لم يعط الرئيس الأميركي باراك أوباما من قبل الشعور بالزيف على نحو ما فعل في خطابه الذي أعلن فيه الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان، حيث بدا للكثيرين من المستمعين والمشاهدين، كما لو كان يلقي خطابا في حملة انتخابية بالاستعانة بأسلوب جورج بوش الابن في الحديث وترك الكثيرين من الحالمين والواقعيين على حد سواء، وقد استبد بهم الشعور بالصدمة وفي حالة من السخط. وقد حاول الرئيس أوباما في كلمته أن يخاطب الأحلام السياسية والتطلع إلى المستقبل. فبدا خطابه كما لو كان خطابين في خطاب واحد. ولهذا السبب على وجه الدقة أعطى الانطباع بالزيف والبعد عن الواقعية.
الانسحاب.. والالتزام الأميركي بالحرب
يستحق خطاب الرئيس أوباما حول الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان التصفيق الحاد. فعلى الرغم من الاعتراضات التي أبداها نائبه جو بايدن والمعارضة من جانب قاعدته السياسية، فقد قرر إرسال 30 ألف جندي للقتال في أفغانستان. ولكن هذا المديح لقرار أوباما يحتاج إلى إيضاح لمبرراته.
وفي مقدمة هذا الإيضاح، أن أوباما أعلن في الوقت نفسه اعتزامه البدء في سحب القوات من أفغانستان في غضون 18 شهرا. وبينما لم يحدد معدل هذا الانسحاب ولا موعده النهائي، وجعل ذلك وقفاً على وضعية الأمور لدى اتخاذ القرار، فإن تحديد موعد تعسفي كان يمكن أن يطرح التساؤلات حول الالتزام الأميركي بالحرب.
استراتيجية تتجاهل دروس الماضي
بينما يدفع الرئيس أوباما بالمزيد من القوات الأميركية للتورط في الفوضى السائدة في أفغانستان، يتعين علينا أن نتذكر دروس الماضي من ذلك البلد.. وفي مقدمتها التراجع البريطاني عن كابول ودمارها في عام 1842. وإن هذه الاستراتيجية التي طرحها الرئيس الأميركي قد تمت تجربتها من قبل من دون تحقيق أي نجاح.
ويتعين على الكثيرين أن يتذكروا المشهد السائد في موسكو قبل ربع قرن من الزمن، حيث كان يمكن لكل مهتم بالأمر أن يلتقي الجنود السوفييت الذين كانوا غزاة سابقين لأفغانستان، وكان معظمهم قد تحول إلى حشد من المدمنين أو أصبحوا يعانون مما يعرف باختلال الإرهاق في المعارك.
شجاعة تتصدى لليأس والتشاؤم
لدى الأميركيين من الأسباب ما يدعوهم إلى التشاؤم، إن لم يكن إلى اليأس، فيما يتعلق بالحرب في أفغانستان، فبعد ثماني سنوات من القتال وسقوط 800 قتيل أميركي وإهدار أكثر من 200 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب، لا تكاد الحكومة الأفغانية تكون حكومة شرعية وتعجز عن مواجهة تمرد طالبان المتزايد في قوته.
وقد أظهر الرئيس أوباما قدرا يعتد به من الشجاعة السياسية في التصدي للتشاؤم واليأس، حيث أوضح أن أميركا لا يمكنها التخلي عن الحرب، وحدد الملامح الاستراتيجية التي تجمع بين الطموح والمخاطرة الكبيرة لرد طالبان على أعقابها ودعم الحكومة الافغانية.
«نيويورك تايمز»
عندما يغيب الحوار النزيه عن الحرب
استمع الكثيرون بمزيد من الدهشة إلى فحوى الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان، وفي مقدمتها أن الحرب الدائرة هناك قد تستمر لسنوات مقبلة. وطرح الرئيس أوباما حلولاً للموقف، تمر بإرسال المزيد من القوات الأميركية إلى هناك، وهي قوات يراد بها أن تبني حكومة وبلدا. غير أن سنوات من الدعاية السياسية وخطابات دعاة الحرب، جعلت من المستحيل إجراء أي حوار نزيه حول الحرب. بحيث إنه لم تبق أصوات شريفة يمكن أن ترتفع، مطالبة بقدر أكبر من الوضوح حول التناقضات القائمة في أفغانستان.
«فيتران توداي»
الضباط والجنود يدفعون الثمن في النهاية
ساد شعور عارم لدى الكثيرين عقب إعلان ملامح الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان بالإحباط، حيث إن الحرب هناك بدت لهم وكأنها ستستمر إلى الأبد. فالقادة العسكريون يصدرون أوامر لعمليات بشكل موجز ومحدد يوضح طبيعة المهام التي يستهدفونها من خلال عملية عسكرية بعينها. ولكن من يدفع ثمن هذه السطور القليلة؟ هم الضباط والجنود الذين سيفقد الكثيرون منهم حياتهم قبل أن تبدو في الأفق إمكانية الانسحاب من أفغانستان، وقبل أن يكون بالإمكان إحراز تقدم حقيقي هناك ووضع المسؤولين عن التدهور موضع المساءلة.
«سمول وور جورنال»