الزمان أواخر ثمانينيات القرن الماضي والمكان إحدى ضواحي مدينة طولكرم في الضفة الغربية المحتلة، والحدث المعتاد هناك يتجدد على نحو واحد وهو اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلية لكل ما هو فلسطيني والعرف الفلسطيني السائد: صبية وشباب وكبار في السن ونساء أحياناً يتصدون معاً لقوات الاحتلال بالحجارة «السلاح الوفي للفلسطينيين».
والنتيجة جاءت أكبر مما كان يتوقعها محمد توفيق وهر في حضرة المواجهات الدائرة في قرية بلعا. أطفال وشباب فلسطين اعتادوا الوقوف في وجه قوات الاحتلال الإسرائيلي بحجارة يؤمنون بها بينما المحتل يجتاح مدنهم وقراهم ومخيماتهم ويعيث في الأرض عربدة وفساداً. أما محمد، ذلك الشاب الذي كان يقف على أعتاب الثانوية العامة آنذاك، فلم يكن في حسبانه أن يستمر جرم الاحتلال ورغم بشاعته معلقاً في رقبته إلى يومنا هذا.
محمد، شاب يبلغ من العمر الآن 38 عاماً، كان في العام 1988 واحداً ممن وقفوا في وجه المحتل حينما داهم بلدتهم الصغيرة وعمره حينها لم يتعدَ 17 عاماً. تناول بعض ما تجود به شوارع وحارات بلدته من الحجارة وبدأ يلقي بها تباعاً على سيارات عسكرية وجند محصنين.
ألقى الحجر في وجه المحتل فباغتته رصاصة الغدر في عنقه وسقط مضرجاً بدمائه قبل أن ينتشله المحيطون به مسرعين والدماء تسيل من عنقه. أخذ بعض أقاربه في الوطن والشتات يعدون العدة لفتح بيوت العزاء فالرصاصة الغادرة استقرت في مكان لا يقبل سوى الموت.
وفي العناية المركزة انتظر محمد أياماً حتى جاءته مكرمة ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال للعلاج في مدينة الحسين الطبية، إلا أن الأطباء لم يتمكنوا من استخراج الرصاصة من عنقه خوفاً من حدوث شلل بسبب حساسية المكان المستقرة فيه فشاء القدر أن تبقى الرصاصة شاهدة على جرائم الاحتلال في عنق محمد إلى يومنا هذا.
محمد ألِف رصاصة الموت التي هاجمته قبل أكثر من 20 عاماً فصارت جزءاً من جسده وحمل كاميرا التصوير وراح يعمل مع بعض قنوات التلفزيون المحلية والوكالات الإعلامية في مدينة طولكرم.
ومن ثم أتت الانتفاضة الثانية وحملت له رصاصة أخرى بينما كان يقوم بإحدى المهمات لكنها جاءته هذه المرة في مكان أقل خطورة في أسفل كتفه وسرعان ما تمكن الأطباء من إزالتها.
دبي- عنان كتانة
