مبنيً متداعٍ ومغلّف كعلبة بشعار «متحف لذاكرة الحرب».. مبنى بركات أو «البيت الأصفر».. وفي الأسماء تكمن الحكاية التي تختصر معاني الحرب الأهليّة وتداعياتها المدمّرة على اللبنانيين.. فالحرب تركت بصماتها الواضحة عليه وجعلت منه شاهداً وتذكاراً، أي مكاناً للحفاظ على الذاكرة: ذاكرة المدينة بحلوها ومرّها.. أما تفاصيله، فتبدو وكأنها تعانق زمن الحرب، وترفض الخروج إلى الحياة مجدّداً.
يومها، كان هذا المكان أحد «أسخن» المحاوِر التي فصلت بين شطرَي العاصمة اللبنانية بيروت، على مدى 15 عاماً (1975- 1990)، حيث ارتفعت السواتر الترابيّة ونبت شجر الخروَع واستوطنت الكلاب «الداشِرة».. وسقط أبرياء كثيرون لم يتسنَّ لهم أن يحسبوا حساباً للقنّاص القابع في الداخل، والذي كان بالنسبة اليهم «آخر الدنيا». وبين الأمس واليوم، لا يزال المبنى على حاله، بعدما «نجا» من الهدم على الرغم من موقعه الإستراتيجي تجارياً وتمّ تصنيفه في خانة المباني الأثريّة، وسط حركة العمران النشيطة التي تحيط به في محلّة «السوديكو» وصولاً الى وسط بيروت التجاري، ولا يمكن للعابرين تجاهله.. ينتصب «منخوراً» بالرصاص والقذائف، ويسمح لكل من يدخله أن يطلّ من الفتحات التي استخدمها القنّاصة، والمنتشرة في الطبقتين الثانية والثالثة، أو أن يتمترس خلف أكياس الرمل التي احتمى وراءها المقاتلون.
متحف للذاكرة... هو المرسوم رقم 10362 الصادر بتاريخ 26 يونيو 2003 الذي قضى باستملاكه من بلدية بيروت وتحويله إلى «متحف» وملتقى ثقافي وفنّي وحضاري ومكان لحفظ الأبحاث والدراسات التي تتناول مدينة بيروت عبر التاريخ، ومكتب التنظيم المدني لبلدية بيروت، ومواقف للسيارات تحت أرض العقار، وإقامة مبنى على المساحة الباقية منه غير المبنيّة، تُخصّص لاستعمالات بلدية متنوعة لتقديم خدمات للمواطنين ذات طابع اجتماعي وثقافي»، على أن ينتهي العمل بعد ثماني سنوات من صدور المرسوم، أي خلال العام ,2011. لكن المفهوم التراثي لـ «المبنى الأصفر» ذي الطابع العمراني المميّز لا يشبه غيره في بيروت.
فالمبنى الذي ينتمي إلى المرحلة الانتقالية بعد بيوت الحجر ذات الطبقتين، وهي حقبة «المباني الصفراء» مع سقف عالٍ وتوزيع مرتكز على البهو الرئيس، واستعمال الإسمنت المسلّح كمادة أساسية في هياكل البناء، استمد لقبه من لون حجارته التي أحضِرت من بلدة دير القمر المشهورة بعمارتها التراثية في منطقة الشوف (جبل لبنان)، وشيِّد فوق الدكاكين من ثلاث طبقات تزيّنها أعمدة جميلة وقناطر مزخرفة و«درابزون» مشغول، خلال عقد العشرينات من القرن الماضي، ويتميّز بـ «متكأ الفراغ»، جسر ممدود في الهواء وملتفّ كحزام حول الأعمدة، فيربط شرق البناء بغربه ويمحو الحدود بين الجهات..
علماً أنه شيِّد على مرحلتين: بنى المهندس اللبناني الشهير يوسف أفتيموس الطابق الأرضي (الدكاكين) والطابق الأول في العام 1924، ثم أتمّ المهندس فؤاد قزح الطابقين الثاني والثالث في العام 1932، ما جعل المبنى يحوز إجازة «أجمل مبنى سكني في بيروت»، وفق تأكيد نجل صاحبَي المبنى، نقولا وفكتوريا بركات، والذي قال: «لقد دفعوا ليرة ذهبية مقابل كل قطعة حجر منقوشة».
من الحجر إلى الإسمنت
يومها، بدأ أفتيموس بخطّ أول التصاميم لهذا المبنى، أراد الاستفادة قدر المستطاع مما قدّمه له الموقع المميّز المتقاطِع على شوارع ثلاثة.. «احترم الزاوية»، ورسم كتلتين من ثلاث طبقات، تواجهتا حتى ولِد الفراغ بينهما.. لم يميّز بين وظائف الشقق على اختلافها، فأعطى لكل منها منظره المطلّ على المدينة ولم يبقِها حكراً على غرف المعيشة والاستقبال..
وحين شرع أفتيموس بأعمال البناء، استقدم الحجر الفرني من دير القمر وشَيَّدَ به الطبقة الأرضية المخصّصة للمحال التجارية، والتي بلغ عددها ثمانية، بالإضافة إلى الطبقة الأولى. عَرفَ المَلّاكون أزمة مادية، اضطرّتهم الطلب من أفتيموس توقيف الأعمال التنفيذية إلى أجل غير مُسَمَّى.
وبعد عدة أعوام، أَتَمَّ المهندس قزح ما بدأه أستاذه أفتيموس مستوحياً من الرسوم الأولى.. استعمل الإسمنت وطلاه باللون الأصفر بحِرَفية عالية حتى صَعُبَ التمييز بينه وبين الحجر المصقول..
ارتفع قزح بباقي طبقات المبنى وربط بينها بواسطة جسور معلّقة في الهواء ظلّلتها الأعمدة..
ابتُدِعَ الإيهام البصري وكان أكبر محور للرؤية عمودياً وأفقياً، وأمكنَ للواقف على الطرف الآخر من الطريق أن يُطل بنظره من بين الفتحات ليرى السماء عبرها.
.. وتواقيع على الجدران
قطنت عائلات من البورجوازية اللبنانية في المنازل الثمانية الفسيحة التي ضمّها المبنى، ومنهم الدكتور نجيب الشمالي (جرّاح في طب الأسنان) الذي سكنه منذ العام 1943، ولا يزال أرشيف حياته منثوراً على بلاط الطابق الأول، كما لو أن الزمن توقف فجأة، ليظل المكان رمزاً للبقاء ولاستمرارية الحياة في مدينة دائمة التغيّر..
لكن العائلات هربت عندما اختارت الميليشيات المكان لتقيم فيه بسبب موقعه الإستراتيجي، عند تقاطع طريق الشام وجادة الاستقلال، بعدما قسّم «خطّ التماس» مدينة بيروت إلى نصفين، واستحال معه تقاطع «السوديكو» من محاور القتال الأساسية..
وعلى عادة المحاربين، ترك بعضهم توقيعه على الجدران.. نقرأ فنعرف أن «أبو داني مرّ من هنا»، أو نستذكر «نمور الأحرار»، وهو الحزب الذي أسّسه الرئيس الراحل كميل شمعون، أو نتوقف عند لحظة وجدانية للذين كانوا يصنعون الموت مع عبارة «مع جيلبير سأموت» بتوقيع «طرزان».
أوراق، صور، أدوات، رسائل، قصاصات جرائد، أوانٍ مطبخيّة صدئة، بطاقات وأغراض مبعثرة على الأرض.. بلاط إسمنتي مزيّن بالنقوش النادرة ذات الألوان الغنيّة، رخام وأبواب مزخرفة، وجدران مطليّة باللون الزهري والأصفر والأخضر والأزرق في مساحات يملأها نور الشمس.. وكلما خطا الضيف في المبنى أكثر، ازداد قدرة على استعادة صور غريبة عن أحداث من ماضي الحرب الأليمة، مرسومة على الجدران: قنّاص، سجائر، منازل صغيرة، وغيوم.
ويكمل الجيران رسم الصورة، فيؤكّد أحدهم أن محال تجارية عدّة كانت تزنّر المبنى.. كيفورك أكوبيان لبيع السجاد، أنطوان غانم لبيع الأدوات المنزلية، الكندرجي نقولا طرّاف، وقربه الحلاق النسائي أفرام زغيب، ثم البقّال عبد الرحمن بحصلي ونبيه طراد صاحب محل سمانة، ومصطفى الشر لتصليح الدرّاجات..
أما نيفين التي خسرت شقيقها برصاصة قنّاص استهدفه من المبنى، عام 1981، والتي تسكن مع عائلتها في بيت يقابل مبنى بركات، فروت لـ «البيان» الحكاية التي تختصر ماضي المكان: «كان شقيقي يبلغ من العمر آنذاك 12 سنة.. كان يلعب مع أولاد عمّه في باحة المنزل.. فجأة، خرق الهدوء صوت حادّ ولئيم، صوت نعرفه جيداً فهو أزيز رصاص القنّاص الذي حول نصف منزلنا إلى مكان مهجور.. ركضت والدتي لتجده مرمياً على الأرض».
ونيفين التي لا يهمّها أن يتحوّل المبنى إلى متحف يحتضن ذاكرة الحرب، «شو يعني.. لح يرجّعلي خيّي والناس اللي راحوا؟»، تختم شهادتها بعبارة واحدة: «لا أزال أسمع أزيز الرصاص حتى الآن، وأهبّ من نومي مذعورة»!
بيروت ـ وفاء عواد


