عندما تخلت روسيا عن طموحاتها في الإنضمام إلى الغرب، شرعت في إنشاء ما يسمى بمشروع كومنولث الدول المستقلة. وكان هدف هذه الجهود هو محاولة تحويل هذا الإتحاد إلى رابطة فضفاضة للجمهوريات السوفييتية السابقة، باستثناء دول البلطيق الثلاث، إلى مركز للقوة الروسية.

ولم يكن هدف روسيا استعادة الإتحاد السوفييت السابق ولكن لضمان الولاء السياسي لهذه الدول الجديدة إلى موسكو، وحصول المصالح الروسية في تلك الدول على وضع امتيازي، وهيمنة الثقافة الروسية عليها. وعقب حرب عام 2008 مع جورجيا وصف الرئيس الروسي ديمتري مدفيدف المنطقة بأنها منطقة «مصالح امتيازية» بالنسبة إلى الإتحاد الروسي.

ويبدو أن الإنتصار الروسي في الحرب الأخيرة ساهم في تعزيز الإدعاءات الروسية بأنها نجحت في تأمين مثل هذه القوة. وقد دافعت روسيا عن أوسيتيا الجنوبية، ومنعت تقدم القوات الجورجية، وأرسلت قوات أخرى لإتاحة المجال لجمهورية أبخازيا الإنفصالية في طرد القوات الجورجية من مواقعها الإستراتيجية في كودري غورج.

وفي تخلّ عن موقفها الذي اتبعته منذ أمد طويل في المحافظة على حدود ما بعد الإتحاد السوفييتي، اعترفت موسكو باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهما معقلان انسلخا عن جورجيا في مطلع تسعينات القرن الماضي.

وعلى النقيض من ذلك جعلت الحرب الجورجية الولايات المتحدة تبدو وكأنها لا صلة لها بالموضوع. ففي البداية فشلت إدارة بوش في كبح الرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي ومنعه من التصرف بصورة متهورة ضد أوسيتيا الجنوبية مما أثار أقوى الشبهات الروسية إزاء نزعات واشنطن.

كما فشلت في التقدم لنجدة تبليسي حال نشوب الحرب، مما أثار التساؤلات في أوساط حلفاء الولايات المتحدة على طول الحدود الروسية إزاء مصداقية أميركا في ضمان الأمن. وبدا رد الفعل الأوروبي كذلك غير مترابط، وفي تحرك رمزي كبير قطع حلف شمال الأطلسي الإتصالات الرسمية مع روسيا بالكامل بسبب ما وصفه الإستخدام الروسي غير المتكافئ للقوة في حين وضع خططا متنامية تتعلق بجورجيا وأوكرانيا في الموقد الخلفي محققا حلما روسيا قديما.

وكانت هناك مناقشة مسهبة بشأن فرض الدول الغربية حظر اقتصادي على الروس لكن تلك الإجراءات لم تتخذ بصورة جادة.وبعد مضي عام على ذلك تبدو الصورة أقل وردية بالنسبة للروس إذ لم تعترف أي من دول الكومنولث المستقلة الست باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وحاول رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين التقليل من أهمية ذلك بالقول إن هذا الإعتراف غير مهم وأن الأهم منه هو حماية ودعم روسيا لتلك المنطقتين.

مشيرا إلى أن العديد من زعماء الدول الأجنبية أخبروه بصورة شخصية أنهم كانوا سيعترفون بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لو كان ذلك لا يشكل حساسية دبلوماسية أو لا يؤثر على نزاعاتها العرقية. وعلى كل حال كان واضحا أن أي حليف روسي لم يكن يرغب أو يستطيع أن يرى الآخرين يعتبرونه مجرد تابع لموسكو.

بقلم: ديمتري ترينين