مرة جديدة، وبسبب استعصاء العملية التفاوضية مع الفلسطينيين، عادت إسرائيل إلى نهج التلاعب بالمفاوضات، من خلال محاولاتها استدعاء المسار التفاوضي مع سوريا، وهو ما تجلى بتصريحات، أدلى بها مؤخّرا عديد من المسؤولين الإسرائيليين، وضمنهم بنيامين نتانياهو، رئيس الحكومة، الذي كان دعا سوريا إلى استئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة، وبرعاية فرنسية!
طبعا يمكن النظر إلى هذا التصريح (وغيره) على أنه مجرد محاولة من نتانياهو لقنص أكثر من هدف، من مثل ابتزاز الفلسطينيين، والتقليل من دور تركيا، وإظهار إسرائيل كمن يسهل على السياسة الأميركية في المنطقة، لكن هذه النظرة لا ينبغي أن تحجب إمكان إعادة تسيير عجلة المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، بالنظر إلى عديد من العوامل الدافعة، ضمنها:
(1) التوافقات المتحققة بين الطرفين في المراحل السابقة في عديد من القضايا التفاوضية؛ منذ عهد رابين ووديعته المعروفة، إلى عهد اولمرت عبر الوسيط التركي.
وفي هذا الإطار يقول يوسي بيلين: «إذا اتصل .نتانياهو باللواء احتياط أوري ساغي، الذي عمل منسقا للاتصالات مع سوريا، فسيكون بوسعه أن يحصل عبر رسالة هاتفية سحس على كل ما تم الاتفاق عليه في الماضي- بما في ذلك حلول لمشكلة المياه والمناطق المنزوعة السلاح، والحديقة العامة التي ستتيح للإسرائيليين الوصول إلى بحيرة طبريا من دون تأشيرة دخول». (يديعوت أحرونوت» 13/11)
(2) تميّز هذا المسار التفاوضي (عن مثيله الفلسطيني) بإدراك الطرفين المعنيين (سوريا وإسرائيل) للمطلوب منهما، وهذا ما يلخصه المحلل الإسرائيلي المتابع للشؤون العربية تسفي بارئيل، بالتالي: «الطريق إلى دمشق قصير. الكثير منه شق حتى الآن. ثمنه معروف. انسحاب إسرائيلي كامل من هضبة الجولان مقابل السلام الكامل بما في ذلك التطبيع». (هآرتس 1/11/2009)
(3) توفّر نوع من إجماع إسرائيلي، يضم المستوى الأمني، بشأن ضرورة انجاز التسوية على المسار السوري، حتى أن رئيس الأركان غابي اشكنازي، تحدث عن «مصلحة إستراتيجية لإسرائيل بقطع سوريا عن المحور المتطرف الذي تقوده إيران.» (»هآرتس13/11) وبحسب رؤوفين بدهتسور، ثمة «في هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي إجماع يفيد بان الربح من اتفاق سلام مع سوريا يفوق الخطر الذي في الانسحاب من الهضبة» (»هآرتس25/11).
(4) لاشك أن الوضع في الشرق الأوسط، بما في ذلك تعثر الترتيبات الأميركية في العراق، وتزايد نفوذ حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، وصعود دور إيران في العراق وفي الشرق الأوسط، كلها عوامل تحث القوى الدولية والإقليمية إلى لمعالجة أزمات المنطقة، من مدخل إيجاد حلول للصراع العربي ـ الإسرائيلي. وبديهي أن المسار السوري هو المسار الأنسب لهذا الأمر، بحكم تعقد المسار الفلسطيني.
الآن، إذا كانت نتيجة المفاوضات معروفة سلفا، وإذا كانت معظم القضايا التفاوضية جرى التوافق بشأنها، فما الذي يعرقل عملية التسوية إذن؟
في الإجابة على ذلك، ودون التقليل من أهمية القضايا التفاوضية الخلافية، التي مازالت عالقة (وهي تتعلق أساسا بتعيين خط الحدود والجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي، ونوعية الترتيبات الأمنية والمائية المتبادلة)، يمكن القول بأن عملية التسوية على الجبهة السورية تحتاج، أيضا، إلى نضج الوضع الداخلي الإسرائيلي للإقدام على هكذا تسوية، كما تحتاج إلى وضع إقليمي ودولي يدفع نحوها ويشجع عليها؛ وهو ما لم يكن متوفرا في عهد إدارة بوش المنصرفة.
القصد التوضيح هنا بأن إسرائيل بذاتها، وبوضعها الراهن، غير مهيأة للتسوية مع سوريا، ولا مع غيرها، فحكومة نتانياهو بميولها اليمينية، وبائتلافها المتطرف، هي غير حكومة اولمرت، وشاهدنا على ذلك التطورات السلبية الحاصلة على صعيد التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين.
حيث رفضت حكومة نتانياهو مجرد ولو وقف مؤقت لأنشطتها الاستيطانية في الضفة، وفضّلت معارضة الإدارة الأميركية على مسايرتها، في هذا الشأن؛ رغم معرفتها بحراجة موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وحاجتها للتسوية للتسهيل على سياساتها الشرق أوسطية.
وفي الواقع ثمة هنا مفارقة تتمثل بأن التغير الايجابي الحاصل على الصعيدين الدولي والإقليمي قابله من جهة إسرائيل تغيرا سلبيا، تمثل بوجود حكومة تضم أحزاب اليمين الإسرائيلي بقيادة حزب الليكود، الذي يتزعمه نتانياهو.
لكن وعلى الرغم من كل ما تقدم ينبغي عدم الوقوع في فخ اليقينيات والمسلمات، فالسياسة الإسرائيلية، هي على الأغلب سياسة برغماتية، بمعنى انها تنبني على تقدير المصالح الأمنية والإستراتيجية في كل مرحلة. أيضا فإن السياسة الإسرائيلية، مرتبطة بالسياسة الدولية والتطورات الإقليمية، وهي مرتهنة للسياسة الأميركية إلى حد كبير.
على ذلك، ومع إن توقع احتمال إقدام حكومة نتانياهو على تسوية مع سوريا هو مجرد احتمال ضئيل، إلا أنه ينبغي وضعه في الحسبان، في احتمالات الاستراتيجيات السياسية، وفي مجال استشراف السيناريوهات المستقبلية.
إضاءة
يحاول وري مسغاف إيجاز الوضع القائم بين سوريا وإسرائيل، بالعبارات التالية: «بالتوازي مع المأزق مع الفلسطينيين، لا غرو أن القناة الإسرائيلية ـ السورية تسخن بسهولة..الفرنسيون، الأتراك والكرواتيون ينقلون رسائل ويقترحون أن يكونوا وسطاء.
فردريك هوف، نائب جورج ميتشيل والمسؤول عن الملف السوري ـ اللبناني، يقضي في دمشق وفي بيروت أكثر مما يمضي في واشنطن.. .نتانياهو، الذي يتملكه القلق على استقرار ولايته، يتمتع أيضا بريح إسناد في القيادة. ثلاثة من وزراء «السباعية» لديه ـ باراك، ليبرمان ومريدور ـ يؤيدون التقدم مع السوريين. رئيس الأركان الشعبي اشكنازي يعتبر هو أيضا مؤيدا للانسحاب، منذ عهده كقائد للمنطقة الشمالية.» (» يديعوت أحرونوت»، 1115)
ماجد كيالي
