هذا الكتاب وصفه النقاد بأنه أقرب إلى تقرير كاشف وموثق كتبه واحد من الذين عايشوا من داخل الكواليس قصص النجاح، أو الفشل، في اتخاذ القرارات الرئاسية في البيت الأبيض في صنع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وبهذه الصفة يرى المحللون أن الكتاب يمكن أن يشكل دليل عمل جم الفائدة بالنسبة لإدارة أوباما الحالية، بل ولإدارات أخرى في المستقبل، خاصة من خلال وعي الدروس المستفادة واستيعاب ثمرة النجاح وعبرة الفشل في هذا المضمار. ويستمد الكتاب أهميته أو جاذبيته كما قد نسميها من واقع متابعته بشغف دؤوب أنماط سلوك رؤساء أميركيين معاصرين إزاء القضايا الدولية المختلفة، ما بين نجاح نيكسون في إنشاء علاقة مع الصين، وما بين تردد أو تشتت كارتر بين الأفكار والطروحات الصادرة عن مستشاريه، وما بين افتقار ريغان إلى أي اهتمام بمنطقة بالغة الحساسية مثل الشرق الأوسط، على عكس اهتمام الرئيس بوش الأب بنفس المنطقة بحكم مصالح أميركا الحيوية على صعيدها. والكتاب يتمحور أساسا حول القرار الرئاسي.. وتجهيزه وصناعته واتخاذه على نحو ما يذهب إليه ناقد النيويورك تايمز «تشيكو كاكوتاني».

يجمع مؤلف هذا الكتاب بين سنوات طويلة أمضاها في الميدان.. وبالتحديد فيما قد نصفه بأنه «المطبخ الخصوصي» لإعداد و«إنضاج» السياسة الخارجية وما يرتبط بها بالضرورة من قضايا ومشاكل الأمن القومي.. وبين قدرة على البحث والتحليل العلمي أهلته إلى أن ينخرط سنوات عديدة في العمل بمؤسسة «بروكنغز» الشهيرة. من هنا يحاول هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق ويتردد اسمه كثيرا في سطور كتابنا، أن يرسم صورة لسلوكيات مؤلفنا حين كان يشارك في حفلات الغداء أو العشاء ذات الطابع السياسي أو الدبلوماسي، فإذا به يعمد إلى تناول الطعام باليد اليسرى فيما لا ينقطع عن تدوين ملاحظاته في مفكرة صغيرة مستخدما اليد اليمنى ولدرجة أن واحدا من السفراء الأجانب المعتمدين في العاصمة الأميركية قال يوما ما معناه: إن مستر رودمان (المؤلف) لا يتورع عن تدوين كل ما يدور.. حتى الطرائف التي يحكيها وزير الخارجية.

وبمناسبة الطرائف فقد حكى كيسنجر في مقدمة الكتاب أن مؤلفه (وقد رحل عن الدنيا في صيف العام الماضي) كان يتميز بروح النقد (الماكر والخبيث) كما يضيف كيسنجر ثم يروي الحكاية التالية: كان كيسنجر وزيرا لخارجية الرئيس الأسبق نيكسون عندما نجح الاثنان في بدء علاقات جديدة بين أميركا والصين. يومها طلب كيسنجر إلى رئيس الوزراء الصيني شواين لاي بادرة حسن نية تتمثل في الإفراج عن مواطن أميركي اسمه جون داوني كان مسجونا في الصين منذ عقد الخمسينات.. وساقت أميركا في ذلك أسبابا إنسانية في مقدمتها أن يتاح للسجين رؤية والدته ولو لمرة أخيرة.

واستجاب شواين لاي للإفراج عن السجين على أساس أن والدته تعاني سكرات الموت. والمشكلة أن الوالدة لم تمت وهو ما خلق مشكلة بالنسبة لأميركا. يومها كتب مؤلفنا وكان وكيلا لوزارة الخارجية مذكرة غريبة الأطوار تتناول الخيارات المتاحة لرئيس الدولة الأميركية بالنسبة لحل هذه القضية.

أما الخيارات المتاحة أمام السيد الرئيس كما عرضتها مقدمة كيسنجر في صدر هذا الكتاب فتقول بالتالي:

(أ) أن يعتذر رئيس أميركا عن امتداد أجل والدة السجين ويقدم التسويات (أو التعويضات) اللازمة.

(ب) أن يعيد المواطن داوني لإيداعه من جديد في سجون الصين.

(ج) أن يحيل الرئيس القضية كلها إلى المخابرات المركزية للتصرف بحيث تنتهي حياة مسز داوني الأم!

يقول كيسنجر أنه بعد أن استقال نيكسون وجاء من بعده جيرالد فورد عمدت إلى «تسريب» مذكرة رودمان إياها ضمن الملفات المعروضة على الرئيس الجديد.. وعندما جاء دور المذكرة لاحظت احمرار وجه فورد ولم أعد أسمع منه سوى ترديد لفظة واحدة هي «لا» مرة ومرات!

وبالمناسبة كان كيسنجر يعرض لهذا الجانب الطريف من حياة مؤلفنا خلال كلمة التأبين التي ألقاها كيسنجر بمناسبة رحيل المؤلف عن دنيا الأحياء. بعدها يستهل كتابنا صفحاته على لسان مؤلفه موضحا أنه كان بمثابة شاهد عيان، عايش عن قرب وتفاعل بالمسؤولية مع خمس رئاسات من الحزب الجمهوري ما بين حقبة ريتشارد نيكسون مع عام 1969 إلى حقبة جورج بوش الابن التي انتهت مع الأيام الأولى من عام 2009 الحالي.

40 عاما في مطبخ السياسة

أربعون عاما من العمل في أعلى مستويات الأمن القومي والعمل الدبلوماسي والعلاقات الدولية بين البيت الأبيض ودوائر الخارجية والدفاع ومراكز البحوث. حاول مؤلف هذا الكتاب أن يستخرج من ثناياها عصارة تجربة وثمرة ملاحظات تتعلق في مجموعها في مجموعها بسلوك خمسة رؤساء أميركيين هم نيكسون، فورد، ريجان، بوش الأب، بوش الابن وأساليب تعاملهم مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

يرى المؤلف مع الصفحات الاستهلالية من الكتاب أن أكبر آفات السياسة الخارجية تلخصها كلمة واحدة هي: البيروقراطية. بمعنى التعامل مع قضايا العالم الخارجي بمنطق الموظفين الذين تستبد بهم هواجس الخشية على مناصبهم وامتيازاتهم وربما معاشاتهم التقاعدية.. هنالك تخلو الساحة من أفكار الابتكار ومحاولات التجديد.. هنالك أيضا يفتقر المسئول رقم واحد في الدولة، وهو بداهة رئيس الجمهورية، إلى النصيحة الخالصة التي قد لا تخلو من التنبيه إلى مغبة الخطأ أو عواقب الخطر ملفوفا بأدب اللياقة ودبلوماسية الاحترام للمنصب الكبير.

البيروقراطية ترادف أسلوب «موافقون» على كل ما يصدر عن الرئيس الأعلى..وقد ترى أن ليس في الإمكان إبداع مما كان ومما هو كائن ولا تكاد تعرف في قواميسها مصطلحا اسمه التغيير. من هنا يرى المؤلف أن أهم رؤساء أمريكا سواء الذين درس نهجهم (ترومان أو أيزنهاور أو كيندي منذ الخمسينات) أو الذين عمل معهم ابتداء من نيكسون إلى جورج دبليو بوش هو ذلك الرئيس الذي يجمع بين فضيلة التشاور وحسن الإصغاء وبين حزم اتخاذ القرار.

ويوضح المؤلف أيضا مع سطور الفصل الأول أن آفة البيروقراطية لا تقتصر على صغار أو حتى أواسط الموظفين.. إنها نهج في الفكر وأسلوب في السلوك تصيب حتى أعلى المؤسسات المعاونة لرئيس الدولة وفي مقدمتها مجلس الوزراء.

كيف تختار أقرب الوزراء؟

في هذا السياق ينقل كتابنا تحليلا سبق إلى إعلانه في محاضرة عامة سياسي أميركي مخضرم هو «ثيودور سورنسن» وقد عمل مستشارا خاصا للرئيس كيندي في أوائل الستينات ويشير إلى أن عضو مجلس الوزراء في أميركا.. على جلالة منصبه قد لا يتحلى بالضرورة بصفات الكفاءة أو النبوغ أو موهبة الإبداع..

ويضيف سورنسن قائلا: إن اختيار الوزير لا يرجع (في أميركا) إلى أنه حائز لثقة رئيس الدولة وحسب، هناك اعتبارات أخرى في اختيار واشنطن لوزرائها منها دواعي السياسة المحلية، وعوامل الجغرافيا (الولاية التي ينتمي إليها الوزير) والمكانة الاجتماعية ناهيك عن ضغوط جماعات المصالح المتعددة من هذا «اللوبي» أو ذاك.

وبعد الاستهلال التمهيدي لمحاور الكتاب يرسم المؤلف ما قد نصفه بأنه قاعدة تاريخية محدثة لأسلوب رؤساء أميركا المعاصرين في التعامل مع السياسة الخارجية. فعلى عكس ما هو متواتر عن هاري ترومان الذي تسلم مقاليد الرئاسة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وكان النظر إليه بوصفه أقرب إلى مدير بنك منه إلى زعيم سياسي (عاش في عصر زعامات من قبيل تشرشل أو ستالين وربما ديجول) فإن المؤلف ينصف هاري ترومان باعتبار أن ولايته شهدت بناء الطابع المؤسسي، وليس الاجتهاد الفردي في قضايا وأجهزة الأمن القومي وإدارة دفة السياسة الخارجية.

يقول مؤلف الكتاب (ص 22): كان ترومان يحب اتخاذ القرارات.. منطلقا من إحساس عميق بواجبات منصبه الرئاسي وليس بوحي من غريزة سلطته الشخصية على نحو ما كان يقول سلفه الرئيس فرانكلين روزفلت. بعدها يوضح المؤلف أن الرئيس ترومان جاء من ايزنهاورعلى امتداد عقد الخمسينات ليستقر في حقبته دور مجلس الأمن القومي كمؤسسة ثابتة ودينامية وبالغة التأثير..

وفي صنع السياسة الدولية جنبا إلى جنب مع وزارة الخارجية، في حين أن أيزنهاور كان يميل إلى حسن اختيار المعاونين ثم يعهد إليهم بالجانب الأكبر من صنع القرار.

في هذا السياق يورد كتابنا إحصائية مبسطة تقول: إن مجلس الأمن القومي على طول ولايتي الرئيس أيزنهاور عقد 366 اجتماعا وحضر رئيس الدولة 329 اجتماعا منها أي بنسبة 90 في المئة.

أزمة السويس

اندلعت أزمة السويس كما هو معروف عندما قام الزعيم العربي عبد الناصر بتأميم قناة السويس في يوليه 1956. ويقول مؤلف الكتاب: شعر أيزنهاور بعمق بأن محاولة البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين الاستيلاء بالقوة على قناة السويس كانت أمرا مرفوضا من النواحي الأخلاقية والقانونية والسياسية.

وكان يريد أن تحظى أميركا بالاحترام في الشرق الأوسط بوصفها وسيطا وصديقا للعالم العربي إذ لم تلحق بسمعتها آفة الاستعمار.

ويوضح المؤلف في هذا الصدد أن جان فوستر دالاس وزير خارجية أيزنهاور كان نزيل المستشفى يعالج من سرطان القولون ولكنه يضيف أن دالاس وشقيقه «ألن» مدير المخابرات المركزية وقتها كانا يتطلعان إلى نجاح الأطراف الثلاثة (انجلترا، فرنسا، إسرائيل) في الاستيلاء على قناة السويس قبل أن يبدأ محاولات الضغط من جانب الولايات المتحدة. وفي غمرة الأزمة أرسل ألن دالاس عن طريق مندوبه المخابراتي في لندن يبلغ الغزاة أنهم إما أن يقبلوا وقف إطلاق النار أو أن يواصلوا عملية الاجتياح (في بورسعيد).

وبعد انتهاء عملية السويس (الفاشلة كما هو معروف). جاء زعماء من بريطانيا وفرنسا يزورون دالاس وزير الخارجية في مستشفى القوات المسلحة وأحد هؤلاء الزوار هو سلوين لويد البريطاني وأذهلهم دالاس عندما بادرهم بقوله: لماذا توقفتم؟ لماذا لم تواصلوا كي تسقطوه؟ (يشير المؤلف إلى المطلوب إسقاطه كان (بالطبع) جمال عبد الناصر). ويبدو أن دالاس كان يشعر بقدر من التبرم إزاء موقف رئيسه أيزنهاور إزاء رفض العدوان الثلاثي على قناة السويس.

بيد أن الجديد هو ما يضيفه مؤلف كتابنا في نفس السياق قائلا: وربما كان من عزاء الأخوين دالاس أن يعرفا أنه بعد ذلك التاريخ بعشر سنوات صرح الرئيس أيزنهاور إلى اثنين من مجالسيه الخلصاء أنه غيّر رأيه إزاء أزمة السويس وأن موقفه منها كان أكبر غلطة سياسية ارتكبها.

مضيفا أن سياسة أميركا في عام 1956 لم تؤد إلا إلى تقوية عبد الناصر وتعزيز مكانته ليصبح قوة راديكالية (منادية بالتغيير) في الشرق الأوسط ومن ثم «إضعاف إرادة حلفائنا في المنطقة».

وفيما لاحظنا أن مؤلف الكتاب لم يصرح في سطور المتن باسم الخلصاء الذين استمعوا إلى حديث الندم من جانب أيزنهاور، فقد عمدنا من جانبنا إلى أن نتقصى بدقة سطور الهوامش التي حفل بها فصل الحواشي والتعليقات والإيضاحات في خواتيم الكتاب..

وكان أن صادفنا الحاشية رقم 28 التي أشار فيها المؤلف (ص 298) إلى جلسة خاصة جمعت بين أيزنهاور قبيل اندلاع حرب 1967 وبين كل من ريتشارد نيكسون (عمل نائبا له على مدار 8 سنوات) وأفرام هيرمان (السفير الإسرائيلي) ويومها أعرب أيزنهاور عن ندمه إزاء موقفه من رفض عدوان 56 مما أتاح لعبد الناصر مكانة باهرة في العالم العربي.

إضاءة

يمهد هنري كيسنجر لموضوع الكتاب باعتبار أن المؤلف عمل سنوات طويلة تحت رئاسة كيسنجر ويورد قصة مذكرة طريفة سبق وأعدها المؤلف وأثارت انزعاج الرئيس فورد. ويندد المؤلف بالسلوك البيروقراطي الذي يتبعه شاغلو الوظائف على اختلاف مستوياتهم حيث يعتمدون أسلوب إبقاء الحال على ما هو عليه خوفا على مواقعهم وامتيازاتهم..

ويرى أن في هذا الأسلوب ما يصادر ملكة الإبداع ويحرم رئيس الدولة (الأمريكية) من إمكانات التعامل الابتكاري مع قضايا السياسة الخارجية. ويمهد المؤلف للمقارنة بين الأساليب التي اتبعها رؤساء أمريكا المختلفون منذ حقبة ترومان في أواخر الأربعينات إلى حقبة بوش التي انتهت مع الأيام الأولى من عام 2009 الحالي.. وأخيرا تكشف الحلقة عن سر من أسرار موقف أميركا ورئيسها أيزنهاور خلال أحداث تأميم القناة والعدوان الثلاثي التي عرفت تاريخيا باسم «أزمة السويس».

المؤلف في سطور

بيتر رودمان أتيح له أن يتولى عدة مناصب في مواقع الإدارة العليا خلال رئاسات أميركية متعددة، من الحزب الجمهوري على وجه الخصوص. عمل في الأساس زميلا أقدم متخصصا في ميدان السياسة الخارجية لدى مؤسسة بروكنغز في واشنطن. وعمل أيضا مساعدا لرئيس الدولة لشؤون الأمن القومي ومساعدا خاصا لوزير الخارجية هنري كيسنجر.

حيث كان المؤلف مسؤولا في وزارة الخارجية عن التخطيط السياسي.. وبعدها تولى منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي على امتداد حقبة طويلة بين عامي 2001 و 2007.

الصفحات: 351 صفحة

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: دار ألفرد نوف، نيويورك، 2009