بعد غد، يبدأ مؤتمر كوبنهاغن أعماله، لصياغة اتفاقية دولية بشأن سخونة المناخ. الحدث كبير وتاريخي. المطلوب منه يهمّ البشرية جمعاء. المخاطر تهدّد كل ما عرفناه من توازنات الطبيعة وأنظمتها؛ وبالتالي من دورات الحياة المنتظمة على الأرض. الكل تسبّب، ولو بدرجات متفاوتة، في وصول الاحتباس الحراري إلى المنعطف الخطير الراهن. والكل مطالب بالمساهمة في درء الخطر.

ولأن هذا الأخير جدّي ومحدق، فهو يتطلب معالجة فعّالة، استباقية عاجلة. وبالتحديد من جانب الملوثين الكبار. لاسيما وأن فسحة الوقت باتت ضيقة وضاغطة. ما يقلق، أن التحضيرات التي سبقت المؤتمر؛ لا تبشر بالخير.

المراوغة والمماطلة ومحاولات التشاطر والتعجيز، ما زالت تتحكم بمواقف معظم الدول. كل واحد يرمي الكرة في ملعب غيره. وخاصة المسؤولين الرئيسيين عن تسميم المناخ في كوكبنا. وها هم ذاهبون إلى هذا المؤتمر، الذي ينتظره العالم بكثير من الآمال، بتردّد وبأنصاف حلول؛ ومن دون أن يفصح أحد منهم عن أوراقه.

وكأنهم مضطرون للمشاركة. أو أنهم ذاهبون رفعاً للعتب وتحاشياً للملامة. وبالذات الولايات المتحدة الأميركية، ثم الصين بالدرجة الثانية. أكبر مصدّرين لغازات التسخين.

ملف المناخ، عمره عقود. انعقدت بخصوصه مؤتمرات كثيرة وصدرت دراسات أكثر. تكفي تحذيرات العلماء، بأن المشكلة من صنع الإنسان. وتحديداً، إنسان الدول الكبرى التي اعتمدت الطاقة الأحفورية، لبناء اقتصادياتها الصناعية. هذه الدول، وبالذات واشنطن، رفضت هذه المقولة.

رأت فيها مجرد زعم لا أساس له من الصحة. مع أن العلماء الأميركيين كانوا في طليعة المحذرين. لكنها شاركت في بروتوكول «كيوتو»، أول اتفاق مناخي دولي ملزم؛ عام 1997. يومها، التزمت إدارة الرئيس كلينتون، مع الدول الصناعية الكبرى؛ بخفض معدل الغازات بمقدار 5، 2، بحلول عام 2012.

حتى مع هذه النسبة المتواضعة، لكن الكونغرس الأميركي رفض الموافقة على الاتفاقية؛ وبقيت واشنطن خارجها. وهو لم يسبق له أن وافق على أية قيود تتصل بالمناخ. وبذلك، باتت المراهنة معلّقة على كوبنهاغن؛ باعتباره المؤتمر الأخير لإعداد البديل عن «كيوتو»؛ قبل نفاذ هذا الأخير؛ بعد سنتين. عدة لقاءات سبقت هذا الموعد للتحضير.

كلها فشلت في الخروج بمسودة مشروع مقبول. لم يتزحزح أحد عن شروطه. المفارقة، أن البلدان المغلوب على أمرها، لا تمانع في الخفض؛ لكنها تطالب الدول الكبرى بمساعدتها في تحمّل الكلفة. هذه الأخيرة تتحدث عن مساعدة بالتلميح، أو بالتقطير.

أما هي، أي مسبّب العلّة؛ فلم يصدر عنها غير الوعود. وكل وعودها مبهمة ولأجل قصير وبنيّة ترحيل اتخاذ القرارات النهائية، إلى العام القادم. الصين تتحدث عن «خفض لا بأس به»، على المدى القريب. واشنطن، تتحدث، وفق ما تسرّب، عن 17% ربما؛ مع تأجيل الحسم إلى السنة المقبلة. وهي نسبة هزيلة. الحجة، أن الرئيس أوباما، الذي يريد الذهاب إلى أبعد من ذلك؛ مكبّل بالكونغرس.

ويذكر أن الرئيس لم يقرر الحضور إلى كوبنهاغن، إلا قبل أيام فقط وبعد تردّد طويل. وعلى الأغلب رفعاً للإحراج. وبكل حال قرر الحضور ليوم واحد ـ من أصل 11 يوماً يستغرقها المؤتمر؛ وفي أول أيام انعقاده؛ وقبل حضور الرؤساء الآخرين. بل أن مروره، يأتي وهو في طريقه إلى أوسلو؛ لتسلم جائزة نوبل للسلام. مما يدل على هامشية الموضوع في حسابات واشنطن.

المطلوب، حسب تقديرات العلماء، أن يحصل الخفض اللازم والكافي لضمان منع ارتفاع حرارة الأرض بأكثر من درجتين؛ مع حلول عام 2050. لبلوغ هذا الهدف، لا بدّ من المباشرة بالمهمة، في العقد القادم على أبعددّ. التأخير لا يعود الخفض معه يجدي. يكون القطار قد فات. والنسبة لا ينبغي أن تنقص، في أقله، عن ما يطرحه الأوروبيون والذي لا يقل عن 40%؛ قبل عام 2040.

لكن حسابات الاقتصاد وما يستتبع ذلك من سباق على الأسواق والنفوذ؛ يبدو أنها تتقدم على أولوية قطع الطريق على كوارث طبيعية، من النوع الذي يستعصي على أي معالجة؛ ولقرون أو أكثر. التهديد، غير مسبوق والوقت لا يسمح بترف التأجيل. وعلى من تسبّب وكان سبّاقاً في التلويث، أن يقوم بواجبه في التنظيف. فالغرم بالغنم. وبكل حال، الكوكب ليس ملكاً للكبار. وكم بالأحرى إذا كانوا أصل البليّة.

فيكتور شلهوب