تأخرت مغادرة الرئيس الأميركي باراك أوباما في أول جولة إلى آسيا يوما واحدا بهدف إتاحة المجال له لحضور الحفل التأبيني لضحايا مجزرة فورت هود. ويرمز هذا التأخير إلى التوتر الحاصل بين اثنين من الأقدار الأميركية. فالولايات المتحدة ترغب بالتواصل بصورة أوثق مع قرن آسيا.. المحيط الهادي الذي أطلقت شرارته الأولى لكن تورطها التراجيدي في العالم الإسلامي يكبحها عن القيام بذلك. وتمثل أكبر خطأ استراتيجي ارتكبته الولايات المتحدة في القرن العشرين بخلط مصير 300 مليون أميركي بمصير 3,1 مليار مسلم.
وقد فعلت ذلك بطرق عدة، ففي البداية أنشأت وأذكت نار جيش من الجهاديين لمقاتلة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان ثم وعقب انتهاء الحرب الباردة تخلت عنهم. كما تراجعت واشنطن عن سياستها الحساسة والمتوازنة بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والذي مهد الطريق لاتفاقية كامب ديفيد عام 1978، واتفاقية مدريد عام 1991، واتفاقية أوسلو عام 1993، وذلك مقابل موقف غير متوازن ومتحيز أثار حنق كثير من المسلمين الذين شعروا بالمهانة.
بالطبع يمكننا قراءة جريمة القتل المأساوي والأحمق في فورت هود على أنها تصرف مجنون أقدم عليه رجل واحد. ولكن ليس من المقبول فكريا عدم الاعتراف بأن بعض الغضب الذي أبداه هذا الرجل يعكس حنقا متزايدا في العالم الإسلامي تجاه الولايات المتحدة.
وبالطبع تعكس كثيرا من المآسي التي واجهتها أميركا في العقود الأخيرة ورطتها مع العالم الإسلامي كما في لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان. ولم تكن أي من هذه المشاكل مقدرة سابقا لكنها ناجمة عن الكبرياء والعجز. وعلى النقيض من ذلك فإن أكبر هدية استراتيجية قدمتها أميركا للعالم هي إطلاق شرارة ارتقاء وصعود آسيا وذلك من خلال مشاركتها بسخاء كبير بحكمتها وأفضل تجاربها مع ملايين الآسيويين.
إن من الخطر القيام بتبسيط التاريخ لكن لا يمكن إنكار بعض الحقائق الواضحة في هذا الشأن، ولو لم يتم اكتشاف الحلم الأميركي وابتكاره وواصلت أوروبا هيمنتها على التاريخ العالمي لما استيقظت المجتمعات الآسيوية من سباتها الذي امتد لقرون عدة، بسرعة كبيرة ويسر.
وحتى في هذه الأيام يدرس في الجامعات الأميركية سنويا نحو 90 ألف شاب هندي و 80 ألف شاب صيني فهل يبدو غريبا أن الصين والهند ظهرتا مجددا كأكبر اقتصاديات العالم؟ وهل يبدو غريبا أن أفضل الممارسات التي تستخدمها هاتان الدولتان في شركاتها الجديدة التي تتمتع بالديناميكية مستقاة من دروس منبثقة عن الجامعات الأميركية؟ هذا هو أحد الأسباب التي تعلل وجود لغة مشتركة بين رجال الأعمال الهنود والصينيين لدى التقائهم وهي اللغة الأميركية.
ولهذا السبب من المؤسف أن توجه الرئيس أوباما إلى فورت هود سبب له خسارة يوم كامل من المشاركة في قمة آسيا المحيط الهادي للتعاون الاقتصادي. وقد توافد أكثر من ألف من المديرين التنفيذيين من تلك المنطقة للاستماع إلى خطابه. وكان بإمكانه حثهم على تحقيق مستويات أعلى في بناء روابط أوثق عبر المحيط الهادي. ومع ذلك ومرة ثانية فإن مأساة ترتبط بغرب آسيا حالت دون ارتباط أميركي أكبر بشرق آسيا.
ومن المهم هنا التأكيد على أن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك فعدد لا يحصى من وزراء الخارجية الأميركيين قد قطعوا أو ألغوا في السابق اجتماعاتهم مع رابطة دول جنوب شرق آسيا نتيجة لأحداث تتعلق بالشرق الأوسط.
وكان من المقرر أن يحضر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش اجتماعات القمة مع القادة الآسيويين في مايو 2007، غير أن هذا الاجتماع تم إلغاؤه لصالح فرصة التقاط صور في بغداد في زيارة للعراق قصيرة استغرقت 24 ساعة. وعوضا عن ذلك فإن شرف عقد أول رئيس أميركي اجتماع قمة مع الآسيويين قد انتقل إلى الرئيس أوباما. وبإمكان الآسيويين القيام بدور في غاية الأهمية في خفض التوترات الأميركية بين قدريها المتضاربين.
فعدد المسلمين في المنطقة الآسيوية أكبر بكثير من عدده في العالم العربي بأكمله. ونظرا لأن ثلاث دول مهيمنة في رابطة «الآسيان» وهي بروناي وإندونيسيا وماليزيا يرتبط مصيرها بمنطقة المحيط الهادي الديناميكية، تبدو إمكانياتها ومطامحها المستقبلية أكثر إشراقا.
لقد حان الوقت للمفكرين الاستراتيجيين الأميركيين إيقاف اعتمادهم على التفكير الآني في عملهم والاحتفاظ بالوصفات السياسية وممارسات الماضي. ويتعين أن يعكس برنامج الرئيس أوباما الاستثمارات المستقبلية خاصة أنه قدم بعض الالتزامات الجريئة للمنطقة.
بقلم : كيشور محبوباني
عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة في سنغافورة
ترجمة: عمر حرز الله
