أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية مقابلة مع نعوم تشومسكي الذي يعتبر من أبرز منتقدي السياسة الأميركية وتحظى مؤلفاته بانتشار واسع. وتحدث تشومسكي عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة واصفا إياها بأنها امتداد للسياسة السابقة في عهد بوش كما تناول الموقف الأميركي من الصراع في الشرق الأوسط وانحيازه لإسرائيل وأسباب ذلك وأشار إلى الشعور بالكراهية في العالم العربي تجاه أميركا.

يعتبر الكثيرون تشومسكي مفكرا سياسيا لامعا ويحترمون آراءه وانتقاداته للسياسة الأميركية، وهو كذلك باحث بارز في الدراسات اللغوية. ويستضيفه رؤساء الدول ويلقي الكلمات في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة ويتابع خطاباته عدد كبير من الناس في أرجاء العالم.

وعندما ألقى سلسلة من المحاضرات في لندن أخيرا تسابق الشبان لشراء بطاقات الحضور، وتابعه آخرون في بث حي على الإنترنت فيما كان عالم اللغات الأميركي المخضرم البالغ من العمر 80 عاما يتحدث في مواضيع متفرقة بعضها بعيد كل البعد عن الشؤون الداخلية الأميركية كحصار غزة الخانق وعدم مبالاة العالم به.

ويعرف عن تشومسكي تأييده لحملة الرئيس الأميركي باراك أوباما الانتخابية، لكنه وصف رئاسته بأنها لا تمثل سوى ارتداد بسيط نحو الوسط مقارنة بسياسة سلفه. ووصف السياسة الخارجية الأميركية الجديدة بأنها استمرار صارخ لإدارة بوش الثانية. وقال إن إدارة بوش الأولى كانت بعيدة عن الأضواء وأغرقت الهيبة الأميركية في الحضيض وهو ما لم يرق للمسؤولين الكبار.

وأبدى المفكر الأميركي دهشة شديدة لأن عددا كبيرا من الناس في الخارج وخصوصا في العالم الثالث يشعرون بخيبة الأمل لمدى التغير الذي طرأ على شخصية أوباما المتواضعة فحملته الانتخابية البليغة والتغير الذي وعد به أصبح بلا مضمون ولم يحدث أي تغير على الإطلاق. وقال إن أوباما لم يوجه أي انتقاد للحرب العراقية مكتفيا بوصفها بأنها زلة استراتيجية.

ووصف المفكر السياسي المخضرم غزو الولايات المتحدة لأفغانستان بأنه واحد من التصرفات غير الأخلاقية في التاريخ الحديث التي وحدت حركات الجهاد ودفعتها للالتفاف حول تنظيم القاعدة على الرغم من تطرفه.

وقال تشومسكي أن الفجوة بين مصالح الأشخاص الذين يتحكمون بالسياسة الخارجية الأميركية والرأي العام تزداد اتساعا بصورة مثيرة للاهتمام نتيجة للدعم الأميركي الراسخ لإسرائيل ورفضها لحل الدولتين بصورة فعالة على مدى 30 عاما. ولا يعود سبب ذلك إلى اللوبي اليهودي المتعجرف القوة في الولايات المتحدة كما يقول ولكن لأن إسرائيل تعتبر من الموجودات الإستراتيجية والتجارية الثمينة التي تعزز الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط ولا تقوضها.

ويستشهد تشومسكي بحدث تاريخي مهم في هذا الشأن فيشير إلى عهد الرئيس الأميركي الأسبق إيزنهاور ويقول إنه حتى ذلك الرئيس كان قلقا بشأن ما أسماه حملة الكراهية في العالم العربي ويشير إلى شركات النفط قائلا أنها تعمل بصورة جيدة هناك ولم تتأثر مصالحها بالانحياز الأميركي لإسرائيل ضد العرب.

ويرد تشومسكي على الاتهام الموجه إليه بأنه شخصية معادية للأميركيين لا يرى سوى جرائم حكومته ويتجاهل جرائم الآخرين في أرجاء العالم، فيقول إن معاداة أميركا هو مفهوم بحت منتشر بصورة جماعية واصفا هذه الفكرة بأنها تتسم بالبله فهو شخصيا لا ينكر وقوع الجرائم الأخرى لكن مسؤوليته الأخلاقية الرئيسية تنصب على تصرفاته وهو شيء يمكن التحكم به.

ويؤيد تشومسكي بصورة قاطعة موجة التطور التي اكتسحت أميركا الجنوبية في غضون العقد المنصرم منتقدا إدارة بوش السابقة لأنها لم توفر الاهتمام الكافي لأميركا اللاتينية. وبعيدا عن السياسة لدى تشومسكي بعض الآمال المشروطة التي يعلقها على الإنترنت ويصفها بأنها وسيلة للالتفاف حول وسائل الإعلام التي تحتكرها الشركات الكبيرة واللوبيات القوية.

ترجمة: عمر حرزالله