تعد ظاهرة أطفال الشوارع في اليمن من الظواهر السلبية الأخذة في التزايد والانتشار خاصة خلال العقدين الأخيرين اللذين شهد فيهما اليمن تحولات ومتغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة هزت في بعض جوانبها الاستقرار الاقتصادي والمعيشي لكثير من سكان الريف اليمني وأفرزت اختلالات اجتماعية أدت إلى استفحال هذه الظاهرة وتحولها إلى مشكلة حقيقية باتت الكثير من الهيئات الإنسانية والحقوقية تثيرها من حين إلى أخر.

وتتباين التقديرات لحجم وعدد أطفال الشوارع نتيجة لغياب معطيات إحصائية رسمية من جهة ولصعوبة تحديد مفهوم دقيق لأطفال الشوارع حيث يعرف المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في اليمن أطفال الشوارع: بأنهم (الأطفال الذين يعيشون على التسول والقيام بالأعمال المهشمة والمتشردين أو المحرومين من الرعاية الأسرية) وهذا مفهوم فضفاض يتسع ويضيق حسب تحديد من يمكن إدراجهم ضمن الفئة مما يقود إلى نتائج متباينة لا تقدم إجابات شافية بشان حجم المشكلة وأبعادها.

ففي دراسة مسحية لليونيسيف العام 2000م قدر عدد أطفال الشوارع في مدينة صنعاء وحدها ب789 .28 طفلاً تتراوح أعمار معظمهم بين 12 ـ 14 عاماً وغالبيتهم من الذكور بواقع (78% ـ 96) للفئتين العمريتين.

فيما ذهبت دراسة أخرى أعدتها شبكة الأخبار الإنسانية التابعة للأمم المتحدة (ارين) عام 2007 إلى أن عددهم في العاصمة اليمنية صنعاء يتراوح مابين 13 إلى 15 ألف طفل.

وتلتقي كل الدراسات التي تصدت لرصد وتقييم هذه الظاهرة على أن هؤلاء الأطفال يتعرضون إلى الاستغلال الجنسي والجسدي بنسبة تتراوح مابين 80 إلى 90 % مما يطرح تحديات كبيرة على هذه الفئة وعلى المجتمع في آن واحد.

وأرجع الدكتور عبدالسلام أحمد الدار الأستاذ المساعد بقسم علم الاجتماع جامعة تعز تفاقم هذه المشكلة في اليمن في حديثه ل« البيان» إلى عوامل عدة أجملها في: زيادة نسبة الفقر بين السكان والتي تصل إلى 78 .34% وهي في الريف 09 .40% مقابل 7 .20% في الحضر، ارتفاع نسبة البطالة بين السكان والتي تقدر بحسب الإحصائيات الرسمية بحوالي 16%.

وهناك من يرى أنها أعلى من هذا النسبة بكثير، التفكك الأسري والذي هو في الأساس نتيجة للسببين الأول والثاني بالإضافة إلى عدة أسباب أخرى أسهمت بشكل مباشر وغير مباشر في الوهن الأسري الذي أصاب عدد كبير من الأسر اليمنية على مستوى الريف والحضر، تدهور الإدارة المدرسية وعدم قيام أفرادها بواجبهم التربوي والتعليمي مما يتسبب في تسرب عدد كبير من الأطفال خارج المدرسة.

والارتماء في أحضان أصدقاء السوء ممن يشجعونهم في الهروب من المدرسة ورسم الصورة الإيجابية للأطفال خارج المدرسة،الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة نتيجة لعدم توفر الخدمات وفرص العمل فيها أسهمت في هجرة عدد كبير من الأطفال ممن تقل أعمارهم عن 15 سنة إلى المدن الرئيسية المجاورة لقراهم مما يتسبب في زيادة انتشار هذه الظاهرة في اليمن.

الدار إلى أن ما يزيد عن 30000 طفل يفترشون ليلاً شوارع المدن الرئيسية بدلاً من المنازل التي تأويهم وتحميهم يتعرضون للعنف والمعانات النفسية والجسمية بالإضافة إلى انتشار عدد من الأمراض بينهم، وكذا تعرضهم إلى التحرش والاستغلال الجنسي خلال فترة تواجدهم في تلك الشوارع.إلى جانب الاستغلال الذي يتعرضون له من قبل البعض في جعلهم يمارسون بعض الأعمال الشاقة التي لا تتناسب مع أعمارهم وبنيتهم الجسمية والعقلية حيث يفرض على البعض من هؤلاء الأطفال الاتجار بالممنوعات وتعلم السرقة وغيرها.

وأمام هذه الظاهرة الأخذة في التزايد بدأت بعض هيئات ومنظمات المجتمع المدني بالتعاون مع المنظمات والهيئات الأممية الناشطة في هذا المجال ومع البلدان المانحة إنشاء عدد من الملاجئ والإصلاحيات في كل من صنعاء، عدن، تعز، لحج من أجل تأهيل هذه الفئة من الأطفال وفي معرض تقيمه للمرد ودية المحققة من نشاط هذا القطاع يرى عبدالسلام الدار كواحد من الباحثين الذين اشتغلوا على دراسة هذه المشكلة يقول: على الرغم من أن هذه الهيئات أثمرت إنشاء عدد من مراكز الأمومة والطفولة الآمنة في عدد المدن الرئيسة لاستقبال مثل هؤلاء الأطفال والتعرف على مشكلاتهم والعمل على معالجتها ثم إعادة دمجهم مع أسرهم من جديد، إلا أنها غير كافية ولا تفي بالغرض كون هذه المراكز تتركز في عدد المدن.

بالإضافة إلى أنها غير قادرة على تلبية الطلب الاجتماعي المتزايد عليها. ويخلص الدار في هذا السياق إلى القول: « مثل هذه المشكلة لا يتم حلها من قبل جماعة معينة أو منظمة بحد ذاتها.

صنعاء ـ عبدالكريم سلام