في ربيع عام 2009 الحالي.. أصدرت مؤسسة «النزاهة المالية العالمية» (بالأدق الكوكبية) دراسة مهمة عكف على وضعها الأستاذان «ديف كيللر» و»ديفون سميث» وحملت الدراسة العنوان التالي: «التدفقات المالية غير المشروعة من البلدان النامية على مدار الفترة 2002- 2006».

ولقد جاءت هذه الدراسة، لا لتشكل فقط إضافة لقيمتها العلمية إلى ذلك «النوع» المستجد على مضمار الأدبيات السياسية ؟ الاقتصادية.. بوصفه ناقوس الإنذار الذي ينبه الشعوب وقادة الأمم إلى آفة النزح إلى حد الاستنزاف للموارد الثمينة التي تحفل بها أقطار العالم النامي، ولكن جاءت الدراسة أيضا لتفتح عيون العالم على أخطر ظاهرة باتت تهدد الاقتصاد العالمي.. حاضره ومستقبله في هذه الفترة الباكرة من حياة القرن الحادي والعشرين.

ويمكن تلخيص هذه الظاهرة بكل سلبياتها الصارخة تحت العنوان الشامل التالي: لا الأموال غير المشروعة.

أو هي المال الحرام كما يعلمنا المصطلح الإسلامي. وقد بلغ أمر هذه التدفقات غير المشروعة من الأموال والموارد الحّد الذي دفع البنك الدولي إلى صياغة واعتماد إجراء مؤسسي بالغ الأهمية.. أعلنه البنك الدولي على العالم في عام 2007 وحمل بدوره شعارا موجزا هو: «ستار»

حكاية ستار

وليس لأحد أن يفهم أن المقصود هو النجوم أو النجومية، أو ما يرتبط بهما من معاني الشهرة أو اتساع الصيت.. «ستار» هو الاختصار الإنجليزي لذلك الإجراء الذي أنشأته المنظومة المالية العالمية تحت العنوان التالي:

استرجاع الأصول (المالية) المسروقة.

وفي هذا الإطار اتخذ البنك الدولي مبادرة «ستار» التي انطوت؟ منطقيا على صعوبات وتحديات اقتضت من البنك أن يضع خطة عمل عمرها الآن نحو 3 سنوات في محاولة ؟ كوكبية إن شئت ؟

لاسترجاع الموارد والأرصدة التي تعرضت للنهب والتهريب والنزح والسرقة وصادرت على مستقبل أجيال في الحاضر وفي المستقبل، وخاصة من شعوب القارة الأفريقية، التي يعاني أهلها من كوارث الجفاف.. الفيضان.. الحروب الأهلية.. التخلف الاقتصادي.. غياب المرافق والهياكل والبنى الأساسية اللازمة لاستمرار حياة البشر ولو عند حدها الأدنى..

هذا بينما تحفل أقطار تلك القارة السمراء بثروات طبيعية سواء فوق سطح الأرض من غابات مثمرة ومساحات زراعية بغير حدود.. أو في باطن نفس الأرض وهبها الله سبحانه وعلى شكل رسوبات وركازات من أثمن المعادن التي تمس الحاجة إليها لاستمرار الحضارة الإنسانية في حالتي السلام أو الحرب على السواء.

مبادرة البنك الدولي

هكذا قُيض لمبادرة البنك الدولي أن تلفت الانتباه.. توقظ المواجع كما قد نقول إلى الظاهرة السلبية.. أحيانا الوحشية التي تمس في الصميم حياة البشر في هذه المرحلة من حياة عالمنا.

هي ظاهرة «المال غير المشروع.. وكيفية العمل على إيقافها».. على نحو ما ينادي به بحث رصين نشره في أواخر شهر نوفمبر 2009 الأستاذ «رايموند بيكر» وهو باحث أميركي مخضرم ويعمل مديرا لهيئة النزاهة العالمية التي ألمحنا اليها في فاتحة هذه السطور.. ومعه الأستاذة «إيفا جولي» وهي قاضية فرنسية وعضو في البرلمان (الاتحادي) الأوروبي (مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس).

وعندنا أن ميزة هذه الشراكة البحثية بين طرفيها الأميركي والأوروبي تفتح عيون المحلل السياسي ؟ الاقتصادي على ما يتراءى من أفكار وآراء لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باعتبارهما أهم طرفين في المعادلة المالية في العالم (وقد يضاف إليهما الصين في الظرف الاقتصادي الراهن بالذات).. هذا فضلا عن أهمية، بل خطورة قضية الموارد، وما يرتبط بها في إطار ظاهرة عولمة الاقتصاد من ضخامة عمليات التبادل التي تشهدها حاليا الكرة الأرضية.

بيانات منظمة التجارة

ويكفي تدليلا على هذه الضخامة أن نحيل إلى أحدث ما صدر من بيانات عن منظمة التجارة العالمية، وتفيد بأن حجم التجارة الدولية من استيراد وتصدير في مجالي السلع والخدمات وصل في عام 2007 إلى 8,33 تريليون دولار، ثم ما لبث أن ارتفع في عام 2008 إلى مبلغ 1,39 تريليون دولار وهو جدير مع مطالع عام 2010 أن يسجل ارتفاعات تزيد بداهة على الأربعين تريليون من الدولارات.

مبالغ جسيمة إذن.. قوامها عشرات المليارات تدور وتلف حول الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها كل 24 ساعة فيما تمّس في دورانها هذا مصالح أمم وحياة شعوب ومستقبل أجيال.

وكان بديهيا أن تبادر الولايات المتحدة ؟ إلى تدارس ظاهرة الأموال غير المشروع.. والموارد المنهوبة - الحرام كما أسلفنا، وهو ما دفع إدارة الرئيس أوباما الحالية إلى ملاحقة ظاهرة التهرب الضريبي التي تمثل، في رأي أركان هذه الإدارة خسارة فادحة من عوائد المال العام المطلوب بداهة لتمويل وتنفيذ المشاريع الطموحة التي وعد بها «المرشح» باراك حسين خلال السباق الرئاسي طيلة عام 2008 الماضي..

وجاء في مقدمتها مؤخرا مشروع تعميم الرعاية الصحية لصالح أفقر وأوسع فئات ؟ طبقات المجتمع الأميركي وهو المشروع الذي يعده مراقبو الشأن العام في واشنطن بمثابة المقياس ؟ الفيصل الذي قد يقرر مصير السيد أوباما بين أن يكون رئيس الولاية الواحدة أو رئيس التجديد المقنن دستوريا إلى ولايتين في البيت الأبيض.

الملاذات الضريبية

والواقع أنه يمكن القول بأن التهرب الضريبي سلوك ليس بالغريب على دوائر المال والأعمال في الولايات المتحدة.. فبقدر تراكم الثروات، بقدر ارتفاع معدلات الجباية الضريبية، وأيضا بقدر ما تسوّل النفس لكبار الممولين وأباطرة البيزنس باصطناع وسائل وانتهاج سُبل تكفل هذا التهرب من عبء هذه الأموال ؟ الفادحة أحيانا ؟ التي تجمعها وكالة الإيرادات الداخلية (وهي المكافئ لمصلحة الجباية الضريبية في بلدان أخرى).

وفي استطلاع شهير لآراء المواطنين الأميركان سألوهم عن أهم الدوائر والهيئات الحكومية التي يكرهونها أو يخشون بأسها.. وكان بديهيا أن تأتي هذه الوكالة الضريبية على رأس الوكالات الحكومية الأبعد مسافة عن قلب ووجدان المواطن الأميركي.

لهذا اخترع بارونات المال والأعمال في أميركا مواقع من حول القارة الأميركية الشمالية وحملت عنوانها الشهير التالي: الملاذات الضريبية

وكان بديهيا أن تتخذ هذه الملاجئ مواقعها في كثير من جمهوريات الموز ؟ الصغيرة المساحة والمحدودة السكان والفقيرة الموارد.. ومعها أيضا عدد من الأقطار ؟ الجزر التي كان لأميركا وسلطاتها المتنفذة باع طويل ونفوذ عميق في تنصيب حاكميها تحت ألقاب الرئاسة الفخيمة.. وطبعا في خلعهم وقتما تشاء.. بل وإيداعهم السجن إذا ما اقتضت ذلك الظروف والمصالح في بعض الأحيان.

في هذا السياق تتوارد على الخواطر أسماء بقاع وأقطار ما بين هندوراس ونيكاراغوا.. وما بين جزر كايمان إلى جزر البهاما.

لماذا يكرهونهم؟

وعندنا أن من جذور البغض المتأصل ضد نظام «كاسترو» في كوبا أو تمرد الساندانستا في نيكاراغوا ؟ أن كانت كوبا بالذات.. وحتى أواخر عقد الخمسينات من القرن الماضي هي الجزيرة ؟ الدولة المفضلة لدى كبار رجال الأعمال وأباطرة الصناعة والتجارة والمال في أميركا، أوّلا لتهريب الأموال كي تودَع في مصارفها بعيدا عن عيون وسطوة دوائر الجباية الضريبية في أميركا.

وثانيا لقضاء أوقات من المتعة والاستجمام البهيج في مرابع ومغاني كوبا إبّان نظام حكم رئيسها «باتستا» الذي أطاحت به ثورة كاسترو ورفاقه في عام ,1959. وهو ما حدث بعد ذلك بنحو 20 عاما حين أطاحت ثورة اورتيجا ورفاقه برئيس نيكاراغوا الأسبق «سوموزا» الذي جعل من عاصمته ماناغوا أقرب إلى هافانا أخرى في منطقة أميركا الوسطى وفي مياه البحر الكاريبي.

ورغم أن إدارة أوباما تستهدف موضوعيا قطع الطريق على المتهربين ضريبيا.. لتحقيق هدف جوهري يتمثل في زيادة حصائل الخزانة الحكومية.. إلا أن المسألة أوسع وأعمق من ذلك بكثير.

إنها قضية الارتباط بين المال الحرام غير المشروع وبين نشاط الجريمة المنظمة الذي تمارسه عصابات المافيا وخاصة في مجال تهريب المخدرات والقطع الأثرية دون أن تتورع عن التعاون مع عصابات تهريب الأسلحة غير المشروعة التي تؤدي ـ كما قد نتوقع - إلى إذكاء لهيب النزاعات العشائرية والصراعات الإثنية والحروب الإقليمية، فضلا عن ظاهرة الإرهاب التي استغلها أعداء العرب والمسلمين لتشويه صورة العروبة والإسلام، في طول العالم وعرضه.

ثلاثة أنشطة

في نفس السياق يشير الأستاذان «رايموند بيكر» و»ايفا جولي» إلى أن هذا التعامل غير المشروع في مصادر المال الحرام إنما يتوّلد من خلال أنشطة رئيسية ثلاثة هي:

(1) الرشوة المقدمة إلى العناصر المتنفذة في هذه الدولة أو تلك، وهي طبعا أسلوب يفضي إلى خراب الذمم من ناحية، فيما يمثل عدوانا صارخا وخبيثا على منظومة القيم الأخلاقية من ناحية أخرى، هذا فضلا عن جريمة الاختلاس الصريح لأموال الشعب.

(2) أنشطة عصابات الجريمة المنظمة وهي الجريمة عبر الوطنية أو العابرة للحدود حسب ما يذهب إليه مصطلح الأمم المتحدة، وقد تُحمل على ما ينصرف إليه الذهن الشعبي شعار المافيا والسلوك المافيوزي، وبعد أن أصبح لفظ المافيا غير مقتصر على عصابات الجريمة المنظمة التي استمدت أصلها تاريخيا من عناصر الإجرام في جزيرة صقلية الإيطالية ثم استشرى نشاطها وذاع صيتها على مدار الربع الثاني من القرن العشرين، خاصة وقد كرست شهرتها أفلام هوليوود وأقلام صحافة الإثارة الصفراء في الغرب الأوروبي بشكل عام. وكم كتبت وصورت عن شخصيات من قبيل آل كابوني أو دالنغر وأضرابهما. لقد تحولت الأمور..

ربما منذ انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي إلى حيث نجمت أنشطة مافيوزية كما قد نسميها في روسيا ؟ التسعينات بالذات. وفي هذا تقول سطور من الدراسة التي نحيل إليها ما يلي: لقد شهدت روسيا (عقب الانهيار السوفييتي) ما يمكن وصفه بأنه أكبر سرقة على الاطلاق للموارد حدثت في أقصر فترة من الزمن، وتراوح حجم المسروق بين 200 مليار إلى 500 مليار دولار منذ أوائل عقد التسعينات.

(3) وأخيرا هناك التدليس والتزييف والتلاعب في دفاتر الحسابات.. طبخ الدفاتر كما يسمى بلغة السوق، وخاصة ما يتعلق باصطناع أرقام وإحصاءات وبيانات تجافي الحقيقة بالنسبة للصفقات المليارية التي تتم في بقاع شتى من العالم.

في كل حال.. تقول منظمة التجارة العالمية ان الحجم الكلي لتجارة العالم من السلع والخدمات بلغ ؟ كما ألمحنا ؟ ما يقارب 40 تريليون دولار قبل وقوع الأزمة العالمية.. لكن هناك نحو 2 تريليون ضمن هذا المجموع من الأموال الحرام التي يتم تداولها بشكل غير مشروع سواء جاءت نتيجة تحريكها من أقطارها الأصلية أو استخدموها لدفع الرشاوى التي دخلت جيوب وخزائن بارونات الفساد من أصحاب الحظوة والنفوذ..

ثم يتساءلون بعد هذا.. عن الأسباب التي أفضت إلى وقوع أزمة اقتصادية ما برحت تقطع الطريق على آمال الشعوب في حياة تكفل الكرامة للبشر ولو عند الحد الأدنى.

محمد الخولي