تجلس امرأة على ناصية الشارع، واضعة منديلا أمامها، وغطاء رأس طويل، حجب وجهها، وطفل راقد في حجرها. هي ربما تستخدم الطفل لحاجة حقيقية وجوع تعاني منه، وربما هو طفل مستأجر، تستخدمه «كوسيلة توضيح» لإدرار مشاعر المارة.. ولكن في الحالتين سيكون المتضرر الوحيد هو الطفل.

وليس بعيدا عنها، كان هناك 5 أطفال تحلقوا حول امرأة شابة، تخفي وجهها بلباس وعباءة سوداء، وتحمل في يدها حقيبة جلد سوداء. الشابة مدّت قدميها حتى منتصف الرصيف، فظهر حذاء «كعب عال» مغبر ومهتر.

يفترض أن من حول الشابة من أطفال هم أبناؤها، وأنها وفق مناشداتها للمارة أرملة. وليس بعيدا عنها هناك إشارة مرور. الإشارة مزدحمة بالسيارات والأطفال أيضا الذين تتراوح أعمارهم بين (6-15) سنة، وجميعهم يريدون مسح زجاج السيارات ليهبهم أصحابها شيئا من المال.

السيدة وطفلها، والشابة والأطفال الخمسة، وأطفال الإشارة المرورية جميعهم في مربع لا يتجاوز الكيلو المتر الواحد، وفيه لن يتمكن لا السائر على قدميه، ولا الذي يركب سيارة الانفكاك من حضورهم. وكل ذلك على عين وسمع مفتشي وزارة التنمية الاجتماعية. فالمسألة «وفق الخبراء» باتت اكبر من مفتشين ليس مهمتهم مطاردة المتسولين طوال الوقت.

يقول الدكتور الخبير في القضايا التنموية أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي: «في الوقت الذي تطورت فيه أدوات الدولة لمحاربة الظاهرة، تطورت بالتزامن مع ذلك، أدوات المتسولين حتى بات يجمعهم في بعض المناطق حلقة مؤسسية معقدة التشعب». اليوم ستجدهم على الإشارات الضوئية، وأمام المراكز والتجمعات التجارية الكبيرة، وفي مواقف المواصلات العامة، والشوارع الرئيسية.. و في كل مكان.

وعلى معظم الإشارات الضوئية.، وتحديدا في تقاطع المقاهي، كان يطوف الطفل ياسر «12 سنة»، جاء راكضا لطلب المساعدة المالية وعلى وجهه ابتسامة عريضة من دون أن يبدي كلمة واحدة. قلت لياسر على ما يبدو أن السوق اليوم «ضعيف» فنفى ذلك. ودون أن يكف عن الابتسام أخرج مجموعة من الدنانير من جيبه. كانت الساعة وقتها حوالي الثالثة عصرا، فقلت له: لماذا لا تكتفي «بالغلة» وتعود إلى البيت بدنانيرك؟

فأجاب وهو يزيل ما علق على شعره من غبار: «بكير بلكي طلعتّ كمان دينار». في هذه الأثناء يسمع ياسر أحد الأطفال وهو ينادي عليه وعلى غيره من زملائه المتسولين: «الناس هناك أكثر».