الأبيض ما يصفه أحد المسؤولين بالتعزيز الذي لا قيمة له والجهود اللامتناهية لإيجاد مستوى مستحيل من المعالجات على مدى عقد من الزمن أو أكثر من ذلك. غير أن الاستراتيجية الجديدة تطالب بشراكة طويلة الأمد وذات قاعدة عريضة مع أفغانستان وباكستان وتعكس حقيقة أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية في تدخلها، على الاستقرار الإقليمي. وتطالب هذه الاستراتيجية بإيجاد علاقات طويلة الأمد وتقديم معونات تعكس أيضا حقيقة أن النصر أو الهزيمة سوف يؤثر على التطرف المتسم بالعنف الشديد في ،أرجاء العالم، علاوة على التصورات العالمية فيما إذا كان ممكنا الوثوق بالولايات المتحدة كحليف استراتيجي.

لقد تصرف الرئيس أوباما بصورة أكثر من حاسمة، فيما يتعلق بالتمويل وزيادة عدد القوات العسكرية ونشر المدنيين، بصورة أكثر مما توقعها الكثيرون. ولم يركز في خطابه على الحرب بالكامل غير أنه أشار إلى أنه يعتزم طلب نحو 35 مليار دولار إضافيا للجانب العسكري من الاستراتيجية الأميركية في السنة المالية 2010.

ويخصص نحو 40 في المئة منها للأفراد والمستخدمين فيما يخصص الباقي للمعدات العسكرية الجديدة الخاصة بسلاح البحرية والطيران وكذلك تمويل وتوسيع القوات الأفغانية وإنشاء قواعد ومرافق جديدة ووسائل مواصلات علاوة على النفقات الفوقية.

أرقام متضاعفة

ولوضع هذه الأرقام ضمن المنظور العام تظهر الدراسات الاستراتيجية أن كلفة الحرب في أفغانستان قد ارتفعت من 20 مليار دولار في السنة المالية 2005، إلى 2, 55 مليار دولار في السنة المالية 2009، وأن الطلب المقدم قبل خطاب أوباما بشأن كلفة الحرب يقارب 9, 72 مليار دولار. وهذا سيضيف ما بين 30-40 مليار دولار لإجمالي النفقات ويجعلها تزيد على 100 مليار دولار.

ويضاهي ذلك خمسة أضعاف النفقات في عام 2005. وتستهين هذه النفقات بتأثير نهاية العام بشأن الحاجة الماسة لتمويل القوات الأفغانية وزيادتها لكي تحل محل القوات الأميركية وقوات التحالف (ايساف)، علاوة على منح مزيد من المساعدات لباكستان . وهذا يعني عمليا أن التكلفة الشهرية للحرب سترتفع من 7, 1 مليار دولار في عام 2005، إلى 6, 4 مليارات دولار في عام 2009، وإلى أكثر من 8 مليارات دولار في عام 2010.

وسيتوجه جزء كبير من القوات الأميركية إلى جنوب وشرق أفغانستان حيث تتمركز طالبان، لكن طُلب من قوات «ايساف» توفير مزيد القوات بعدد يتراوح بين 7000 و8000 جندي، بالإضافة إلى عددها الحالي البالغ 39000 جندي وذلك للمساعدة في طرد قوات طالبان من وسط وشمال أفغانستان. وهذا سيوصل عدد التعزيزات إلى مستوى 40 ألفا وهو أحد خيارات قائد القوات الأميركية والحليفة الجنرال ماكريستال. الذي كان يتحدث عن زيادة قوات ايساف وليس القوات الأميركية فحسب.

والأهم من ذلك أن هذا سيعني إرسال قوات بسرعة كافية ليكون لها تأثيراً أكثر حسما، وكذلك لعكس قوة الزخم لمكاسب طالبان في أقرب وقت، وحرمان العدو من الوقت الكافي للتكيف مع الوضع. كما يسعى الرئيس أوباما لمطالبة الدول الحليفة في الحرب الأفغانية منح ماكريستال مرونة أكبر في وضع القوات في الأماكن التي هناك حاجة أكبر إليها، عوضا عن تركها في المناطق الإقليمية، حيث تكون مقيدة بالإجراءات القانونية.

المخاطر الرئيسة

هذه التعزيزات العسكرية لا تشكل سوى جزء من حبكة الرواية على الرغم من أنه لا يوجد شخص مسؤول أو يحظى بالمصداقية يستطيع وصف التعزيزات المدنية بمجرد عملية تصاعدية قياسا باحتياجات المستخدمين. ويشير المسؤولون الأميركيون إلى أن أوباما يسارع بزيادة عمال الإغاثة المدنيين ليصل عددهم إلى 900 شخص في ديسمبر ويناير وإلى 975 عاملا مطلع فبراير 2010 .

وذلك مقارنة بـ 300 عامل مطلع العام الجاري. ووصف الرئيس الأميركي ذلك بقوله «سوف يصاحب الزيادة المتواصلة والمهمة في الخبراء المدنيين، حقن كبير من المساعدات المدنية الإضافية، وسوف يتشاركون مع الأفغان على المدى الطويل لتعزيز طاقة المؤسسات الحكومية الوطنية وشبه الوطنية والمساعدة في إعادة تأهيل القطاعات الاقتصادية الرئيسة في البلاد، حتى يتمكن الأفغان من هزيمة المتمردين الذين يلوحون بمزيد من العنف.

لقد أوضح الرئيس أوباما أنه سيجعل عملية «النقل» جزءاً رئيسا من الاستراتيجية الأميركية التي يصفها كبار مستشاريه بعملية التطهير والإبقاء والتعزيز والنقل. وقد كان صريحا بشأن حقيقة أن أية استراتيجية عملية يجب أن تعتمد على القوات الأميركية وقوات «ايساف» الحليفة على المدى القصير، وأنه سوف تنقضي سنوات عدة قبل تقليص الدور الأميركي من القيادة إلى المراقبة ومن ثم النقل. وفي الوقت نفسه كان أوباما حاسما بشأن حقيقة التزامه بنقل القوات في يوليو 2011.

وتقضي هذه الاستراتيجية ببناء وتعزيز القوات الأفغانية بدرجة تتيح بدء خفض القوات الأميركية وقوات التحالف في مطلع ذلك العام على الأقل. وقد أُبلغت أفغانستان وباكستان بأن الولايات المتحدة وحليفاتها لم تقدم التزاما مفتوحا بشأن ذلك وسوف تنتقل إلى مرحلة الوجود المتقلص بصورة مطردة وبدور محدود واستشاري بدرجة أكبر.

كما أوضحت الإدارة الأميركية أنها تركت مستوى الخفض المستقبلي للقوات ومواعيدها مفتوحا، وسوف يكون مستوى الخفض مشروطا ومصمما بما يتلاءم مع الواقع على الأرض في كل إقليم ومقاطعة أفغانية، وسيكون للرئيس أوباما مرونة التعامل مع الواقع الذي سيظهر خلال الأشهر الثمانية عشرة المقبلة.

مخاطر مزدوجة

هناك مخاطرتان رئيستان في تطبيق الأفغان للإستراتيجية الجديدة لم يوضحها أوباما في خطابه بشكل كامل. الأولى أنه وجد أن القوات الأفغانية أقل جاهزية بصورة جوهرية مما كان يأمل الكثيرون.

ولم يركز أوباما على ذلك غير أن الاستراتيجية الجديدة ترفض فكرة مضاعفة القوات الأفغانية. كما أن المطالبة بمعايرة حذرة ومتأنية للجهود السنوية لتلك القوات التي تؤكد على جودتها بقدر ما تؤكد على عددها، سوف تزيد فقط أهدافها ومواردها حالما تظهر الوزارات الأفغانية المعنية بالحرب أنها حققت أهدافها السنوية الحاضرة بنجاح وهذا يحول دون مساءلة الأفغان حول إنجازاتهم.

وتشكل باكستان مخاطرة رئيسة ثالثة، وربما بالغ الرئيس أوباما بمخاطرة أن الأسلحة النووية الباكستانية قد تقع في أيدي القاعدة، غير أنه لم يبالغ بمدى أهمية تغيير باكستان من شبه حليف يتعرض للضغط باستمرار، إلى شريك استراتيجي أكثر استقرارا ورغبة بالتعاون. ولضمان أمن الولايات المتحدة نحتاج إلى تطبيق استراتيجية ناجحة على جانبي الحدود الأفغانية والباكستانية، فتكلفة الامتناع عن القيام بذلك أكبر بكثير.

ويركز الأميركيون الآن على التعاون مع المؤسسات الديمقراطية في باكستان وتوثيق العلاقة بين الحكومة الأميركية والشعب الباكستاني لصالح المصالح والاهتمامات المشتركة بين الطرفين. وقد التزمت واشنطن بإقامة علاقة استراتيجية مع باكستان على المدى الطويل وأكدت ذلك من خلال منح إسلام أباد مساعدات سنوية بقيمة 5, 1 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة لدعم التطور والديمقراطية في البلاد، كما قادت جهودا دولية لحشد مزيد من الدعم والوعود.

انتظار السلام

دعا الرئيس أوباما، كمخاطرة أخيرة، لبذل الجهود للمصالحة التي تسعى لتوفير بعض أشكال العفو عن الأفغان المتمردين، وهذه مبادرة مهمة ولكن الأهم هو ملاحظة أن كثير من الذين شاركوا في التخطيط لهذه الجهود يعتقدون أن القيادات العليا في القاعدة وطالبان يحملون ايدولوجيات تدفعهم لعدم تغيير مواقفهم على الإطلاق.

وأن تلك الجهود لا يمكنها أن تكتسب زخما جادا على المستويات الأقل طالما تتصور الحكومتان الأفغانية والباكستانية وحلف شمال الأطلسي وقوات «ايساف» أنها تخسر الحرب. وإذا وضعنا هذا العنصر ببساطة في أية استراتيجية فلن يكون فعالاً إلا إذا بدأنا الفوز بالحرب ووفرنا للمتمردين الأقل التزاما سببا لتغيير تحالفهم.

بإيجاز شديد، لا تكافح استراتيجية الرئيس أوباما الجديدة الإرهاب ولا استراتيجية التمرد، على الرغم من وجود عناصر مهمة فيها من كلا الجانبين، وهي استراتيجية مدنية- عسكرية تركز على السكان المدنيين وعلى مبدأ تطهير وإيقاف وتعزيز ونقل القوات، وتحمل في طياتها مخاطر مدنية وعسكرية كبيرة.

وتتطلب استراتيجية النقل إيجاد شراكة استراتيجية دائمة مع أفغانستان وباكستان على حد سواء، حيث من المهم فيها تقديم مساعدات أمنية وحكومية واقتصادية. ولا يشكل البعد العسكري سوى نصف الجهود. ويتفهم الرئيس وفريقه بأن تقديم المساعدات الأجنبية الضرورية والتعاون مع حكومة الرئيس الأفغاني قرضاي وكذلك الحكومة الباكستانية سوف يكون مكلفا وهاما ويستغرق وقتا طويلا.

بقلم ـ أنتوني كوردسمان - ترجمة: عمر حرزالله