منذ وقوعه في الأسر (يونيو 2006)، شكلت قضية الجندي جلعاد شاليط مشكلة كبيرة لحكومات إسرائيل، التي ما تركت وسيلة إلا واستخدمتها للتضييق على الفلسطينيين في قطاع غزة، وعبر ذلك الضغط على حماس، لدفعها للإفراج عنه.

ومعلوم أن إسرائيل دمجت في حربها على قطاع غزة بين أساليب العزل السياسي، والحصار الاقتصادي، والحرب السافرة، حيث كان احد مبررات الحرب المدمرة، التي شنتها إسرائيل على القطاع (قبل عام) الإفراج عن الجندي شاليط (بالإضافة إلى وقف إطلاق الصواريخ على المناطق الإسرائيلية المتاخمة للقطاع).

وبالنظر إلى إخفاق الوسائل التي استخدمتها، فقد اضطرت الحكومة الإسرائيلية (في عهدي اولمرت ونتانياهو) إلى فتح قنوات تفاوضية سرية وغير مباشرة، مع حركة حماس، منها القناة التفاوضية التي تجري بوساطة ألمانية.

وتفيد معظم المعطيات المتوفرة بأن هذه القناة استطاعت تحقيق نوع من التوافق بين الطرفين، يتضمن الإفراج عن حوالي 980 أسيرا فلسطينيا مقابل إطلاق سراح جلعاد شاليط.

وكالعادة فقد أثار هذا الاتفاق العديد من الخلافات والتساؤلات في الوسط السياسي الإسرائيلي، فثمة من أيد الصفقة ومن عارضها، وثمة من انتقدها أو طالب بتحسين شروطها. وقد وصل الأمر ببعض معارضي هذه الصفقة حد التشكيك برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، الذي طالما قدم نفسه على أنه محارب صارم ضد الإرهاب، وأنه لا يستجيب لمطالب (الإرهابيين). وثمة بين هؤلاء من ربط هذا التنازل، ب«تنازلات» نتانياهو السياسية الأخرى، لاسيما بالنسبة لقبوله لحل الدولتين، وموافقته على تجميد الاستيطان في الضفة الغربية.

وقد وصل الأمر بالمحلل الإسرائيلي المتطرف بن درور يميني حد وصف الصفقة الجارية ب«عار الاستسلام»، وحتى أنه اعتبر أن «حكومة إسرائيل تركع أمام حماس» حيث «تملي منظمة إرهابية معادية للسامية على دولة إسرائيل شروط الاستسلام».(«معاريف»، 1124)

غير ذلك، فثمة من نظر إلى الأمر من زاوية ابعد من مسألة الإفراج عن جندي أسير، فقد وجه افيعاد كلاينبرغ انتقادات لاذعة للصفقة المطروحة التي اعتبرها «سيئة جدا»، وحذّر من أنها «ستمنح حماس نصرا كبيرا، وستضعف أبا مازن، وستعزّز الإرهاب وتشجّع اختطافات أخرى. سيكون لصفقة شاليط ثمن من حياة الناس. وهي ستضعف بالقوة ردع إسرائيل». ( يديعوت احرونوت، 2/12)

لكن ألون ليئال (مدير عام وزارة الخارجية في عامي 2000 ـ 2001) ذهب باتجاه آخر، داعيا إلى تحويل هذه الصفقة إلى صفقة سياسية «تسمح بتحطيم الجمود في المفاوضات السلمية». وبرأيه «يوجد الكثير من السوابق الدولية التي ربطت بين تحرير السجناء وتحريك مسيرات سلمية. تحرير نيلسون مانديلا .. الذي انتهى بإقامة جنوب أفريقيا الديمقراطية..

في ايرلندا أيضا ارتبطت صفقة تحرير السجناء بالموضوع السياسي، وبلفاست هي اليوم مدينة سلام» ومن ذلك يصل إلى أن «الخيط الذي يربط بين صفقة تبادل «فنية» وبين مسيرة سياسية هو السجين مروان البرغوثي.. إذا ما حّرر.. فإن صفقة التبادل يمكنها أن تصبح خطوة ذات طاقة سياسية.. إذا لم يجر هذا فإننا سنفوت فرصة سياسية نادرة لعلها الأخيرة للسلام الإسرائيلي الفلسطيني، على الأقل في هذا الجيل».(«هآرتس»، 30/11)

بدوره أكد المحلل الإسرائيلي بن كسبيت، أيضا، على أهمية الإفراج عن الأسير البرغوثي، الذي رأى فيه «الشخص الوحيد الذي يمكن أن يرث أبو مازن ويشكل وزناً مضاداً لحماس». منتقدا في الوقت ذاته حكومات إسرائيل التي لم تفرج عنه لصالح السلطة، بحيث باتت هذه القضية «شركا» لإسرائيل.

وفي هذا السياق طرح بن كسبيت التساؤلات التالية: هل نعطي البرغوثي لحماس؟.. هذا يجعل حماس بشكل رسمي زعيما شرعيا للشعب الفلسطيني. هل نعطيه لأبو مازن قبل أم بعد الصفقة؟ .. الجميع سيعتقد أن الإفراج تم بفضل حماس. هل علينا عدم الإفراج بتاتا عن البرغوثي؟ هذه أيضا حماقة مطلقة. هل علينا إبقاء هذا المعتدل..نسبياً في السجن؟ هذا يعني أننا نقول لهم أفضل لكم أن تكونوا حماس. هم من يفرج عنهم. رجال فتح المعتدلين يتعفنون في السجن». («معاريف»، 27/11)

أما بالنسبة لتفنيد وجهات النظر المعارضة للصفقة فقد تصدى لهذا الأمر روبيك روزنتال، الذي اعتبر أن «الادعاء بأن آلاف السجناء، سيخرجون.. وسيعودون إلى القتل عديمة الأساس» لأن المنظمات تمتلك أذرع عسكرية لهذا الأمر.. ولأنه «لم تقع عملية عسكرية منذ سنين». أما «الحجة بأن تحرير السجناء سيشجع الاختطاف» فيرد عليها بأن المحافل الفلسطينية لا تحتاج إلى تحرير شاليط كي تشجع خطف جنود.. السبيل لمنع الخطف هو إجراءات الجيش». «معاريف» 26/11)

وبرأي عاموس ريغف فإن «إطلاق سراح بضع مئات من المخربين .. لن يغير ميزان القوى في الشرق الأوسط.. في النزاع الإسرائيلي ؟ العربي نحن ملزمون بأن ننتصر، لأنه لا خيار آخر لنا. وكي ننتصر علينا أن نكون أقوياء وموحدين. وكي نكون أقوياء وموحدين، علينا كمجتمع وكشعب أن نجتاز معا الاختبارات التي يضعها أعداؤنا أمامنا:

معا في الحروب، معا في الأفراح، معا في الأتراح».(«إسرائيل اليوم» 24/11)

إضاءة

كانت عملية اسر الجندي جلعاد شاليط التي جرت قرب قطاع غزه المحاصر (وليس المحرّر)، في يونيو 2006، نجاحاً كبيراً بالمقاييس العسكرية، إذ تمكنت مجموعة من المقاومين الفلسطينيين، بأسلحتهم البسيطة، من مهاجمة موقع عسكري إسرائيلي مدجج بالسلاح والآليات، ومحمي بالدشم والأبراج والوسائل الالكترونية والألغام، موقعة فيه العديد من القتلى والجرحى، واستطاعت أسر أحد المجندين الإسرائيليين، والعودة إلى نقطة انطلاقها في القطاع.

ومنذ ذلك اليوم صعّدت إسرائيل من عملياتها التدميرية ضد القطاع وشددت الحصار عليه، إذ رأت في هذه العملية نيلا من هيبة جيشها، واستهتارا بقدرتها على الردع.

ماجد كيالي