عدا عن الجوانب التفاوضية الثنائية، فثمة بعد إقليمي لعملية التسوية الإسرائيلية ـ السورية، بحكم تأثيرها المباشر على البيئتين السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، سلبا أو إيجابا.

لهذا السبب بالذات كانت إدارة بوش المنصرفة انتهجت خط ابتزاز سوريا، والضغط عليها، لإجبارها على فك تحالفاتها الإقليمية (والمقصود مع إيران)، ووقف دعمها لمنظمات المقاومة (من مثل حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين)، والعمل على كل ما من شأنه التسهيل على الترتيبات الأميركية (الأمنية والسياسية) في العراق).

وكما بات معروفا، فإن سياسة الضغط والابتزاز والتهديد، التي انتهجتها إدارة بوش، أخفقت في ثني سوريا عن مواقفها، مثلما أخفقت في فرض ترتيباتها في العراق وفي عموم الشرق الأوسط. هكذا شهدنا عودة العلاقات الأوروبية ـ السورية إلى سابق عهدها، وتوطد العلاقات السورية ـ التركية (في مقابل انفكاك العلاقة التركية ـ الإسرائيلية)، وتراجع الولايات المتحدة، في ظل الإدارة الحالية (أي إدارة أوباما) عن سياسات سابقتها، إزاء سوريا؛ بدعوى أن التسوية السورية ـ الإسرائيلية ستفضي حتما لتغييرات في السياسة السورية الخارجية.

لكن مع كل هذا المتغيرات فإن المطلوب من سوريا إقليميا لم يتغير، فقط ما تغير هو التخلي عن طلب «سلفة» من سوريا، تتمثل بإدخال تغييرات على سياساتها الإقليمية، واعتبار هذا الأمر كنتيجة لعملية التسوية، بدل أن يكون مقدمة لها. وفي هذا الإطار يقول ايهود باراك (وزير الدفاع): «من الممكن تحقيق السلام مع سوريا..ومن المهم جداً إخراجها من محور العنف..سوريا هي حجر زاوية في أي اتفاق إقليمي مستقر.» (هآرتس 29/10)

لكن كل ذلك لا يعني بأن مصير الهضبة السورية المحتلة بات مرتهنا فقط بأثمان في السياسة الإقليمية، ذلك أن ثمة أمرين أساسيين مازالت إسرائيل تصر عليهما، وهما الترتيبات الأمنية والمصالح المائية. وفي هذا الإطار يقول رؤوفين بدهتسور: «إذا استؤنفت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، فإنه كون الثمن ؟ النزول من هضبة الجولان ؟

معروفا، فما سيكون على جدول الأعمال هو امن إسرائيل..رغم التغييرات.. التي طرأت على مبنى الجيش السوري، حجمه ومنظومات سلاحه..يكفي تجريد الهضبة (من السلاح) وحماية مصادر المياه لإسرائيل (بحيرة طبريا ومصادر نهر الأردن)، لضمان شروط أمن كافية..الانسحاب من الهضبة بالذات سيحسن الردع».

هكذا فإن بقاء الجيش الإسرائيلي في الجولان لدواع أمنية (عند فدهستور) لم يعد له جدوى، على أساس أن «الحرب التالية مع سوريا، إذا ما اندلعت ستتميّز بقدر أقل بمعارك المدرعات واحتلال الأراضي، وبقدر أكبر بإطلاق الصواريخ والمقذوفات الصاروخية نحو الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ولتدعيم المناخ الأمني يقترح فدهستور مرابطة قوات فصل أجنبية في الهضبة، تفصل بين الجيشين وتراقب الطرفين ينفذان شروط الاتفاق (»هآرتس» 25/11). هكذا يبدو أن المسألة الجغرافية محسومة في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، وما تبقى هو ما يتعلق بالترتيبات الأمينة والمائية والسياسات الإقليمية.

إضاءة

بحسب اوري سافير (ترأس في عامي 1995 ـ 1996 الوفد الإسرائيلي للمفاوضات مع سوريا) ثمة «شيء ما ينضج بين واشنطن ودمشق: الرئيس اوباما ووزيرة الخارجية هيلاري يكثران من الحديث عن السلام الإقليمي وليس فقط عن السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني..على إسرائيل أن تنظر بجدية في الدخول في مفاوضات حول السلام مع سوريا، وتبني مبادرة أميركية لتسوية تتضمن انسحاباً إسرائيليا من الجولان، ترتيبات أمنية وإقامة محميات طبيعية ومناطق سياحية في الجولان..

يجب الإصرار على تجريد السلاح في عمق سوريا، بحيث يستغرق جلب دبابة إلى خط الحدود 48 ساعة..على إسرائيل أن تصر على أن تبتعد سوريا عن إيران، «حزب الله»، و»حماس»، وألا تسند وتستضيف منظمات «إرهابية». السلام مع سوريا، حتى على حد تعبير السوريين، مدخل لسلام شامل في الشرق الأوسط.

تقوم الولايات المتحدة بدور أمني من خلال تقديم المعلومات الاستخبارية لإسرائيل والرقابة على الترتيبات الأمنية، ويحتمل أن تفعل ذلك أيضا بتواجد لقوة لها في الجولان. أما بالنسبة لجوهر السلام، فعلى إسرائيل أن تصر على التطبيع الكامل..وأن تقام أيضا مشاريع مشتركة. من المرغوب فيه أن يصبح الجولان منطقة سياحية خاصة،. («هآرتس»،22 11)