يمر الرئيس الأميركي باراك أوباما بمنعطف تاريخي مهم في مسيرته السياسية. حيث تجتاز ادارته تقاطع طرق لا يدري أحد إلى أين يمضي به على وجه الدقة. يأتي ذلك بعد عام من انتخابه رئيسا وقبل عام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي ستجرى في نوفمبر 2010.
وقد حدث الكثير في ذلك العام مع تراجع الجرأة على الفوز لتفسح المجال للتردد في الحكم. ويقدم ديفيد بلوف المدير السابق لحملة أوباما الانتخابية ومؤلف كتاب « الجرأة على الفوز.. القصة الداخلية ودروس الفوز التاريخي لباراك أوباما « .. يقدم اطلالة نادرة على الكيفية التي نال بها اوباما وفريق حملته الانتخابية الجرأة على الفوز ، وكذلك إبقاء هذه الجرأة متوهجة بالحياة يوما بعد يوم على امتداد عامين هما عمر الحملة الانتخابية الصعبة التي خاضها أوباما.
عند هذا المنعطف التاريخي يتوقف الكثيرون لتذكر ما الذي اقترع عليه الأميركيون قبل عام، والسر في ان الحملة الانتخابية التي خاضها اوباما كانت على هذا القدر من الأهمية، ولماذا يبتعد اليوم عن الروح التي سادت حملته آنذاك.
وتعود الذكريات بالأميركيين إلى اللحظات المتألقة من الحملة الانتخابية وكيف اختار أوباما جو بايدن وليس هيلاري كلينتون نائبا له.. وكيف أن عناصر القوة في الحملة الانتخابية قد نبعت من اعتقاد اوباما بأن « البلاد بحاجة إلى تغيير عميق وأساسي، فواشنطن لم تكن تفكر في المدى البعيد والمصالح الخاصة وجماعات الضغط التي كانت تتمتع بقوة فائقة.. كان الشعب الأميركي بحاجة إلى أن يثق مجددا في الديمقراطية وأن يمارسها».
وما يتعين على الأميركيين تذكره الآن في هذه اللحظة التاريخية .. هو كيف فاز باراك اوباما في الانتخابات الرئاسية .. ولماذا وما السر في أنه خاض غمارها أصلا؟
لقد كان يرفع شعار الحماس لكل ما تمثله أميركا .. وعلى امتداد الطريق ارتكب العديد من الأخطاء .. ولكنه كان يتذكر أنه يمضي قدما بالحلم الذي حاربت من أجله أجيال عديدة من الأميركيين. وكانت حملة أوباما تنطلق من رسالة محددة « التغيير في مواجهة وضع قائم مهشم ، الشعب في مواجهة المصالح الخاصة، سياسة ترفع الشعب والبلاد عاليا ، ورئيس لن ينسى الطبقة الوسطى « . وهكذا أصبح خوض غمار حملة انتخابية مختلفة بمثابة الشعار الملهم لأوباما وفريقه. وعندما كانوا يجدون أنفسهم ينجرفون نحو سلوك سياسي تقليدي كانوا يسألون أنفسهم» اذا فعلنا هذا فكيف نكون مختلفين عن الحملات الانتخابية التقليدية؟«.
ويقول ديفيد بلوف في هذا الصدد :
الاستراتيجية والمباديء
» لقد حرصنا على التأكد من أن كل من نستعين بهم في الحملة الانتخابية سيستوعب دور رسالتنا وسيضع يده على هذا الجوهر لدى اتخاذ القرارات، فلكي تنجح استراتيجيتنا القائمة على تحطيم القواعد .. كان يتعين علينا ان نظل متمسكين بمبادئها طوال الوقت».
ويتحدث بلوف عن مقابلة حافلة بالتوتر مع المرشح أوباما في ابريل 2007 بعد أن بدا واضحا أن أوباما يعاني من الصعوبات في التواصل مع الناخبين.. حيث بادر القائمون على حملته الانتخابية بحديث معه بصراحة جارحة.. فوافق على الحاجة إلى : « العثور على صوته الأصيل ، وإعادة التواصل مع الاهتمامات الأصيلة التي اجتذبته إلى السباق الانتخابي في المقام الأول، فهو قد خاض الانتخابات ليتحدى سياسات واشنطن التقليدية المفلسة.. وليس ليركب موجتها».
وتعود ذاكرة الكثيرين إلى القرار الصعب الذي اتخذه اوباما قبل انتخابات «ايوا» التمهيدية برفض عرض السناتور جون كيري تأييد أوباما ، وهو الامر الذي أحس القائمون على الحملة الانتخابية بأنه يمكن أن يرسل رسالة خاطئة إلى الناخبين الذين يتطلعون إلى التغيير، وفي نهاية المطاف كان هذا القرار صائبا، حيث كانت الحملة الانتخابية لاوباما تستفيد كلما مضت في طريق لم يسبقه أحد اليه. وقد شمل ذلم . القرار الصعب المتمثل في جعل شيكاغو المقر الرئيسي لحملة اوباما الانتخابية. وذلك كما يعبر بلوف .. فان واشنطن مستنقع من الحكمة التقليدية والسياسيين الذين يمكنهم امتصاص أي حملة انتخابية وقد كنا بحاجة إلى التفكير بشكل آخر. وربما كان الرد على الشهور التسعة الأخيرة من قرارات أوباما هو العودة إلى هذه النوعية من القرارات الخاصة.
وربما يتساءل الكثيرون ما الذي كان يمكن أن يكون عليه رأي اوباما المرشح الانتخابي في أوباما الرئيس.
تساؤلات
هل كان سينظر إلى البيت الأبيض ويقول « هذا ما عملت أنا ومن أيدوني بجهد من أجله»؟
كيف أمكن للمرشح الذي خاض السباق الانتخابي وخلص إلى أن جوهر القيادة الأميركية قد غدا متعفنا..أن يصبح رئيسا مقتنعا بان الأميركيين لا يمكنهم الحصول الا على تغيير نسب؟
كيف أصبح المرشح الذي أبلغ ستادا كبيرا مليئا بالمؤيدين في دنفر : «ان أعظم مخاطرة يمكن خوضها .. هي أن نعيش الحياة السياسية ذاتها مع السياسيين القدامى أنفسهم ونتوقع نتائج مختلفة.. كيف أمكن أن يصبح هذا المرشح الرئيس الذي يحيط نفسه بالسياسيين القدامى أنفسهم ويجرب السياسات القديمة ذاتها ويتوقع نتائج مختلفة؟»
كيف أمكن للرئيس الذي كان شعاره في الحملة الانتخابية أنه لن ينسى الطبقة الوسطى.. أن يختار كمستشار اقتصادي له رجلا رفض مؤخرا تقديم الدعم لمن يعانون البطالة وسط أسوأ أزمة اقتصادية عرفتها أميركا منذ الكساد الكبير؟
والمقصود هنا بالطبع « لاري سومرز» الذي قال متحدث باسم البيت الأبيض أنه وقف ضد دعم من يعانون من البطالة.. واقتضى الأمر الكثير من الشد والجذب في الكونغرس لكي يرفض الرئيس الأميركي العمل برأي سومرز.
ويقول مسؤول كبير في البيت الأبيض أنه عندما كانت أرقام عمليات حبس الرهن أو شطب الوظائف.. تذكر في الاجتماع الدوري الصباحي بالبيت الأبيض .. كان رد سومرز عليها هو أنه لايمكن القيام بشيء حيالها.
الحكمة التقليدية
ما من شيء يمكن القيام به حيال حبس الرهن وشطب الوظائف .. لاشيء يمكن القيام به؟! أليس هذا النقيض المباشر لشعار « اننا نستطيع « الذي رفعته حملة اوباما الانتخابية؟
ويقول ديفيد بلوف .. ان الإصلاح يجري في دم اوباما. اذن كيف يمكنك أن تضم الدائرة المقربة إليك، رجلا يجري في دمائه القول بأنه لايمكن القيام بشيء؟!
مالم تكن بالطبع المشكلة المطروحة على المائدة تتعلق ب»وول ستريت» .. فعندئذ يبادر سومرز إلى القول بأن كل شيء سيتم القيام به ويمكن القيام به.
ومن الواضح أن الادارة الأميركية تحتاج إلى توظيف من لم يكونوا جزءا من الحملة الانتخابية، ولكن الخطر يأتي من توظيف هؤلاء الذين لا يشاركون في الإيمان بأهداف الحملة الانتخابية ، وهذا هو السبب في أن الجرأة على الفوز تمس الحاجة إليها في البيت الأبيض الآن بقوة.
ان هذا يذكرنا بأنه منذ وقت ليس ببعيد .. كانت الحكمة التقليدية هي أن المرشح أوباما ليست لديه فرصة للفوز بترشيح الحزب الديموقراطي أمام هيلاري كلينتون. وهذه هي الحكمة التقليدية ذاتها التي تفيد بأن الرئيس اوباما ليست لديه فرصة في تغيير الامور حقا.. وأن النصر النهائي سيكون من نصيب المصالح الخاصة المتمرسة في واشنطن. ولكن علينا أن نتذكر أن حملة أوباما لم تقبل بالحكمة التقليدية. ويقول بلوف:
» لقد كان أمامنا جبل اسمه هيلاري كلينتون يعترض طريقنا، وكان علينا أن نجد طريقا لنسلكه، أو أن نلتف حوله أو نحدث نفقا فيه».
والبيت الأبيض الذي يقطنه أوباما ليس مضطرا إلى الاستسلام للحكمة التقليدية الآن. وانما عليه أن يسترد روحه القديمة مجددا.
لقد كان فريق أوباما خلال الحملة الانتخابية يعرف أنه لكي يتوج بالفوز كان عليه أن يحظى بما يوصف في الحياة السياسية الأميركية بالكأس المقدسة للسياسة الأميركية ، أي بناخبين مختلفين بصورة أصيلة. فقد تعين على هذا الفريق أن يوسع نطاق الناخبين أو أن يتعرض للفشل.
وهكذا .. فقد استعان الفريق بجيش من المتطوعين لتحقيق هذا الهدف على وجه الدقة. وهكذا فانه في صفوف من لم يسبق لهم التصويت أبدا، أو من لم يصوتوا منذ وقت طويل، صوت 71% لصالح أوباما.
وهكذا .. فان الكثير من الناس الذين أعطوا قلوبهم وأرواحهم لحملة اوباما.. كانوا اناسا يشعرون باليأس من النظام الأميركي ، لأنهم لم يعودوا يثقون في السياسيين الأميركيين وفي قدرتهم على تغيير أي شيء. ومن المهم للديمقراطية الأميركية ألا يشعر هؤلاء الناس بخيبة الامل.. لأنهم اذا أحسوا بذلك.. فلن يعودوا إلى صناديق الانتخاب لوقت طويل.
اذا كان الرئيس اوباما يريد التيقن من أنه لن يخذل الملايين الذين آمنوا بأنه سيغير النظام المتحلل حقا، فربما كان عليه أن يقرأ كتاب « الجرأة على الفوز» من أوله إلى آخره ، وأن يعيد اكتشاف الكثير من الأمور التي يعرفها .. ولكنه يبدو أنه نسيها ، وأن يكمل الرحلة من الجرأة على الأمل إلى الجرأة على الفوز ، ومن ثم الجرأة على الحكم.
رئيسة تحرير صحيفة «هوفنغتون بوست» الأميركية
بقلم ـ اريانا هوفنغتون
