تلعب اقتصاديات الطاقة دوراً جوهرياً في صناعة القرارات التي تتخذ، سواء على مستوى الأفراد أو الشركات أو الحكومات لمواجهة متطلبات الحياة. وقد أدى التسابق لتحقيق التنمية السريعة، على المستويات المذكورة، إلى تصاعد مستمر في معدلات استهلاك الطاقة، أحد أبرز العوامل التي تلحق ضرراً كبيراً بقدرات البيئة على الحفاظ على توازناتها لتديم وضعاً يحفظ لنا الحياة. فزيادة الحاجة إلى الطاقة في ظروف عدم وجود ضوابط لتحجيم الآثار السلبية التي تصاحب هذه الزيادة يعني الإسراع في استنزاف الموارد الطبيعية، من جهة، وتردٍ في الوضع البيئي، من جهة أخرى.

شكلت استراتيجيات التعامل مع مصادر الطاقة المتنوعة حجر الأساس في النهضة الصناعية، فالطاقة عصب الحياة ومحور تقدمها. فقد كان لاقتصاديات الطاقة، ولا يزال، الدور الأساسي في صناعة الاستراتيجيات السياسية لجميع دول العالم التي توزعت بين ثلاثة مجاميع: الأولى لا تمتلك مصادر الطاقة، أو تمتلك بعضها، إلا أنها قادرة على استغلالها بحكم ما يتوافر لديها من وسائل علمية وتقنية متقدمة تعرفت عليها وامتلكتها عبر البحث والاستقصاء، والثانية تمتلك هذه المصادر إلا أنها غير قادرة على استغلالها لضعف قدراتها العلمية والتكنولوجية، والثالثة لا تمتلك هذه المصادر، ولا تمتلك كذلك القدرات على استغلالها.

الامتلاك والاستغلال

المجموعة الأولى حصلت على قصب السبق في تطوير اقتصادها، لأنها امتلكت ناصية العلوم والتكنولوجيا، وامتلكت تبعاً لذلك أسباب القوة والمنعة التي مكنتها من تأمين حاجاتها من مصادر الطاقة سواء باستخدام القوة العسكرية أو استخدام قوة النفوذ السياسي.

أما المجموعة الثانية فقد دخلت مرحلة الازدهار الاقتصادي عن طريق استغلال هذه الثروات إلا أنها قد تكون غير متهيئة تماماً لمواجهة ما قد يخفيه المستقبل من مجاهيل عند اقتراب موعد نضوب هذه الثروات.

أما المجموعة الثالثة فهي تضم الدول الفقيرة في العالم التي يقع معظم سكانها، في مستوى معيشته، تحت خط الفقر.

ويمكن في ضوء ذلك تقسيم التأريخ الاقتصادي للبشرية منذ بدء الثورة الصناعية إلى مرحلتين: الأولى هي مرحلة الفحم، والثانية هي مرحلة النفط التي نعيشها في الوقت الحاضر والتي بدأت مع البدايات الأولى للقرن العشرين، فأي مصدر من مصادر الطاقة سيحدد ملامح المرحلة الثالثة، مرحلة ما بعد عصر النفط؟.

دأب المخططون في مجال الاقتصاد في مختلف دول العالم على وضع الخطط لاستغلال الموارد الطبيعية، أو بكلمات أخرى، وضع الخطط لاستنزاف هذه الموارد، ولم تكن البيئة في هذه الدراسات موضوعاً يؤخذ بنظر الاعتبار، إذ لم يكن لها حضور يذكر على مائدة المداولات.

هذا على الرغم من أن استخدام المصادر التقليدية للطاقة: النفط والفحم والغاز، يصاحبه عادة الكثير من الأضرار البيئية خلال مراحل الاستكشاف والحفر والإنتاج والخزن والنقل والاستخدام، مما كان له أسوأ الآثار على البيئة حيث تجاوزت تأثيراتها المدمرة المواقع الجغرافية المحدودة التي تتوافر فيها مناجم الفحم والحقول النفطية والغازية، إلى الإسهام في تلوث البحار وتلوث الهواء.

ولعل أسوأ تأثيراتها هو الإسهام في التغيرات المناخية على مستوى العالم والتي بدأت تأثيراتها تظهر منذ عدة سنوات، وأصبحت بمثابة ناقوس خطر ينبه الحكومات والمنظمات الدولية إلى ضرورة إيجاد الحلول العملية واتخاذ القرارات المسؤولة لمواجهة ذلك.

هذا إضافة إلى المخاطر الصحية الناجمة عن استخدام مصادر الطاقة هذه، ولعل مجرد الإشارة إلى التأثيرات الصحية الخطيرة الناتجة عن استخدام المصادر التقليدية للطاقة الملحوظة في أكثر بلدان العالم استهلاكاً للطاقة، الولايات المتحدة والصين، يكفي لتقدير الأهمية الاستثنائية للتوجه نحو البحث عن مصادر جديدة للطاقة لا تلحق أضراراً بالبيئة.

من ريو إلى كيوتو

وعقدت مؤتمرات دولية عديدة لمقاربة هذا الموضوع على مدى العقدين الماضيين، كان أبرزها مؤتمرا ريو وكيوتو دون الحصول على إجماع في صياغة موقف حاسم وواضح في هذا الصدد، خاصة أن من قام بعرقلة ذلك هي بعض الدول العظمى التي لها إسهام متميز في تردي الوضع البيئي.

وبدأت جهود البحث عن مصادر جديدة للطاقة تكتسب أهمية متزايدة، خاصة بعد أن أصبح هذا الموضوع ضمن جداول أعمال منظمات هامة في العالم كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة الثماني الكبار، وأخيراً مجموعة العشرين.

وفي هذا السياق يواجه استراتيجيو الطاقة محورين رئيسيين يحددان أطر السياسات المستقبلية: أولهما مقاربة التغيرات المناخية التي أصبحت تقلق بال المؤسسات المهمة على المستوى العالمي لما لها من مخاطر على الحياة في المستقبل بإجراءات ترقى إلى مستوى المخاطر المتوقعة، وثانيهما تأمين الحصول على مصادر الطاقة بكلفة اقتصادية مناسبة.

ولمواجهة هذين التحديين تتركز توصياتهم على ضرورة تنويع مصادر الطاقة، وزيادة نسبة المصادر التي لا تسهم في انبعاث الغازات الدفيئة المسؤولة عن الاحتباس الحراري والتردي البيئي.

وذلك بزيادة نسبة الاستخدامات في الطاقة المتجددة والطاقة النووية، مع إيجاد الوسائل الناجعة والاقتصادية لتقليص نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الجو عن طريق إيجاد الوسائل العملية لجمعه وخزنه، أو تحويله إلى مركبات تخدم أغراضاً اقتصادية أخرى.

لماذا الطاقة المتجددة

الطاقة المتجددة لها موقع مهم في الدراسات التي يستند إليها استراتيجيو الطاقة لأسباب عديدة:

1 ـ صداقتها للبيئة، فهي لا تنتج إلا القليل من غاز ثاني أوكسيد الكربون.

2 ـ توافرها في كل مكان وبمظاهر شتى، وتوافر القدرة على زراعة بعضها، فالميثانول الذي يتوسع استخدامه كوقود في وسائل المواصلات يستخلص من المحاصيل الزراعية مثل: الذرة أو قصب السكر أو محاصيل أخرى.

3 ـ انسجامها مع مبدأ اقتصادي وبيئي مهم وهو التنمية المستدامة.

4 ـ توفيرها لتقنيات جديدة، ولفرص عمل كثيرة سواء على مستوى إجراء الأبحاث لتطويرها، أو على مستوى التشغيل والإدامة.

5 ـ إسهامها في استقرار أسعار الطاقة محلياً، ودورها في إضعاف تأثيرات التذبذب في الأسعار العالمية على اقتصاد الدولة.

6 ـ إضعافها للنفوذ السياسي الذي اكتسبته شركات النفط والغاز في العالم، وإسهامها في التخفيف من ضغوطات هذه الشركات على القرار السياسي للحكومات في الشرق أو الغرب على السواء.

وهناك في الأفق ما يشير إلى أننا سنشهد تغيراً في أساليب إنتاج الطاقة وأساليب التعامل معها واستخدامها، صحيح أن الطاقة المنتجة بالطرائق الجديدة، ومنها طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية لا تزال أعلى كلفة من الطاقة المنتجة من حرق الوقود التقليدي (النفط والغاز والفحم)، وهي بالتأكيد أعلى كلفة بكثير من الطاقة النووية، إلا ان موعد التقارب في الكلفة قد لا يكون بعيداً خاصة مع زيادة الاستثمارات التي شهدتها السنوات الأخيرة في الطاقة المتجددة.

هذا على الرغم من بعض السلبيات المصاحبة لإنتاج واستخدام هذه الطاقة، فهي متقطعة أحياناً بسبب التغير في سرعة الرياح أو التغير في شدة الأشعة الشمسية حسب طبيعة الغيوم وكثافتها، كما أنها قد لا تكون متوافرة على مدار الساعة.

ما هي الطاقة المتجددة؟

الطاقة المتجددة تعني الطاقة التي تصلنا من خارج كوكبنا، فهي طاقة لا نستنزفها نحن بأنشطتنا المختلفة وإنما تستنزف بفعل النشاط الطبيعي للنجوم ومنها شمسنا، المصدر الرئيس والأهم للطاقة المتجددة على سطح الأرض.

الطاقة المتجددة تعرض نفسها بأشكال شتى، ووفق ذلك فإن كيفية الاستفادة منها يختلف من مكان إلى مكان آخر، فالطاقة الشمسية، التي تنبعث على شكل حرارة وضوء، والمتوافرة بشدة في المناطق الاستوائية ليست كذلك في المناطق الأخرى مثل بعض البلدان الأوربية أو أمريكا الشمالية.

في حين أن طاقة الرياح، وهي أيضاً بفعل الطاقة الشمسية، تتوافر على السواحل الأوروبية أكثر مما تتوافر في المناطق الاستوائية. والحقيقة ان الطاقة المتجددة هي طاقة شمسية إلى حد كبير، تتجلى بمظاهر شتى، بعضها بشكل مباشر، وبعضها بشكل غير مباشر، ويسهم القمر كذلك في تعزيز بعضها.

ويدخل تحت باب الطاقة المتجددة أنواع متعددة من الطاقة، قد يتيسر بعضها في مكان ما، وقد يتيسر بعضها الآخر في مكان آخر. ويمكن حصر مظاهر الطاقة المتجددة:

1 ـ الطاقة الشمسية، وهي الطاقة الضوئية والحرارية التي تصلنا من الشمس، ويقتصر الاستفادة منها على ساعات النهار فقط، وذلك بتحويل الشق الضوئي إلى طاقة كهربائية بوساطة الخلايا الشمسية أو استخدام الشق الحراري لتسخين المياه والاستفادة من ضغط البخار لتشغيل مولدات الطاقة الكهربائية.

2 ـ طاقة الرياح، وهي أيضاً طاقة شمسية تنشأ بسبب التوزيع غير المنتظم في الأشعة الشمسية على سطح الأرض مما يخلق فوارق في درجات الحرارة وبالتالي فوارق في الضغط الجوي، يؤدي إلى هبوب الرياح من مناطق الضغط العالي إلى مناطق الضغط الواطئ.

3 ـ طاقة موجات البحر، وهي تتكون بسبب هبوب الرياح وبسبب جاذبية القمر، وقد تسير هذه الموجات أكثر من ألف كيلومتر قبل اصطدامها بالسواحل، ويتراوح ارتفاعها عادة بين بضعة عشرات من السنتيمترات إلى ارتفاعات هائلة كما هو الحال في التسونامي. ومع أن هذه الموجات فيها كمية كبيرة من الطاقة ومن الزخم (كمية الحركة)، إلا أن لا حركة إلى الأمام للوسط المائي الذي تسير فيه الموجه.

4 ـ طاقة المد والجزر، وهذه الطاقة تنشأ بفعل الجاذبية التي تتعرض لها المياه من قبل الشمس والقمر، حسب موقع كل منهما من الأرض، وهي تحدث مرتين في اليوم الواحد، ويستفاد منها عادة لمدة لا تزيد عن ثماني ساعات يومياً. ولأجل الاستفادة من هذه الطاقة فإن ارتفاع المد ينبغي أن لا يكون أقل من خمسة أمتار، وقد وجد بأن هنالك ما يقرب من مائة موقع في العالم يتوافر فيها هذا الشرط. وقد بنيت أول محطة لإنتاج الطاقة الكهربائية (240 ميغاواط) بوساطة المد والجزر في منطقة بريتاني شمال غربي فرنسا عام 1961 حيث يتراوح ارتفاع المد في موقع المحطة بين (12 ـ 16) متراً.

5- طاقة الكتلة الحيوية، وهي طاقة مخزونة في المحاصيل الزراعية الجافة وفي فضلات الحيوانات، وهي في نهاية المطاف طاقة شمسية، وتعتبر الطاقة المتوافرة في الكتلة الحيوية أقدم أنواع الطاقة التي استخدمها الإنسان منذ تعرف على النار وتمكن من إيقادها. وعلى الرغم من أن الكتلة الحيوية تصنف كوقود متجدد، إلا أنها تسهم في إنتاج غاز ثاني أوكسيد الكربون عند حرقها على النقيض من بقية أنواع الطاقة المتجددة.

6 ـ الطاقة الهيدروكهربائية، وهي الطاقة التي تستخلص بفعل بناء السدود على مجاري المياه، أو وضع مولدات الطاقة عند مساقط المياه. وهذه الطاقة هي في الأصل طاقة شمسية خزنت كطاقة كامنة في المياه التي تسقط كثلوج وتتجمع في الجبال والمرتفعات.

7- طاقة المحيطات، وهي أكبر طاقة قد يطمح الإنسان في الاستفادة منها، فالمياه تغطي ما يزيد على 70% من سطح الأرض مما يجعلها أكبر مستودع لتجميع الطاقة الشمسية. ففي خلال يوم عادي واحد يتعرض 60 مليون كيلومتر مربع من البحار الاستوائية إلى الطاقة الشمسية ويمتص منها ما يعادل الطاقة الحرارية التي تتحرر من حرق 250 مليار برميل من النفط. ولو أصبح بالإمكان تحويل جزء من ألف جزء من هذه الطاقة الحرارية إلى طاقة كهربائية.

فإنها ستكون مساوية لعشرين ضعفاً لما تستهلكه الولايات المتحدة الأمريكية في أي يوم من الأيام علماً بأن استهلاك الولايات المتحدة من الطاقة يزيد على 25 % من الطاقة الكلية المستهلكة في العالم. وتستند تقنية تحويل الطاقة الحرارية للمحيطات إلى طاقة كهربائية إلى الفارق بين درجة حرارة سطح الماء التي تعتبر دافئة وبين درجة الحرارة في عمق كبير تحت هذا السطح، فإذا تجاوز الفارق العشرين درجة سيليزية يصبح من الممكن إكمال دورة حرارية وتشغيل ماكنة على ذلك.

وتعتبر المناطق التي تقع بين خط العرض عشرين جنوباً وخط العرض عشرين شمالاً هي الأمثل من حيث ملاءمتها للحصول على الطاقة، حيث تتراوح الفروق في درجات الحرارة بين سطح الماء ونقطة على عمق ألف متر في هذه المناطق بين 22 ـ 24 درجة سيليزية.

وفي سياق الحديث عن أنواع الطاقة المتجددة ينبغي تصحيح خطأ شائع يقع فيه الكثيرون وهو اعتبار الطاقة الناتجة عن حرارة باطن الأرض طاقة متجددة، وهي في الحقيقة ليست كذلك. فهذه الطاقة الحرارية تنشأ بفعل النشاط الإشعاعي للكتلة الصلدة (قلب الأرض) المكونة من العناصر المشعة الثقيلة، والتي تُبقي المواد المحيطة بها.

وهي من الحديد والنيكل، في حالة صهير تعمل حركة الأرض حول نفسها إلى ظهور تيارات كهربائية فيه ينشأ في إثره المجال المغناطيسي للأرض الذي يعتبر أحد العناصر الأساسية التي تصنع التوازن البيئي. وقد يؤدي استغلال هذه الحرارة إلى إضعاف المجال المغناطيسي أو زواله على المدى البعيد جداً مما يترتب عليه خلل خطير في الاتزان البيئي لا تُعرف عواقبه... ونكمل الحلقة الثانية السبت المقبل بمشيئة الله.

د. محمد عاكف جمال