في هذه الحلقة يلمح المؤلف إلى اختلاف الأساليب التي اتبعها رؤساء أميركا في إدارة قضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، ويمهد لمرحلة الرئيس ريتشارد نيكسون التي يعدها من محاور البحث في الكتاب.. بإشارة إلى تقليد سابق اتبعه سلفه الرئيس لينيندون جونسون بترتيب لقاء الغداء كل ثلاثاء لبحث الشؤون الخارجية.
وبعدها يركز الكتاب على إصرار الرئيس نيكسون على إدارة السياسة الدولية من مكتبه وبواسطة أقرب معاونيه في البيت الأبيض.. وهو ما أدى إلى تهميش دور وزارة الخارجية في تجهيز وصنع القرارات الاستراتيجية في هذا الميدان.. فيما أدى أيضا إلى صعود نجم مستشاره للأمن القومي والأستاذ السابق في هارفارد هنري كيسنجر الذي صار وزير للخارجية وأشهر من شغل المنصب في الثلث الأخير من القرن العشرين صحيح هو القول بأن أميركا بلد مؤسسات.. ومن ثم فإن السياسة الخارجية لواشنطن تخضع للقرار الصادر عن مؤسسات من قبيل مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية يضاف إليهما في أحيان كثيرة كل من دوائر البنتاغون العسكرية ودوائر الاستخبارات المركزية.
لكن الغلو في ترديد مكانة المؤسسات يفضي إلى أخطاء شتى في البحث والتحليل.. هذه المبالغة توصّل إلى القول بأن قرار رئيس الدولة ما هو إلا نتاج أو محصلة أخيرة لما تقوم به تلك المؤسسات وأنه من ثم مجرد مسؤول عن التوقيع بالموافقة أو الرفض. والحقيقة التي يعرفها متابعو الشأن الأميركي، وقد أكدتها سطور الفصل الثاني من هذا الكتاب هي، أنه مع كامل الاحترام لحكاية المؤسسات، فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة وخاصة من حيث ارتباطها بمحور الأمن القومي تتأثر وتتغير حسب شخصية هذا الرئيس أو ذاك، وأن رئيس البيت الأبيض ليس مجرد منسق بين الأطراف ولكنه طرف فاعل ومحور جوهري في صنع القرار. ويدلل المؤلف على ما نذهب إليه حين يوضح أن الرئيس ترومان كان حازما في صنع القرار.. على خلاف سابقه روزفلت الذي كان يفضل تأجيل اتخاذ القرارات وعلى عكس أيزنهاور الذي جاء بعد ترومان وقد اختار أن يسير وفق نهجين يقضي أولهما بالتركيز على أهمية مجلس الأمن القومي داخل القصر الرئاسي، فيما يقضي النهج الآخر بتفويض مزيد من السلطات لمساعدي الرئيس.
حيوية كيندي ... وعندما أصبح جون كيندي رئيسا شابا ومثقفا ..كان ذلك مع مطلع ستينات القرن الماضي، تضاءلت أمام حيويته أحجام المؤسسات وجمع في يديه مقاليد السلطة في مجال السياسة الخارجية لدرجة أن مجلس الأمن القومي لم يجتمع خلال الأشهر الستة الأولى من ولاية كيندي سوى 16 مرة لا أكثر رغم أن تلك الفترة كانت حافلة بأحداث جسام وخاصة من حيث العلاقات الملتهبة في مياه البحر الكاريبي بين إدارة كيندي في واشنطن وثورة كاسترو في كوبا. أكثر من هذا.. فعندما فشلت عملية الغزو الأميركي لكوبا المشهورة باسم «خليج الخنازير» كان من رأي الرئيس كيندي أن السبب هو المبالغة في الاعتماد على مؤسسات شتى تَوزَّع بينها القرار السياسي وتفرقت بذلك أسباب المسؤولية.. وبلغ هذا الاتجاه الحد الذي ترددت فيه مقولة المؤرخ آرثر شلزنجر: أول درس تتعلمه هو أن لا تعتمد على الخبراء (!) وربما كان المؤرخ الأميركي يستعيد بذلك عبارة سياسي فرنسي قديم هو كليمنصو حين قال: الحرب شيء خطير.. أخطر من أن نترك إدارتها بيد الجنرالات (!)
وبديهي إن كانت مثل هذه العبارات لا تقصد التهوين من أهل الخبرة وذوي الاختصاص.. بل كانت تطالب بالابتكار وعدم الركون إلى التقاليد المعتادة يستوي في ذلك قضايا الحرب أو السلام.
في هذا السياق يشير الكتاب إلى مطالبة جورج ماكبندي وكان من أقرب مستشاري الرئيس كيندي بضخ دماء جديدة في شرايين وزارة الخارجية.. وبالتحديد وضع رجال يثق فيهم رئيس الدولة لكي يتولوا إدارة سياسة أميركا في العالم الخارجي ومن مقاييس وأساليب غير مسبوقة.
من هذه الأساليب مثلا ابتداع أسلوب أصبح معروفا في مضمار السياسة والعلاقات الدولية بالعبارة الشهيرة التالية: القنوات الخلفية
القنوات الخلفية
ومعروف بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط أن هذه القناة.. أو القنوات الخلفية أكد عليها هنري كيسنجر في مباحثاته الشهيرة مع أركان النظام المصري بعد انتهاء حرب أكتوبر ,1973. وكان كيسنجر يقصد بها التهرب أو التملص من مؤسسات الدولة المصرية لحساب التواصل المباشر مع الرئيس الراحل أنور السادات.
بيد أن القناة الخلفية الرائدة في مجال العمل الدبلوماسي الأميركي كانت تلك التي أنشأها البيت الأبيض من خلال اتصال مباشر في كواليس واشنطن بين روبرت كيندي شقيق رئيس الدولة وبين أناتولي دوبرنين سفير الاتحاد السوفييتي وقتها في العاصمة الأميركية.
وكان المقصد هنا هو إيجاد همزة وصل غير معلنة بين أكبر دولتين في عالم الحرب الباردة بعيدا عن التيار العريض، والمعلن لمشهد العلاقات الدولية في عالم الستينات (والمعروف بالطبع أن أفضت حكاية القنوات الخلفية إلى ابتداع وسيلة الخط الساخن وهو الهاتف الذي كان بمثابة خط مباشر بين رئيسي الدولتين الأميركية والسوفيتية). ولم يكن العالم قد شهد بداهة وسيلة الهاتف المحمول ولا البريد الإلكتروني ولا اتصالات الأقمار الاصطناعية.
مع ذلك يحترس مؤلف كتابنا ليوضح أن هذه القناة الخلفية والسرية بحكم التعريف كانت معلومة أيضا لعدد محدود للغاية من أركان نظام الرئيس جون كيندي وفي مقدمتهم روبرت ماكنمارا وزير الدفاع وراسك وزير الخارجية.
ولعل أشهر القنوات الخلفية أو هي الاتصالات الجانبية التي تتم في كواليس السياسة هي تلك التي أنشأتها إدارة ريتشارد نيكسون في مطالع السبعينات مع جمهورية الصين الشعبية واقتضت غلالاً من السرية أقرب ما تكون إلى مغامرات جيمس بوند السينمائية وكان بطلها في الحركة هو كيسنجر.
وعندما نضجت الأمور أعلن الطرفان نتائجها بإذاعة نبأ اعتزام الرئيس الأميركي زيارة الصين ولقاء زعيمها التاريخي ماوتسي تونغ الذي شاء أن يعلن صياغته لخبر الزيارة بعد مقاطعة أميركية دامت أكثر من 20 عاما ويومها قال الزعيم ماو: كل ما في الأمر أن ضيفا جاء من أميركا يطرق باب سور الصين العظيم.. وقد فتحنا له الباب و... دخل.
غداء الثلاثاء
ثم يتابع كتابنا تطور الأمور بعد اغتيال كيندي بكل جاذبيته الكاريزمية في نوفمبر 1963 وتولى نائبه ليندون جونسون رئاسة الدولة دون أن يهتم في قليل أو كثير بقضايا السياسة الخارجية.
صحيح أن جونسون حاول أن يرفع رأسه بعيدا عن تركيزه على السياسة المحلية التي لم يكن يجيد غيرها، إلا أن حقبته افتقدت كثيرا المبادرات الخلاقة في مضمار العلاقات بين الدول. وما لبث الأمر أن استقر خلال رئاسة جونسون في منتصف الستينات على اتباع صيغة جديدة لإدارة دفة الشأن الخارجي. وحملت الصيغة العنوان التالي: غداء الثلاثاء في البيت الأبيض.
بدأت هذه «الغداءات» واهنة.. غير منتظمة لكنها ما لبثت أن أصبحت جوهرية من حيث أهميتها ولاسيما مع وطيس حمأة الحرب ؟ والتحديد ورطة أميركا من حيث السمعة والجهد العسكري في مستنقع فيتنام.
من هنا يحكي كتابنا عن انعقاد 150 من مناسبات غداء الثلاثاء المذكورة على امتداد الولاية الواحدة التي نالها ليندون جونسون. وهذه «الغداءات» كان يحرص الرئيس شخصيا على المشاركة فيها حيث كانت تحتدم المناقشات مع أركان نظامه. ورغم أنهم كانوا يعدون أجندة مسبقة للاجتماع..
ومشفوعة بأهم القرارات الإستراتيجية المطلوب اتخاذها، إلا أن اجتماعات الغداء إياها ما لبثت أن شهدت، كما تشير محاضر وقائعها، مناقشات أكثر من صريحة وملاحظات حادة وقاطعة.. ويرجع الفضل في ذلك إلى ما وصفه «والت روستو» أستاذ العلوم السياسية الشهير وكان مستشاراً للرئيس جونسون لشئون الأمن القومي..
حين قال (ص 35): اجتماعات غداء الثلاثاء كانت ميزتها الأساسية تتمثل في الجو غير الرسمي الذي كان يسودها وهذه الروح غير الرسمية شجعت المشاركين على اتباع نمط غير اعتيادي من الصراحة (مع رئيس الدولة بطبيعة الحال) وفي هذا الإطار كانت الاجتماعات تشهد مصادمات وأحيانا آراء غير معتادة يبديها أصحابها بعيدا عن مقتضيات الحذر المعهود في أوساط البيروقراطيين.
عند هذه النغمة التي أوصلتنا كقارئين إلى عقد السبعينات.. يدير المؤلف الفصل الثالث من الكتاب حول شخصية رئيس أميركي يحمل الفصل اسمه.. ويبدو من ثنايا السطور والعبارات أن المؤلف يكنّ له قدرا لا يخفى من الإعجاب: ريتشارد نيكسون
نبادر فنقول أن هناك شخصية أخرى تشارك نيكسون هذا القدر من إعجاب المؤلف.. وهذه الشخصية هي: هنري كيسنجر
حدث في الطابق 39
ليس صدفة إذن أن يفتتح مسرح أحداث هذا الفصل الثالث على مشهد مقابلة تمت في فندق «بيير أوتيل» العريق المطل على حديقة السنترال بارك المترامية الأطراف عند نقطة التقائها مع الطريق الخامس «فيفث أفينيو» أشهر شارع بضاحية مانهاتن في قلب نيويورك.
يتابع المؤلف هذا اللقاء الذي تم في الطابق التاسع والثلاثين من الفندق الأنيق.. كان اللقاء بين ريتشارد نيكسون الذي فاز لتوّه برئاسة أميركا وبين أكاديمي كان أستاذا لعلم السياسة في جامعة هارفارد اسمه هنري كيسنجر قرر نيكسون أن يختاره مستشارا للأمن القومي ضمن إدارته التي كانت يومها في طور التشكيل
يوضح المؤلف أن نيكسون سبق وأن قرأ كتابات كيسنجر وأدرك بعدها بحق كما يضيف المؤلف مدى اتفاق الرأي بين الرجلين..
وقد أصغى كيسنجر مليا إلى ما يقوله رئيسه الجديد.. بل سجل على أوراق أجندته الصفراء ملاحظة تقول بما يلي. « يرى الرئيس ضرورة التقليل في المرحلة المقبلة من نفوذ مؤسسة وزارة الخارجية».
بعدها كتب نيكسون نفسه موضحا أبعاد أسلوبه الجديد في إدارة السياسة الخارجية فقال: منذ اللحظات الأولى لرئاستي الجديدة.. قررت أن أدير دفة السياسة الخارجية من البيت الأبيض وهذا هو بالضبط ما كان يريده كيسنجر الذي بادر من جانبه إلى إعداد مذكرة اقترح فيها إلغاء هيئة كانت تضم أركان وزارة الخارجية ومديري إداراتها وتتولى إعداد التخطيط للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
في الاطار نفسه أكد الرئيس الجديد أهمية أن لا يقتصروا على عرض المشاكل أمامه لكن على مساعديه أن يطرحوا على رئيس الدولة عددا من الخيارات التي يتداول أمرها ويستقر على خيار منها.
وفي هذا ينقل الكتاب عن نيكسون قوله: لا أتصور أن قيادة الرئيس تنحصر فقط في التصديق على توافق آراء تصل إليه الإدارات أو الوكالات (الفنية ؟ المختصة). الرئيس يتحمل المسؤولية الدستورية عن القرارات التي تشكل سياستنا.. وأنا من جانبي أرفض أن يواجهوني بحكاية توافق آراء بيروقراطي لا يترك أمامي من خيارات سوى أن أقبل أو أرفض. وبهذا لا يتيح لي سبيلا كي أعرف البدائل الأخرى المطروحة.
وفي كل حال يؤكد المؤلف أن الإصرار على تقديم خيارات متعددة أمام رئيس الدولة. كان من المحاور الأساسية في إدارة نيكسون دفة السياسة الخارجية لأميركا.. وفي هذا الصدد أيضا يلمح المؤلف إلى أن المسألة لم تكن مجرد إصرار من جانب نيكسون على الاضطلاع بكامل مسئولياته لتي يفرضها الدستور ؟
ولكن كان هناك أيضا حاسة التشكك التي ظلت تساور نيكسون إزاء كثير ممن يحيطون به من حيث ولائهم أو مقاصدهم أو كفاءتهم، الأمر الذي كان يدفعه إلى أن يكون هو في الأساس صاحب الاختيار وصانع القرار.
وبديهي أن كان هذا الاتجاه نحو تجمع مقاليد السياسة الخارجية بيد رئيس الدولة يعني نقل مراكز الثقل من وزارة الخارجية ووزيرها روجرز إلى دوائر البيت الأبيض. وبديهي أيضا أن كان كيسنجر يدفع بغير هوادة.. وبغير ضمير أيضا في هذا الاتجاه، ولدرجة أوصلت دوائر الخارجية الأميركية وقتها إلى حالة من التهميش لدرجة أن سياسيا مخضرما هو دين أتشيسون وزير الخارجية الأسبق نشر مقالا في عدد يوليو 1971 من مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز) بعنوان «غروب شمس وزارة الخارجية».
الصفحات: 351 صفحة
الناشر: دار ألفرد نوف، نيويورك، 2009
عرض ومناقشة : محمد الخولي



