نعيش هذه الأيام الذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وتعلن للعالم أجمع أن الدولة الناشئة الفتية، قد أثبتت قدراتها وإمكانياتها في النهوض والتحدي والتميز، مضاهية أرقى دول العالم، فالتجربة الاتحادية فريدة بكل المقاييس. فقد تمكنت دولة الإمارات من صنع تاريخها المجيد عبر شخصيات فذة نالت إعجاب الجميع في الداخل والخارج.

وفي مقدمتهم شخصية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة المعطاء، والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، إذ تمكنا سوية من تحقيق الحلم الكبير في تكوين دولة اتحادية قوية، راسخة في مبادئها وقيمها وإمكانياتها المادية والمعنوية، ولم يترك الشيخان الحكيمان واخوانهما حكام الإمارات فرصة سانحة، إلا وكرساها لتحقيق الهدف الأسمى والأعلى، في تأسيس الدولة الاتحادية.

وفي18 ديسمبر عام 1968 اجتمع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله، في منطقة السمحة، واتفقا على إعلان اتحاد يضم إمارتي أبوظبي ودبي، كخطوة أولى لاتحاد أعمق وأشمل، وما أن حلت نهاية العام 1971 حتى تمكن الشيخ زايد من جمع حكام الإمارات أبوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، الفجيرة، أم القيوين، في قصر شاطئ جميرا في دبي، لتوقيع أول دستور مؤقت لاتحاد سمي «دولة الإمارات العربية المتحدة».

الآباء المؤسسون

أولى الشيخ زايد، رحمه الله، جل اهتمامه دولة الاتحاد الفتية، حيث عمل على ترسيخ أمنها واستقلالها الوطني، وبناء الدولة وفق نمط عصري متطور، وبحنكته السياسية والاقتصادية واطلاعه المتواصل على التجارب العالمية، حول وطنه من الحياة التقليدية والبداوة والصحراء، إلى حياة الحداثة والتقدم والرقي، عبر تغييرات جذرية طالت مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والصحية والخدمية، مستعينا بوسائل التكنولوجيا الحديثة ومواكبة روح العصر بكل إنجازاته العلمية، والتي كانت لها انعكاساتها الإيجابية على مواطني الدولة واتجاههم نحو بناء دولتهم وتطويرها وتحديثها، وفق النسق العالمي المتحضر.

كما عمل الشيخ زايد على إرساء مبادئ الديمقراطية وفي أوقات مبكرة من قيام الاتحاد، وذلك لإيمانه العميق بالمبدأ الذي أكدت عليه الشريعة الإسلامية، ألا وهو مبدأ الشورى في الإسلام.

حيث إن جوهر الديمقراطية يكمن في الحرية التي يختار فيها المواطنون حكامهم، والرقابة الدائمة عليهم أثناء ممارستهم للسلطة، فالمواطنون يتساوون مع الذين هم في السلطة أمام القانون، وفي حق الاقتراع، وفي انتخاب ممثليهم النيابيين دوريا، وحرية العمل السياسي ضمن حدود المسؤولية تجاه الوطن، وهذا الأمر لا يتحقق إلا في ظل الديمقراطية.

لم يقتصر الأمر عند حدود دولته، فكان لزايد رحمه الله حضوره المتميز على الساحة الإقليمية والدولية، وذلك من خلال القرارات الصعبة التي اتخذها في مساندة قضايا الأمة العربية، كقطع إمدادات النفط عن الدول التي ساندت الكيان الصهيوني في حرب أكتوبر عام 1973، وتأكيده على تحقيق التضامن العربي الفعال والشامل، فأصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة عنصرا مؤثرا في مجريات الأحداث العربية عامة، والخليجية خاصة ضمن مجلس التعاون الخليجي الذي أنشئ عام 1981 في عاصمة الاتحاد أبوظبي، لدرء التحديات الخارجية.

طموحات عظيمة

وتزامنت إنجازات الشيخ زايد مع إنجازات رفيق دربه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي رحمهما الله، ومنذ المراحل المبكرة الأولى لقيام الدولة الاتحادية.

كانت طموحات الشيخ راشد كبيرة وفاقت كل التوقعات، إلا أنه كان مؤمنا بأن خير وسيلة للنجاح هي العمل المثابر الدؤوب، ومتابعة ما يجري في العالم وباهتمام بالغ من حركة عمران وبناء ونهضة، وهذا ما عكس أمامه جملة من التحديات، ليجعل من مدينة دبي إمارة مواكبة للعصر والتطور والتقدم في المجالات الحيوية كافة، وتحويلها من مدينة صغيرة إلى مدينة عملاقة أثارت إعجاب العالم أجمع. فقد عمل الشيخ راشد على الاستفادة من عوائد النفط في تحقيق نهضة شاملة للإمارة، وبناء مشاريع ضخمة للأجيال اللاحقة.

فمن خلال إلحاحه على الشركات النفطية عام 1970 لزيادة دخل إمارته من حصة النفط وتحويلها من 50 إلى 55%، ساعد على تحقق طفرة نوعية لخزينة إمارة دبي، إذ أدى الأمر إلى ارتفاع أسعار النفط بين عامي 1973 ـ 1979، وبزيادة نسبة الإنتاج من 250 ألف برميل في اليوم عام 1970 إلى 350 ألف برميل عام 1985، مما أدى إلى إرساء الدعائم الاستراتيجية والاقتصادية لمدينة دبي، وذلك بإنشاء المشاريع الضخمة والعملاقة التي فاقت التصورات. ومن الأمثلة على ذلك مشروع المنطقة الحرة في جبل علي، الذي كان له المردود الإيجابي على الإمارة وبقية الإمارات.

فضلا عن إنشاء المصانع والجسور، وبناء الموانئ العملاقة والفنادق السياحية والمراكز التجارية، وتشييد الأحياء السكنية الجديدة والجامعات والمدارس على اختلاف اتجاهاتها وأهدافها، فأصبحت دبي تسير بخطى متسارعة، ما جعلها تحتل المركز التجاري العالمي الذي يستهوي جميع التجار والمستثمرين في العالم.

نهج التطوير والتمكين

واليوم يواصل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ما بدأه الآباء في مرحلة التأسيس الأولى للدولة، وقيادة البلاد نحو مرحلة التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومواصلة الاستمرارية مع التجديد والتطور في مختلف القطاعات، لتحقيق أعلى معدلات النمو والنهوض والاستثمار، وتثبيت دعائم ما أنجزه الأسلاف العظام في تاريخ الدولة.

فقد أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في 17 فبراير 2007 أن لا سقف زمنيا تقف عنده طموحات دولة الإمارات، حيث قال سموه «آمالنا لدولتنا لا سقف لها وطموحاتنا لمواطنينا لا تحدها حدود وتوقعاتنا للمستقبل تزداد يقينا، ونحن نستقبل عهدا جديدا».

وأضاف سموه قائلا «إننا نراقب بكل فخر خطط التمكين والنهضة والإصلاح المتسارعة، ونراقب برضا كامل برامج التطوير وإعادة الهيكلة الجارية ومشروعات التنمية تأسيسا لمنظومة الحكم الجيد والأداء الجيد»، كما أكد على أن الحكومة الكفؤة هي رأس الرمح في استراتيجية اتباع نهج التوازن والاعتدال لما تتمتع به من امن اجتماعي واستقرار سياسي وثقل اقتصادي مكنها من أن تتبوأ مكانة مرموقة في المجتمع الدولي.

وقد أمر صاحب السمو الشيخ خليفة بمواصلة تطوير البنية التحتية الشاملة للبلاد، وبناء المدن الجديدة، والطرق الخارجية في المناطق النائية في الدولة، ورصد المبالغ اللازمة لعملية التطوير والتحديث.

كما أكد صاحب السمو رئيس الدولة في إطار البرنامج الشامل للإصلاح السياسي للعام 2008، على مواصلة السير في طريق التمكين السياسي، وتعميق الممارسة الديمقراطية في البلاد، وتعزيز مشاركة المواطنين في العمل الوطني، والتأكيد على أهمية دور المرأة الإماراتية، وتعزيز مشاركتها في العمل السياسي، لتتبوأ أكثر من 22% من مقاعد المجلس الوطني الاتحادي.

العزيمة والرؤية الاستراتيجية

وفي الوقت ذاته حرص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، على مواصلة السير في خطى التقدم والازدهار إلى جانب أخيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، من خلال المتابعات الميدانية لمواقع العمل في الدولة، واتباع نهج مميز في الإشراف التنفيذي على المشاريع العمرانية الضخمة، وعلى سير العمل في الوزارات والمؤسسات، وخاصة في القطاعات الخدمية، والوصول إلى أبعد نقطة نائية في الدولة، ليكون بذلك القدوة للمسؤولين في المتابعة الميدانية والأداء الحكومي.

لقد حرص سموه على الاهتمام بالكفاءات الوطنية الشابة ورعايتها وإعطائها المسؤولية والثقة الكاملة في المستقبل، وهذا ما جعلها أكثر عزيمة وقوة في الوصول إلى أهدافها وتحقيق طموحاتها الوطنية.

كما عمل سموه على تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في أخذ الحقوق وأداء الواجبات، وأن تعامل المرأة مثلما يعامل الرجل، وفي المجالات السياسية والاجتماعية والمهنية دون تمييز وبلا حدود، والتأكيد على إعداد المرأة الإماراتية ثقافيا ومعرفيا، بما ينعكس على إعداد الأجيال القادمة وتأهيلها لمواجهة تحديات المستقبل.

وقد استطاع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن يكون على مسافة واحدة من جميع المقيمين على أرض دبي الطيبة، فاتحا قلبه للجميع ودون استثناء، ومثلما يريد لابن دولة الإمارات أن يحظى بحياة كريمة في مجتمع آمن وسليم.

البناء والتنمية

كما أعلن صاحب السمو عن خطة دبي الاستراتيجية الممتدة من 2007 ـ 2010 حيث وضعت الإمارة على طريق البناء والتنمية الشاملة، وتنويع مصادر الدخل، وزيادة الانتماء والوعي الوطني لدى كل مواطن ومواطنة، وركزت الخطة على خمسة محاور أساسية هي: التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبنية التحتية والبيئة والأمن والعدل والتميز الحكومي.

وقد أشرف سموه بنفسه على العديد من المشاريع الناجحة والعملاقة في إمارة دبي، ورعى تنفيذها وافتتاحها، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ مثل مدينة دبي للإنترنت، ومدينة دبي للإعلام، ومؤتمر التجارة الالكتروني، ومركز دبي المالي العالمي، ومدينة الذهب، ومرسى دبي، وبرج العرب، وجزيرة النخلة، وبرج دبي الذي يعد من أضخم المشاريع العمرانية على مستوى العالم، وافتتاح مترو دبي، وافتتاح معرض دبي للطيران للعام الحالي الذي يعد ثالث أكبر معرض للطيران، متحديا الأزمة الاقتصادية العالمية ومتخطيا تأثيراتها التي أرهقت دولا كبرى.

كما قام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بإطلاق الجوائز القيمة، مثل جائزة زايد الدولية للبيئة لتشجيع الإنجازات البيئية المتميزة وبما يتوافق والفلسفة الإنمائية، والإعلان عن برنامج الأداء الحكومي المتميز، وإطلاق مؤسسة محمد بن راشد للشباب من أجل تحفيز الشباب الواعد في النهضة الاقتصادية، ومؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية.

الطموح والتحدي

إن الإنجازات الحضارية والتنموية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لا يمكن أن تعد أو تحصى، فهو رجل الصعاب والمعجزات، فبفضل حنكته وحكمته السياسية والاقتصادية استطاع أن يجعل من إمارة دبي مدينة عالمية، فاقت أرقى العواصم العالمية، وعمل على جذب المستثمرين ورجال الأعمال والسياح من مختلف أنحاء العالم، حيث يجدون على أرضها أفضل الخدمات والتسهيلات، وحسن المعاملة التي تضاهي أرقى المستويات العالمية.

ولم تنعكس هذه الإنجازات إيجابيا، على دبي فحسب، وإنما شملت باقي إمارات الدولة، فقد أكد سموه أن دبي جزء لا يتجزأ من دولة الإمارات، وأن الأسر الحاكمة فيها، هي أسرة واحدة.

كما استطاع أن يجنب الإمارة مساوئ الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية التي عصفت بالعالم أجمع، من خلال إعلان الصفقات الجديدة، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التوازن الاقتصادي والاستثماري في الإمارة، لتقف مدينة دبي شامخة علو السماء، وهي تفتتح مشاريعها الواحد تلو الآخر، فنالت بذلك احترام وتقدير شعوب العالم.

إضاءة

في مجال السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، حرصت دولة الإمارات على اتباع سياسة الحكمة والتوازن ومناصرة الحق، واللجوء إلى أسلوب الحوار والتفاهم بين الأشقاء والأصدقاء، وترسيخ العلاقات السلمية مع دول الجوار، وتقوية العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية والأجنبية كافة، بما يضمن المصالح المشتركة، واحترام المواثيق الدولية والالتزام بميثاق الأمم المتحدة.

د. سهير عواد الكبيسي