ثمة علاقة وثيقة بين الجغرافيا والديمغرافيا في الصراع الجاري على القدس، لما لهذه المدينة من أهمية سياسية وروحية وتاريخية كبيرة بالنسبة للفلسطينيين، وبالنسبة للادعاءات الدينية اليهودية، التي تقف في خلفية تبرير إقامة إسرائيل ذاتها.
فمنذ احتلال الجزء الشرقي من هذه المدينة في حرب يونيو (1967) انتهجت إسرائيل سياسة قوامها تهويد المدينة، حيث عمدت إلى ضمها، وعلى كل ما من شأنه تغيير الواقع الديمغرافي والعمراني فيها، بإغراقها بالمستوطنين وبإحاطتها بالمستوطنات، كما سعت إلى تحويلها عاصمة لدولة إسرائيل. كذلك فقد نشطت إسرائيل حفرياتها تحت المسجد الأقصى، وأقامت أجزاء من الجدار الفاصل بين أحيائها.
وفوق كل ذلك فقد دأبت سلطات الاحتلال على التضييق على الفلسطينيين المقدسيين، بوسائل شتى، وضمنها سحب بطاقات إقاماتهم، وفرض ضرائب باهظة عليهم، وعدم إعطائهم تراخيص بناء، وهدم بيوتهم (بدعوى عدم ترخيصها) لدفعهم نحو مغادرة المدينة.
كما عملت، أيضا، على منع أي نشاط فلسطيني في القدس، منذ حملة السور الواقي (مارس 2002) حيث أغلقت «بيت الشرق»، المقر غير الرسمي للسلطة، وحظرت أنشطة السلطة فيها، وحتى إنها وضعت قيودا مشددة على قدوم الفلسطينيين من الضفة والقطاع إليها، ولو لغرض الصلاة في المسجد الأقصى.
وبحسب صحيفة «هآرتس» (2/12) فقد كثّفت سلطات الاحتلال إجراءاتها لتفريغ المدينة من سكانها الفلسطينيين، حيث قامت وزارة الداخلية في العام المنصرم بسحب هويات إقامة 577 .4 فلسطينيا من سكان شرقي القدس.
ولغرض المقارنة، ففي الأربعين سنة الأولى للسيطرة الإسرائيلية في القدس سحبت إسرائيل إقامة 558 .8 مقيما. وتصنف إسرائيل 250 ألف فلسطيني في شرقي القدس كمهاجرين مقيمين!
وهي مكانة يمكن سحبها بسهولة، إذ يكفي أن يغادر المقيم لسبع سنوات أو يحصل على مكانة قانونية، مواطنة أو إقامة دائمة في دولة أخرى، حتى تسحب منه إقامته. وبالنسبة لآلاف الفلسطينيين، الذين سحبت إقامتهم، فإن العودة للعيش في القدس، وحتى لزيارة عائلية، شبه متعذرة..وطبعا ثمة طلاب سافروا لسنوات للدراسة، والآن لا يمكنهم العودة بعد ذلك إلى بيوتهم».
وهذا الوضع التمييزي دعا قناصل دول الاتحاد الأوروبي، في مناطق السلطة، لصوغ تقرير ينتقد سياسة إسرائيل شرقي القدس، ويوصي الاتحاد الأوروبي بالعمل على تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية في المدينة، ولو تطلب الأمر اتخاذ أعمال احتجاج ضد إسرائيل وفرض عقوبات على المحافل التي تشارك في «نشاطات استيطانية» في المدينة وفي محيطها.
وبحسب التقرير فإن حكومة إسرائيل وبلدية القدس تعملان بموجب «إستراتيجية ورؤيا» هدفهما تغيير الميزان الديمغرافي في المدينة و«قطع شرق المدينة عن الضفة الغربية».
وأن حكومة إسرائيل والبلدية تساعدان جمعيات يمينية، بينها «عطيرت كوهانيم» و«العاد» على تطبيق هذه الرؤيا والسيطرة على «الحوض المقدس» في العاصمة. وثمة محافل يمينية خاصة تشتري منازل في أحياء عربية وتحاول غرس مستوطنات يهودية في قلب الحي الإسلامي».
وينتقد التقرير بلدية القدس ويدّعي بأنها تميّز ضد الفلسطينيين في ما يتعلق بأذون البناء، الخدمات الصحية، النظافة والتعليم. وذكر بأنه منذ 1967 تعطي البلدية، في كل سنة، 200 إذن بناء فقط في الأحياء الفلسطينية في المدينة، بينما تحتاج لـ 500 .1 إذن بناء على الأقل». كما ورد أنه برغم أن 35 بالمئة من سكان القدس فلسطينيون، فقط 5 10. بالمئة من ميزانية البلدية تستثمر في الأحياء الفلسطينية. («هآرتس»، 2/12).
إضاءة
ـ بلغت مساحة القدس قبل الاحتلال 6 كم 2، وبعده قامت إسرائيل بضم نحو 70 كم2 من أراضي الضفة، إلى القدس، ثم وسعت نطاق القدس لتبلغ مساحتها الآن 289 كم2.
ـ ثمة حوالي 3000 مستوطن يقطنون «الحي اليهودي» الذي أقيم على أنقاض حارة الشرف، بعيد احتلال شرقي القدس. إضافة إلى نحو 1000 مستوطن يقطنون في 70 بؤرة استيطانية موزعة على الحيين الإسلامي والمسيحي في البلدة القديمة. وثمة في محافظة القدس 26 مستعمرة.. يقطن فيها 53% من المستعمرين في الضفة (037 .256 مستعمر).
ـ بحسب دراسات إسرائيلية، سيصل عدد المقدسيين في العام 2020 إلى 376 ألفا داخل الحدود البلدية للقدس، في حين سيرتفع عدد الإسرائيليين إلى 650 ألفا.
ـ كشف مركز إعلام القدس (19/11) عن تسعة مشاريع استيطانية في القدس هي: الحيين الجديدين في جيلو ونوف عتصيون، وحيين قرب بلدة بيت ضفافا. وحي موسكوفيتش على أرض تقع شمال جبل المكبر. و«حي 1» وهو حي ضخم يجري التخطيط لبناء 3500 وحدة استيطانية فيه ويقع في القدس.
ومشروع فندق «شيبرد» الذي يقع في حي الشيخ جراح، وحي بسغات زئيفي ويقع شرق بلدة بيت حنينا ويضم 12 ألف مستوطن وحي قلنديا وهو حي استيطاني ضخم سيقام في منطقة مطار قلنديا المجاور لمدينة رام الله.
