أكد مدير مركز العلاقات الأميركية الصينية وجمعية آسيا في الولايات المتحدة أورفل شيل في حواره مع «البيان» مدى جدية العالم في التعامل مع الانبعاثات الغازية والكربونية التي تطلقها دول العالم والتي تقف وراء ظاهرة الاحتباس الحراري والتغيير المناخي.

وأوضح شيل في حوار مع«البيان» أنه« غير متفائل بما ستتوصل إليه قمة كوبنهاغن بشأن التغيير المناخي». وأضاف ان «مستويات البحار ستواصل إرتفاعها وجزر ستواصل إختفاءها والفيضانات لن تتوقف ما لم يتخذ العالم حلولا عاجلة بشأن التغيير المناخي».وألقى شيل باللائمة على الكونغرس الأميركي قائلا بأنه يشكل العقبة الأكبر في وجه تصدى العالم للتغيير المناخي . وأضاف أن الصين والولايات المتحدة معا يساهمان في إطلاق 45 % من إجمالي الإنبعاثات الغازية التي يطلقها العالم . ورأى شيل بأن العالم قد تأخر جدا في التعامل مع التغيير المناخي والذي يعد كارثيا ولا يستثني أحدا على حد قوله .تاليا نص الحوار :

برأيكم متى ستتيقن دول العالم بضرورة إيجاد حلول لقضية التغيير المناخي في العالم والذي نرى آثاره واضحة في الفيضانات التي باتت تضرب دول العالم والجزر والقرى التي باتت تختفى بسبب آثار التغيير المناخي وما أهمية مناقشة هذا الملف في قمة مجالس الأجندة العالمية ؟

خلال السنوات القليلة الماضية أصبحنا نرى بأنه من الضروري إعادة التقييم بشكل راديكالي أي من المشاكل العالمية التي ينبغي أن يتعاطى معها العالم بأولوية والتي تحتاج إلي أن نلفت إنتباه العالم إليها وأعتقد أنه بات واضحا بدون أدنى شك أن التغيير المناخي اصبح المشكلة الأكبر التي ينبغي على العالم مواجهتها وبأن قضية التغيير المناخي ستؤثر على دول بأسرها.

ولكن الفريد في الأمر هنا هو أن ما يحدث من انعكاسات على دولة ما تتأثر به دولة أخرى وبالتالي سواء كانت الإنبعاثات الكربونية أعلى في دولة ما عن أخرى فالجميع سيتأثر بآثارها فهي غازات تنتشر في طبقة جو ولا يستطيع أحد تجنب مضارها وستظهر أثارها واضحة في رفع منسوب البحار وفي الفيضانات التي تضرب جزر العالم وفي ذوبان المناطق الجليدية ، والنقص في تدفق الموارد المائية التي تعتمد عليها البشرية في العالم في بقائها، وأيضا التغير في أنماط المناخ والتي تعد مؤثرة جدا في تاريخ العالم .

صحوة كبيرة

إلى أي درجة يتفهم العالم حجم الإرتباط الوثيق بين التغيير المناخي والأزمة الغذئية وأن أية حلول لملف أزمة الغذاء يجب أن يسبقها إيجاد حلول عاجلة للتغيير المناخي ؟

أعتقد أن هناك صحوة كبيرة في العالم لحقيقة أن التغيير المناخي سيتأثر به جميع من في العالم بصور مختلفة ، ولكن أحد المشاكل الصارخة تتعلق بإمدادات الغذاء وكذلك إمدادات الماء ، وأعتقد أن المياه ستصبح أثمن من النفط لأنه بدون ماء لا يوجد حياة ، ولكن يمكن وجود حياة في عالم بلا نفط لذلك أعتقد ان الغذاء والماء بدءا يؤثران بالفعل على الإحتياجات الأساسية للحضارة الإنسانية ، ولكن لابد أن أقول هنا بأن العالم مازال وللأسف متجاهل لقضية التغيير المناخي بعمق شديد .

هناك توقعات بإستحالة التوصل لإتفاق في قمة تغيير المناخ في كوبنهاغن في ظل استبعاد إلتزام الولايات المتحدة بخفض مستويات الانبعاثات الكربونية لديها، مشيرا الى أن الولايات المتحدة تمثل أكبر عائق في مواجهة العالم لقضية التغيير المناخي ، فالولايات المتحدة ومعها الصين يقفان وراء اكثر مستويات الإنبعاثات الكربونية في العالم ، وللأسف الولايات المتحدة تتخذ إجراءات قليلة جدا من المنظور الحكومي ، إدارة باراك أوباما الرئيس الأمريكي تكرس جهودها لمحاربة التغيير المناخي بعكس الكونغرس الأمريكي لذلك بإمكاني القول حاليا أن الكونغرس الأمريكي يشكل أكبر عقبة في وجه التصدي لظاهرة التغيير المناخي في العالم فيما يتعلق بمحاولة إيجاد معالجات قادرة على التعامل مع التغيير المناخي .

ايجاد حلول

هل سيتم التوصل إلى بديل معاهدة «كيوتو» والذي سينتهي العمل به في 2012 ؟

أعتقد أن فرص إيجاد حلول لقضية التغيير المناخي في قمة كوبنهاغن المقبلة في ديسمبر برأيي ضئيلة جدا ، أنا لست متفائلا بنتائج تلك القمة قد ينجح المجتمعون في تحقيق بعض التقدم في المحادثات ولكن لا أعتقد بأنهم سيتوصلون إلي حلول كما كانوا يأملون في السابق أي التوصل إلي إتفاق يوضع في إطار معاهدة ، وذلك لحقيقة رفض الولايات المتحدة الأمريكية للشرعية التي منحت للبلدان النامية والتي تتيح لتلك الدول عدم وضع أي حدود لمستويات إنبعاثات الكربون لديها لذلك تلك مناقشات بلا نهاية ، ولست متأكدا كيف سيتم حلها ولكن إذا لم تحل فهذا يعني أنه لن يكون هناك حل لمشكلة التغيير المناخي وهذا بحد ذاته يعد كارثة .

كما أشار الى أن البلدان النامية هي جزء حاسم من إيجاد حلول لمشكلة التغيير المناخي ، ولكن على أرض الواقع وطبقا لمعاهدة «كيوتو» فإن تلك البلدان غير ملزمة بالإلتزام بالحد من الإنبعاثات الكربونية التي تطلقها لأن معظم تلك الدول فقيرة أكثر من كونها نامية ، وأيضا لأن الانبعاثات الكربونية في كل دولة أقل بكثير مقارنة بالدول الكبرى، وبالتالي الإنبعاثات الكربونية لتلك البلدان أقل منذ انطلاق الثورة الصناعية في العالم وهذا مفهوم بالطبع ولكن في الجانب الآخر إذا لم تقف تلك الدول وتتعهد بإطلاق نسب محددة من الانبعاثات الكربونية فإننا لن نجد حلا لمشكلة التغيير المناخي ، لذلك نحن نواجه مشكلة حقيقية فالعدالة تقول ان البلدان النامية من حقها أن تحظى بفرصتها لتنمو وتتطور ولكن الفيزياء تقول بأنه لا يمكن لتلك الدول أن تنمو وأن تستمر في رفع الاحتباس الحراري لمستويات قد تكون مفجعة .

كفاءة الطاقة

ماذا عن تأكيدات اليابان عن اتجاهها لخفض الإنبعاثات الكربونية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.

ان ما تقوله اليابان بأنها مستعدة لأن تخفض مستويات الإنبعاثات الكربونية لديها بنسبة 20 % إضافية أمر أكثر من رائع وإستثنائي والتي تعتمد كفاءة الطاقة بشكل لا يصدق وهي بالفعل خفضت مستويات الإنبعاثات الكربونية لديها بشكل أساسي .. ما يقوله اليابانيون بأنهم سيقومون بعمل ما بوسعهم بهذا الصدد .. ننظر لما يقوله اليابانيون ونقول ليت الولايات المتحدة تقوم بعمل شيء ما لمواجهة التغيير المناخي أسوة باليابان .

وأشار الى أن الكوريين قالوا هم الآخرون أنهم سيتجهون لتخفيض الإنبعاثات الكربونية لديهم بشكل كبير والأوروبيون وافقوا هم الآخرون على خفض الإنبعاثات الكربونية لديهم ، أيضا الأستراليون وقريبا سيتجهون لخفض أكبر للإنبعاثات الكربونية ولكن فقط الولايات المتحدة لازالت حتى الآن تجر قدميها ببطء في طريق إيجاد حلول لمشكلة التغيير المناخي.

ولم تقدم حتى الآن إلتزاما حقيقيا بحل المشكلة ولا أعتقد أن الولايات المتحدة لن تقدم تعهدات في قمة كوبنهاغن المقبلة الإتفاقية الأوروبية التي تعرف بإتفاقية «تجارة الإنبعاثات» هل برأيكم ستشعل حربا تجارية في العالم وخاصة أنها قد تهدد بقاء العديد من شركات الطيران في العالم ؟

الأوروبيون هم أكثر جدية فيما يتعلق بالتوجه نحو خفض الإنبعاثات الكربونية وهم أكثر تعهدا بتحقيق ذلك من الولايات المتحدة ومن البلدان النامية أيضا ، ولكن بشكل عام أكبر مصدر للإنبعاثات الغازية المسببة للإحتباس الحراري مصدرها حرق الفحم لتوليد الكهرباء وفي هذا المجال تأتي الصين في المرتبة الأولى يليها الولايات المتحدة.

وتساءلت «البيان» ان كان إنقاذ ما تبقى من الغابات الطبيعية في العالم لابد أن يمثل جزءا من أي اتفاقيات جديدة خاصة بملف التغيير المناخي ، نظرا لأن حوالي 20 % من الإنباعاثات الكربونية العالمية يعود سببها لإزالة الغابات وتدهور حالتها، أوضح شيل:

«إذا ما نظرت إلي نسب إنباعاثات غاز الإحتباس الحراري والتي تتسبب فيها قطاعات مختلفة فستجدين أن القطاع الزراعي والغابات يتسبب في النسبة الأضخم وخاصة أن الغابات تمتص ثاني أكسيد الكربون ، لذلك تدمير الزراعة والغابات وحرق البترول والفحم وكذلك الغازات التي تنطلق من مناجم الفحم ..الخ كلها تساهم في رفع ظاهرة الإحتباس الحراري وفي خفض أكبر للإنبعاثات الكربونية . لذلك من المهم المحافظة على الغابات والتوقف عن قطع الأشجار أمر مهم للغاية أيضا التوجه للتشجير خطوة جيدة .

واعتبر أن الصين تتصدر دول العالم في إنبعاثات الغاز المسببة للإحتباس الحراري يليها الصين ومعا يساهما بنسبة 45 % من الإنبعاثات الغازية المسببة للإحتباس الحراري وهذه النسبة تعتبر ضخمة للغاية وهي تعني بأن إن لم تجد الصين والولايات المتحدة سبيلا للتعاون ولمعالجة الإنبعاثات الغازية فبالتالي لا يعود مهم أي جهود تقوم بها دول أخرى في العالم لمحاربة هذه الظاهرة .

دور مهم

ماذا بشأن أداء منطقة الشرق الأوسط في التعامل مع مخاطر التغيير المناخي في العالم ؟

بإعتقادي أن درجة حرارة المناطق الصحراوية سترتفع كثيرا بفعل الإنبعاثات الكربونية ، منطقة الشرق الأوسط تلعب دورا مهما في العالم كونها منطقة منتجة للنفط ، وبالتالي إقتصاديات دول المنطقة قد تنزعج من ظاهرة التغيير المناخي باشكال مختلفة من حيث نمط الإستهلاك أيضا منطقة الشرق الأوسط تنتج الغاز الذي يتسبب في إطلاق نصف كمية إنبعاثات الغاز التي تطلقها عمليات حرق الفحم ، وبالتالي فهو وقود أنظف.

إذا ما إستمرت نسب الانبعاثات الكربونية والغازية في تزايد فهل سنشهد مزيدا من الفيضانات وهل ستختفي جزر وتتغير خريطة التضاريس الطبيعية للعالم ؟

حتى ولو قام العالم بإتخاذ معايير قصوى لمعالجة التغيير المناخي فسنبقى نرى آثار التغيير المناخي على الأرض من إرتفاع لمستويات البحار ، وذوبان الجليد في المناطق الثلجية ، والمزيد من العواصف والفيضانات في العالم ستؤثر على حياة مئات الملايين من البشر . العالم تأخر جدا في التفاعل مع مخاطر التغيير المناخي وبدأ لتوه في التفاعل وأعتقد أن مستويات الإدراك بمخاطر الإحتباس الحراري بدأت تنتشر بسرعة في العالم .

حوار- كفاية أولير