في القرن التاسع عشر.. كانت «السياسة» هي العامل المحوري في حياة الدول وإدارة شئون الحكم على امتداد واختلاف الشعوب والأقطار.. يومها كانوا يضربون المثل بالوزير الفرنسي الداهية «تاليران» الذي استطاع أن يصمد في موقعه عند قمة الهرم السياسي في فرنسا من أيام لويس السادس عشر عبورا بملاحم ومعارك ومقاصل الثورة الفرنسية ثم وصولا إلى أيام الإمبراطور الفرنسي نابوليون بونابرت.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.. بدأت الأحوال تتغير.. وربما جاءت البدايات في عام 1848، السنة التي شهدت صدور الكتاب ـ الوثيقة بعنوانه المعروف «داس كابيتال» ـ وهو كتاب «رأس المال» الذي عكف على تأليفه كارل ماركس في محاولة من جانبه لقراءة جدلية، ديالكتيكية كما يسمونها ـ لقوانين التغيير وشواهد التطور الاقتصادي غير الرأسمالي في حياة الأمم والشعوب. بعدها بدأ العالم يهتم بعامل «الاقتصادي» في معايش البشر ـ خاصة وقد شهدت العقود الأخيرة من نفس القرن التاسع عشر ما يمكن وصفه بأنه ثمار الثورة الصناعية والتوسع في استخدام الآلة في تحويل المواد الأولية الخام إلى سلع مصنّعة وبضائع جاهزة الاستخدام من أجل منفعة الناس..

هي نفس العقود التي فتحت شهية قوى التصنيع الأوروبية إلى البحث عن أسواق واسعة لتصريف منتجات صناعاتها التحويلية.. والى التماس مصادر جديد، ويفضل أن تكون بِكْرا غير مسبوقة للحصول على تلك المواد الأولية ـ الخام.. وفي رحم هذه الملابسات التاريخية ولدت ظاهرة ؟ أو فلنقل آفة الاستعمار - التي كان لابد وأن تركب الرأسمالية الغرب ـ أوروبية موجاتها الشريرة العاتية من أجل البحث عن خامات للتصنيع وأسواق للتصريف.

لا عجب أن يسجل التاريخ توثيق هذه الموجة من الجشع الرأسمالي ـ الإمبريالي في ذلك المؤتمر الذي التأم عقده في العاصمة الألمانية برلين عام 1883 وضم جميع القوى الأوروبية الطامعة في نيل نصيبها من كعكة المد الإمبريالي.. وحمل المؤتمر اسمه المعروف وهو: مؤتمر التسابق.. أو التهافت ؟ هل نقول التكالب - على أفريقيا.

والسياسة والاقتصاد والبيئة

وسط هذه الملابسات والتطورات تجلت أهمية العامل الآخر الموازي للسياسة وهو عامل «الاقتصاد».. وجاء هذا التجلي ليشهد مع سنوات القرن العشرين ظاهرة مستجدة تمثلت في ما حدث في القرن الماضي بالذات من تداخل السياسة مع الاقتصاد..

ولدرجة أن تجسدت قرب منتصف القرن العشرين ظاهرة ما أصبح يعرف أكاديميا وإعلاميا باسم: «الاقتصاد السياسي».. آية على أن مؤسسة الحكم في كل مكان من عالم القرن العشرين لا بد وأن تنهض على قدمين هما: السياسة والاقتصاد.. حيث العلاقة بينهما تتسم بطابع جدلي بمعنى أن لا سبيل لفصم أي منهما عن الآخر وبمعنى أن العاملْين يتبادلان التأثير والتأثر على السواء.

ثم جاء القرن الحادي والعشرون.

وإذا بعامل ثالث يستجد على ظاهرة الجدل الثنائي بين السياسة والاقتصاد.. وتحت العنوان التالي: العامل الايكولوجي.

إنه عامل البيئة بشكل عام.. وعامل المناخ ـ تغير المناخ بشكل خاص.

ولقد جاء هذا العامل المستجد، والخطير أيضا ليتسم في لحظتنا الزمانية الراهنة بعدة خصائص فريدة يمكن تلخيص أهمها فيما يلي: إنه كوكبي بمعنى عابر للحدود ومتعدد القوميات والجنسيات والمصالح والثقافات.

وبهذا فقد انقضى ذلك الحين من الدهر الذي كانت فيه السياسة.. بل والاقتصاد أمورا تدخل في حيز الاهتمام القطري وتعد من شئون الجماعة القومية.. وقصاراها أن تكون وسائل للتعاون بين دول متجاورة أو شعوب متجانسة أو مصالح متوائمة.

والمعنى بداهة أن أصبح هذا العامل الايكولوجي ـ البيئي يشمل كوكب الأرض بأسره حيث لا سبيل إلى أن تقتصر عواقب التغير المناخي على بلد بعينه ولا حتى قارة بذاتها.

شأن عالمي

والمعنى أيضا أن أصبح شأنا تشارك في اهتماماته وهمومه شعوب العالم كله. إنه لم يعد مقتصرا على جيل راهن يعيش ويكسب ويعاني ويحاول التماس الحلول.. بل يتعدى الأمر ـ بحكم التعريف ـ إلى المساس بمصلحة أجيال شابة طالعة في زماننا وأجيال مازالت ـ بإذن ربها ـ في ضمير الغيب ولا ذنب لها بداهة فيما نجم عن أنشطة أجيال البشر السابقة أو الراهنة من أخطاء وأدواء بعضها مزمن، وبعضها بالغ الخطورة، وبعضها داهم وكلها مما أصبح يعانيه كوكب الأرض من أقصاه إلى أقصاه.

المهم أن أضحت دوائر عالمنا الراهن تواجه حزمة ثلاثية العناصر والأبعاد.. وتتألف مما يلي: عنصر السياسة وعنصر الاقتصاد وعنصر البيئة.

وعليه فقد بات لزاما على الناس أن يتابعوا التطورات التي تطرأ على أبعاد هذه الضفيرة المجدولة من السياسة والاقتصاد والبيئة.. لا من باب الاهتمام بالشأن العام ولكن من منطلق الحرص المتعمق والمدقق على متابعة ما يمّس في الصميم حياة البشر في الحاضر والمستقبل ولاسيما بالنسبة لآخر وأحدث أعضاء هذا الثلاثي وهو العنصر الأيكولوجي.

لماذا؟

ـ لأنه الأكثر التصاقا أو مساسا بحياة الإنسان العادي البسيط.

ـ إن فلاح الدلتا في مصر.. أو الدلتا في بنغلاديش أو الدلتا الآسيوية في حوض الميكونغ. قد يصرف النظر إلى حد ما عن متابعة قضايا السياسة.. وقد يشقّ عليه فهم قضايا الاقتصاد.. وقد يستطيع أن يواصل حياته وكسب لقمة عيشه وقد أراح دماغه من مغبة الرصد أو التحليل المتعلقة بعلاقات الدول وقرارات الساسة وخطط التنمية وإحصاءات الاستيراد والتصدير..

لكن ما من أحد من هؤلاء الناس ـ بكل بساطة حياتهم وتفكيرهم ـ يستطيع أن يصرف النظر عن ارتفاع درجات الحرارة واضطراب أحوال الطقس وشبح الخطر الذي يتربص بأراضي الدلتا التي يعيش فيها فلاح نهر النيل أو نهر الجانج أو النهر الأصفر في أصقاع الصين، إذا ما استمرت ظاهرة الاحتباس الحراري ومن ثم تفاقم آفة التساخن الكوكبي التي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع منسوب سطح البحر، فإذا بأراضي الدلتا وقد انحسرت مساحاتها اليابسة وقد غطتها أمواج البحر إلى حد الاغراق وهو نفس المصير المفزع الذي يتربص بعدد من الدول الجزرية الواقعة وسط مياه المحيط.

وربما يتمثل الجديد في مثل هذه الظواهر من تغير المناخ الكوكبي في تأثيرها الذي يمتد من تغيرات التضاريس الجغرافية.. أو انحسار اليابسة.. أو غرق دلتا الأنهار.. أو الجفاف الناجم عن اضطراب وشحة سقوط الأمطار وخاصة في مناطق الزراعات البعلية المعتمدة كما هو معروف على سقوط الأمطار.

صحة الكوكب وصحة الانسان

ليس صدفة إذن أن نطالع وقت كتابة هذه السطور أحدث تقرير يتناول تحديدا قضية التأثيرات البيئية العالمية على صحة البشر.

هو التقرير الصادر عن معهد رصد أحوال العالم (وورلد ووتش).. وقد جاء ليؤكد على أهمية تدارس الصلة العضوية، بين صحة الكوكب وصحة الإنسان.. ويلاحظ في البحوث التي يضمها التقرير أنها تصدر عن نظرة واقعية، برغماتية كما قد نسميها..

فهي لا تدعي أنها تصف سبيل الحل الناجز الحاسم للمشكلة ولكنها تستخدم مصطلح «التكيف» بمعنى أنها تهدف بالدرجة الأولى إلى وصف سبل تكيّف وتواؤم الحياة البشرية مع تغيرات المناخ حيث لا سبيل واقعيا وميدانيا إلى إنهاء هذه التغيرات ولا محو آثارها بضربة واحدة.

في ضوء هذا كله يتطلع العالم ـ أو فلنقل يتطلع سكان كوكبنا ـ هذه الأيام إلى العاصمة الدانماركية كوبنهاجن ويتطلع أيضاً إلى الأيام المقبلة من ديسمبر الجاري، حيث من المرتقب أن تشهد كوبنهاجن ختام القمة المناخية التي تمهد الطريق إلى إبرام اتفاقية جديدة تتعلق بالتغيرات المناخية، وتتصل تحديدا بهدف الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري (مصطلح الأمم المتحدة المعتمد مؤخرا) أو هي غازات الدفيئة على نحو ما قد يسميها البعض في أقطار مشرقنا العربي.

ومع الأسبوع الأول من نوفمبر الماضي اختتمت جولة برشلونة (الأسبانية) التي قصدوا بها التمهيد لقمة كوبنهاجن.. وفي معرض التعليق على برشلونة ذكر «ايفودي بوير» كبير خبراء الأمم المتحدة أن بالإمكان التوصل إلى إتفاق سياسي في قمة الدانمارك.

والمعروف أن هذا الاتفاق المتوقع سيأتي كي يحل محل «بروتوكول كيوتو» الذي أبرموه ليعالج مشكلة تغير المناخ بشكل عام ويدعو إلى الحد من الانبعاثات الغازية المسببة له بشكل خاص.

وبديهي أيضا أن إجراءات الحد من الانبعاثات الضارة بصحة الكوكب (إنسانيا وحيوانيا ونباتيا) مطلوب اتخاذها من جانب أكبر مسببيها وهم الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها كل من الولايات المتحدة والصين بل والهند إلى حد ليس بالبعيد.

وبديهي كذلك أن الأمر يستدعي تقديم مساعدات مالية سخية وخبرات تكنولوجية متقدمة إلى الدول الفقيرة في عالمنا، لا من أجل أن تزيل آثار التغيرات المناخية، ولكن من أجل أن تنجح في التكيف ـ على نحو ما ألمحنا ـ مع تلك الآثار السلبية قبل أن تتحول من خانة الضارة إلى خانة الوخيمة بالنسبة لشعوب تلك الأقطار.

وفيما نلاحظ أن عدد رؤساء الدول والحكومات المقرر أن يحضروا القمة المناخية يحوم الآن حول الخمسين.. وهو رقم ليس بالقليل، فإن المطلوب أن يرتفع الرقم حيث يزيد عدد الدول أعضاء الأمم المتحدة على 190 دولة ـ إلا أننا نلاحظ على الجانب الإيجابي من المعادلة الدولية ـ الكوكبية أن ثمة اهتماما متعمقا بهذا الشأن البيئي على اختلاف أقاليم العالم:

ـ نلاحظ أولا قيام كل من الصين والهند وهما من أكثر الدول تسببا في الانبعاثات الخطيرة بإبرام اتفاق يقضي بالتعاون على معالجة آثار الانبعاثات الخطيرة.

ـ ونلاحظ ثانيا نفس التعهد في مكالمة هاتفية مطولة دارت بين الرئيس الأمريكي أوباما والرئيس الصيني هو جنتاو.

ـ ونلاحظ ثالثا إعلان دول الكومنولث بقيادة بريطانيا في بيان مشترك صادر في ختام نوفمبر الماضي دعمها لعملية كوبنهاجن من أجل التوصل إلى صك قانوني عالمي ملزم في هذا الشأن.

ـ ونلاحظ رابعا نفس الإيقاع من التصميم على نجاح كوبنهاجن صادر عن رئيس وزراء بريطانيا براون ورئيس فرنسا ساركوزي في خطابيهما أمام قمة الكومنولث المعقودة في ترينداد مؤخرا.. (وبالمناسبة فإن دولة ترينداد ـ توباغو، بل وكثيرا من دول الكومنولث عبارة عن دول ـ جزرية معرضة لخطر ارتفاع منسوب سطح البحر).

ـ ونلاحظ خامسا مطالبة أفريقيا ـ في اجتماع قمة سبق بأثيوبيا في الصيف الماضي بتعويضات لشعوبها المتضررة من الآثار السلبية الناجمة عن تغيرات المناخ.. نتيجة لأنشطة الدول الصناعية المتقدمة عبر عقود سبقت من الزمن.

ـ ثم نلاحظ أخيرا ذلك التصميم الذي يحاول بان كي مون ـ الأمين العام للأمم المتحدة أن يبثه في نفوس قادة وزعماء العالم مؤكدا على أن خلاص العالم إنما يتمثل في السير على طريق مستجد تبدأ معالمه بخفض الانبعاثات السامة.. وأن لا سبيل إلى النجاح في هذا المضمار إلا بالمفاوضات الجادة والقرارات الصعبة.. وهي قرارات لا يمكن أن يتخذها إلا قادة العالم الذين يرُتقب أن تضمهم عاصمة الدانمارك.

محمد الخولي