عندما تأهبت ليبيا للانفتاح على العالم، فتحت ذراعيها للأشقاء والغرباء للإسهام في مشاريع التنمية الضخمة وفق صفقات بمئات المليارات من الدولارات مع استقطابها لشركات عالمية لانجاز تلك المشاريع والاستفادة من الأيدي العاملة المتوافرة لدى الجماهيرية، والتي بالرغم من وجود ستة ملايين نسمة هم عدد سكانها، إلا أنها تضم في مدنها المختلفة أكثر من مليوني ونصف المليون وافد من العرب والأفارقة والآسيويين وغيرهم من الأجانب من شتى دول العالم.
وليبيا في ظل الانفتاح خلال العامين الماضيين بدأت تتأثر من تلك العمالة التي أصبحت تجلب عليها مشاكل عديدة أقلها التسول والسرقة من قبل الأطفال، وبعضهم يمتهن المهن الهامشية مثل بيع الورود وعلب المناديل وغيرها لاستدرار عطف المارة، رغم ملاحقة رجال الأمن العام والحرس البلدي لهم.
وقد فطنت الدولة إليها بعد فوات الأوان ومن خلال دراسة في طرابلس أظهرتها اللجنة الشعبية العامة «رئاسة الحكومة» تبين إن أولئك الأطفال من أبناء الأسر الأفريقية والأجانب والعرب المتواجدين في ليبيا بطريقة غير شرعية، أي إن تلك الأسر متواجدة في ليبيا وليس لها المقدرة على العمل ولا تأمين تكلفة السكن في ظل المتغيرات على الساحة الليبية من ارتفاع في تكاليف المعيشة.
وانه لابد أن تتولى عائلات الأطفال العرب والأفارقة والأجانب في ليبيا القيام بدفع أكثر من 1000 دينار مصاريف التعليم للمدارس. ما حدا بالعديد من تلك الأسر لتسريح أولادهم في الشوارع للاسترزاق .
وأصبحت تلك الظاهرة تؤرق الليبيين أينما ذهبوا.. لكن هل هناك من يضمن عدم وجود أطفال ليبيين بينهم ولو عن طريق التقليد خاصة وتلك المهن تتيح سهولة جلب الأموال للأسر والأطفال.
مشكلة عالمية
يؤكد الدكتور رشيد الشويخ الإعلامي والخبير الاجتماعي في وزارة الشئون الاجتماعية الليبية إن ظاهرة أطفال الشوارع موجودة في ليبيا مثلها مثل باقي دول العالم. لكن الأطفال في شوارع الجماهيرية، ليسوا ليبيين لان حسب التشريع في الدولة فان الطفل الليبي في التعليم المرحلة الأساسية حتى الصف الثالث الإعدادي إجباريا في المدارس.
كما أن ليبيا باعتبارها ارض كل العرب والأفارقة فتحت علينا ظاهرة لم تكن متواجدة من قبل وتواجد هؤلاء الأسر والعائلات بدون عمل ومن اجل تأمين المأكل والملبس وغيره من متطلبات الحياة اليومية أطرت هذه الأسر لإطلاق أولادهم في الشوارع لاستجداء حال المارة سواء أمام المساجد أو في الشوارع أو أمام المحلات الكبرى وفى إشارات المرور للتسول أو الوقوف ومعه شهادات مرضية تقول إن أباه أو أمه مريضة من اجل أن يحن عليه أهل الخير باعتباره من الأطفال.
ومن عدم وجود هذه الظاهرة لدى الشعب الليبي لان كل إنسان في ليبيا يقع تحت مظلة التكافل الاجتماعي مهما كان منصبه فإذا كان لا يستطيع اكتساب رزقه ورزق أسرته من خلال عمل كريم فان الضمان الاجتماعي يكفل من خلال راتب شهري يؤمن له ولأسرته حياة كريمة ثم إن الأطفال في ليبيا ممنوع بالتشريع عملهم وليبيا من أول الدول التي وقعت على اتفاقية حماية الأطفال ورعايتهم .
ويضيف الدكتور رشيد الشويخ ..انه من خلال من يتواجدون في الشارع أنها ظاهرة مقلقة لأنهم قنبلة موقوتة في المجتمع الليبي وخطيرة وكان لابد من التصدي لها سواء من قبل أمانة الشئون الاجتماعية والأمن العام للقضاء على تلك الظاهرة غير الحضارية والمعالجة أسبابها بطريقة حضارية وبالمتابعة والتحري.
اتضح إن هؤلاء من أفارقة بنسبة 40% وأكثر من 20 من الأطفال المصريين ومن عرب متواجدين والباقي من جنسيات أخرى من سودانيين ومغاربة وأسيويين وتصل العمالة غير المنظمة 5 .2 مليون.
وهذه العمالة غير المنظمة والكثير منهم مع أسرهم ولابد أن يعيشوا في ظل الأوضاع ومن خلال الدراسات الميدانية والاستبيانات التي أجريت على هؤلاء الأطفال من خلال الحملات التي قامت بها السلطات المختصة في ليبيا لمحاربة هذه الظاهرة المقلقة اتضح أن أسبابها.
حيث بينت أن الفقر وارتفاع عدد أفراد الأسر وضعف التعليم وغياب الدور المؤثر للأب في الأسرة وافتراق الأسرة بسبب الطلاق وترك الأب لأسرته والعودة إلى بلاده الأصلية تمثل الأسباب الرئيسية لانتشار الباعة والمتسولين من الأطفال في الشوارع.
التسرب من المدارس
وقد وجدت الدراسة أن عددا لا يستهان به من الأطفال لا تتجاوز أعمارهم السنوات التسع أي في سن الدراسة. وما يحزن القلب مشاهدة بعضهم في الفترة الصباحية أي في وقت يفترض أن يكونوا خلاله مع أقرانهم داخل المدرسة. والظاهرة لابد من دراستها ووضع حلول لها من قبل الجهات المختصة المهتمة برعاية الطفولة فقد انتهكت براء تهم وهم معرضون لمخاطر صحية ونفسية واجتماعية كثيرة.
فمن الناحية النفسية والانفعالية هذه الفئة عادة ما تكون مصابه بالقلق إلى جانب الحقد على المجتمع والعصبية و الحرمان من أبسط حقوقهم مثل اللعب، مع شعورهم بعدم الأمان والظلم. ومن الناحية الجسدية فهؤلاء الأطفال معرضون لحوادث السيارات أو الأمراض الصدرية والتحرشات الجنسية أو حتى تعلم عادات سيئة.
كما أنهم للأسف الشديد يتعرضون لسخرية واستغلال بعض ضعفاء النفوس من المارة.
و ويلاحظ عليهم أيضا مشكلات سلوكية أخرى كالكذب والسرقة والتحايل لعدم توفر الرقابة الأسرية، و يتدنى لديهم مستوى الطموح لينحصر في توفير لقمة العيش. وتأثير هذه الفئة خطير على المجتمع لشعورهم بالحرمان والنقص ما يدفعهم مستقبلاً إلى الانتقام من هذا المجتمع الذي خذلهم، لأنهم بحاجة إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي والجسدي.
كما أن المكوث الطويل بالشارع يؤدي إلى عدم التوازن النفسي والعاطفي لديهم ، فالشارع يغرس فيهم الميل إلى العنف إضافة إلى الشعور بالغبن والظلم الذي يولد الرغبة في الانتقام، أما من الناحية الاجتماعية فإنه يجد نفسه متشبعاً بقيم فرضها عليه الشارع ما يؤدي إلى ظهور مجتمع تميزه ثقافة فرعية هي ثقافة وقيم الشارع. و الثقافة والقيم التي يكتسبونها تضيف إلى أسرهم هما إلى هم .وهي تعاني أصلا من مشاكل متعددة.
فالأطفال في مثل هذا العمر يتشربون سلوكياتهم وقيمهم من البيئة المحيطة بهم الأمر الذي يشكل خطورة على مستقبلهم إذا ما استمدوا تلك الاتجاهات والقيم من الكبار والمنحرفين.
ما يجعل الأطفال قنابل موقوتة تهدد أمن المجتمع واستقراره.
أما علي احمد سالم مدير مكتب الإعلام في وزارة الشئون الاجتماعية فيقول إن أمانة الشئون الاجتماعية يقع على عاتقها الاهتمام بالشريحة المهمة في المجتمع الليبي وهم الأطفال وعبر دراسة مستفيضة للوزارة بحثا عن حل لظاهرة التسول المتواجدة في الشوارع الليبية من قبل الأطفال وتم تشكيل فريق متكامل من الوزارة بالتعاون مع أمانة الأمن العام بغرض وضع دراسة متكاملة بشأن التسول في الطرق والميادين العامة.
وقد التقت اللجنة الأطفال المتواجدين في الشوارع بمعظم المدن الليبية الرئيسية واستجوابهم حول الظروف التي جعلتهم يمتهنون تلك المهن على مختلف جنسياتهم التي اتضح أنهم عرب وأفارقة بنسبة 100 % ومن خلال تلك النتائج والدراسة ثبت إن تلك الشريحة تمثل خطرا على امن المجتمع.
وأشار علي سالم إن المجتمع الليبي خال تماما من ظاهرة أطفال الشوارع فتعداد سكانها قليل، ودخل الفرد مرتفع و هناك رعاية وكفالة اجتماعية بالإضافة إلى برنامج توزيع الثروة التي قامت به الدولة على الناس بالتساوي و تبلغ خمسة آلاف دينار للأسرة الليبية، بالإضافة إلى حافظة استثمارات تقدر بنحو 30 ألف دينار لكل أسرة، والتي تدر دخلا شهريا لأي عائلة بنحو 500 دينار.
كما كلفت الدولة المحتاج من خلال صندوق التكافل والرعاية الاجتماعية لليبيي وأسرته، لتوفير حياة معيشية كريمة.
والتعليم إلزامي للطفل الليبي حتى المرحلة الأساسية «الثالث إعدادى». عليه ومن خلال الاستبيان اتضح إن جميع الحالات لعرب وأفارقة وأجانب آخرين، وبينهم نسبة اقل من ثلاثة أطفال من كل مائة طفل من الليبيين ذلك بسبب تقليد الأجانب. وأضاف إن السبب الرئيسي يتمثل في عدم تنظيم العمالة الوافدة حيث توجد أكثر من نصف مليون أسرة وافدة ، ليس لها عمل ويمتهن أطفالها مهنا مثل التسول.
طرابلس ـ سعيد فرحات
