هناك ثلاثة ملفات يرى مؤلف هذا الكتاب ضرورة التعاون حولها بين الولايات المتحدة خاصة، والغرب عامة، وبين روسيا، وهي الملف النووي الخاص بكوريا الشمالية وإيران، وملف الأسلحة النووية من العالم. والملف الثالث يخص تسوية النزاعات الإقليمية وعلى رأسها النزاع في منطقة الشرق الأوسط.
فيما يخص الملف الأول يميل المؤلف للاعتقاد أن إيران لم تتخذ القرار السياسي لحصولها على السلاح النووي، هذا على الرغم من الغموض الذي يلف العديد من المواقف والتصريحات. كما يؤكد أن الخيار العسكري ضد إيران قد تترتب عليه نتائج أخطر من الحرب الأخيرة ضد العراق.ويتم التأكيد على ضرورة تنفيذ جميع الاتفاقيات، خاصة الأميركية الروسية المتعلقة بتقليص الأسلحة النووية الإستراتيجية منها، أو ذات المدى المتوسط والقصير. ذلك أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان حوالي 95 بالمئة من الرؤوس النووية في العالم.وبالنسبة للسلام في الشرق الأوسط. هنا أيضا يتم التأكيد على أن الطريق إلى ذلك يستدعي تضافر جهود أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي.
هل هناك احتمال أن تنسى واشنطن المصالح الحيوية للمجموعة الدولية وتسمح برجحان كفّة النزاعات الظرفية على كفّة مجموعة من القيم الإستراتيجية التي لا بد منها للمحافظة على استقرار العالم وأمنه؟
يسأل مؤلف هذا الكتاب. ثم يوضّح أنه يرى في مقدمة القيم الإستراتيجية للتعاون الروسي الأميركي ضرورة التحلّي بالإرادة لمنع انتشار السلاح الذرّي ولتقليص ترسانات الأسلحة من الصواريخ النووية ولتسوية النزاعات الإقليمية.
لقد ازدادت خطورة مشكلة انتشار السلاح النووي في منعطف نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. كوريا الشمالية أعلنت أنها تنوي إنجاز برنامج ذرّي عسكري. وإيران، دون أن تعلن ذلك، نشّطت فجأة من أعمال تخصيب اليورانيوم وزادت من إيقاع تزوّدها بالتجهيزات التكنولوجية الضرورية.
هناك اليوم 8 أعضاء في النادي النووي. خمسة بلدان تمتلك رسميا السلاح النووي، وثلاثة أخرى تمتلكه واقعيا هي الهند وباكستان وإسرائيل. وينقل بريماكوف أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون قال له عندما استقبله عام 1996 كوزير لخارجية روسيا قال له: «من الممكن أن يكون نشوب نزاع نووي بين الهند وباكستان هو التهديد الأكبر خلال القرن الحادي والعشرين».
الملف النووي الإيراني
وإسرائيل أيضا تمتلك السلاح النووي. الكثير يبررون هذا بالقول ان «الجزيرة الإسرائيلية الصغيرة» محاطة بعالم عربي مترامي الأطراف ومعاد لها. ويرى بريماكوف أن مثل التفسير ربما كان له معنى لو كان السلاح الذري في إسرائيل يشكّل وسيلة للردع ولو أن إسرائيل لم تكن في أصل جميع الحروب تقريبا في المنطقة وفي أصل العمليات العسكرية في الشرق الأوسط.
ويذكّر بريماكوف أنه إذا كان البعض يرون في الطموح الإيراني النووي تبريرا لامتلاك إسرائيل السلاح النووي، فإن هؤلاء ينسون أن إسرائيل قد امتلكت هذا السلاح في الوقت الذي كان يقيم فيه شاه إيران أفضل العلاقات مع القادة الإسرائيليين حيث كان على رأس السلطة آنذاك. وبعد أن يشير بريماكوف إلى حقيقة عداء السلطات الإيرانية الحالية لإسرائيل فإنه يرى من الصعب الحديث مع ذلك عن الصفة «الردعية» للسلاح النووي الإسرائيلي. وليس هناك سبب يدعو للاعتقاد أن إيران هي بطور الاستعداد في منظور اتخاذ مبادرة للهجوم على إسرائيل. وبنفس الوقت يمكن لواقع وجود السلاح النووي الإسرائيلي أن يشكل سببا يدفع إيران نحو تنفيذ برنامجها النووي العسكري.
ويشير بريماكوف إلى أنه بناءً على التأكيدات الإيرانية على الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي وأنها لا تزال في قائمة البلدان الموقّعة على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، وأنها لم تخرق حتى الآن بنود هذه الاتفاقية، يعتقد، رغم الغموض الذي يشوب العديد من المواقف الإيرانية، أن إيران لم تتخذ بعد القرار السياسي بالحصول على السلاح النووي. لكن لا يمكن التأكيد أنها لن تتخذه.
أمام مثل هذا الوضع برزت مقاربتان للمشكلة النووية الإيرانية. والولايات المتحدة رغم تكذيبها أن هناك عملية عسكرية تتحضّر ضد إيران، تقوم بتعزيز قواتها في المنطقة. إنها ربما تراهن على فرض اتخاذ قرار على إيران عبر التلويح بالقوة. وروسيا والصين لا تعتقدان أنه قد جرى استنفاد جميع الإمكانيات الدبلوماسية. وأوروبا تتردد، لكن ليس في اتجاه استخدام القوة العسكرية.
ويرى بريماكوف أن الخيار العسكري قد تكون نتائجه أخطر مما هو في العراق. والمقاومة لن تكون أقل وسيتم فتح «جبهة ثانية» ضد الجيش الأميركي في العراق ومما سيعيق عودة السلام والاستقرار إليه.
ورغم جهل رد الفعل الداخلي الإيراني في ظل وجود مجموعات معارضة ل«النهج المبالغ بالتشدد»، يرجّح المؤلف أنه ستكون هناك وحدة لجميع الطبقة السياسية الإيرانية ضد أي عمل عسكري خارجي.
الرقابة على التسلح
لا شك أن انتشار السلاح الذري يتأثر، إلى هذه الدرجة أو تلك، بعدم قدرة الدول النووية المعترف بحيازتها على الاتفاق حول عملية نزع سلاح نووي تدريجي. ولا ينبغي تأمل أن يتم الشروع بمثل هذا المسار في المستقبل القريب، على الرغم من أهميته الكبيرة بالنسبة للمجموعة الدولية بأكملها. هذا ما يؤكده جميع الخبراء في العالم.
وينقل المؤلف تأكيد مجموعة من الخبراء الأميركيين، في عدادهم وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنغر، في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» بتاريخ 15 يناير 2008، على أهمية تنفيذ اتفاقيات تقليص الأسلحة الإستراتيجية الهجومية الموقعة بين الولايات المتحدة وروسيا. ذلك على أساس أن هاتين القوتين تمتلكان حوالي 95 بالمائة من الرؤوس النووية في العالم.
الدول الأخرى المالكة للسلاح النووي لا يمكن مقارنتها مع العملاقين الأميركي والروسي على الصعيد النووي العسكري. كما أن عملية دمجها في مسار تقليص الأسلحة النووية ترتبط بصورة حاسمة بالاتفاقيات الأميركية-العسكرية النووية.
والمقصود بهذه الدول كل من الصين وبريطانيا وفرنسا. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى التعاون الروسي الأميركي فيما يتعلق بتنفيذ المعاهدة الموقعة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق) عام 1987 والتي لا تزال سارية المفعول والمتعلقة بنزع الصواريخ ذات المدى المتوسط (1000-5500 كيلومتر) والمدى القصير (500-1000 كيلومتر«. الأهمية الكبرى لهذه الاتفاقية يجدها بريماكوف في كونها خطوة أولى على طريق نزع السلاح النووي عامة.
صراع الشرق الأوسط
كان الصراع القائم والمستمر في الشرق الأوسط وراء سلسلة من الحروب خلال النصف الثاني من القرن العشرين والسنوات الأولى من هذا القرن الحادي والعشرين. وقاد الإنسانية، كما يشرح المؤلف أيضا إلى عتبة مجابهة عالمية، وهو اليوم ليس بعيدا عن أن يكون خلفية لازدهار العنف في العالم. وبعد أن يشير بريماكوف إلى أنه لا يريد كتابة تاريخ هذا النزاع، يتوقف عند عامي 2007 و2008 كي يبيّن أهمية التعاون الأميركي الروسي من أجل الوصول إلى تسوية في الشرق الأوسط.
في عام 2007 وعدت إدارة جورج دبليو بوش بالوصول إلى تسوية سلمية قبل نهاية فترتها الرئاسية. كان الأخصائيون بشؤون الشرق الأوسط يعرفون جيدا استحالة ذلك. خاصة أن رئيس وزراء إسرائيل آنذاك ايهود اولمرت كان مرغما على الاستقالة، على خلفية فضائح مالية، ولم يكن الصف الفلسطيني موحّدا أيضا. ولم تتردد إسرائيل في بناء المستعمرات في الضفة الغربية، رغم إعلان وزيرة خارجية الولايات المتحدة، كوندوليزا رايس عدم موافقتها على ذلك.
كان القادة الأميركيون يريدون إيجاد «تعويض» ما مقابل فشلهم الكبير في العراق. وتمّ في مثل هذا السياق إجراء لقاء دولي في «انابوليس» حيث بدا أن الأميركيين يحاولون تقديمه كخطوة أخيرة قبل تحقيق السلام وتحت إشراف «العرّاب» الأميركي تحديدا. فقط أشارت رايس أنه قد يكون هناك لقاء آخر لاحق في موسكو.
ومع إدراك القادة الروس استحالة نزاع معقّد ومتجذر بمثل تلك السهولة، دعموا مع ذلك الجهود الأميركية التي اعتبروا أنها قد تكون مفيدة لدفع مسيرة السلام في الشرق الأوسط إلى الأمام. ويؤكد بريماكوف أن الرئيس بوتين ووزير خارجية روسيا لافروف وبريماكوف نفسه قد لعبوا دورا أساسيا في ذلك.
وينقل عن الرئيس الروسي السابق بوتين قوله لرئيس الوزراء الصيني «وين جياباو» في موسكو بتاريخ 5 نوفمبر2007 ما مفاده: «إننا ندعم الجهود الأميركية باعتبارها خطوة أولى نحو عقد مؤتمر دولي جامع حول الشرق الأوسط. ونحن نحث العرب على المشاركة في مؤتمر انابوليس وخاصة السوريين. ونحن على اتصال دائم ومباشر مع جميع المشاركين الممكنين في هذا اللقاء. وبريماكوف موجود حاليا، بناءً على طلبي، في المنطقة حيث يتباحث مع القادة السياسيين فيها».
أهمية سوريا
جرى الحديث مع القادة الإسرائيليين حول المشاركة السورية التي لن يكون المؤتمر فاعلا بدونها. كان الجميع يفهمون ذلك، ربما باستثناء ايهود اولمرت نفسه. ويشير بريماكوف أنه دون أن يدعم صراحة فكرة أن يُدرج على جدول الأعمال بحث «المشكلة السورية» قال اولمرت لبريماكوف: «إنني لن أعارض، إذا أبلغتم الأسد عن انطباعاتك حول موقفي المؤيد لهذه الفكرة».
أما الجنرال الإسرائيلي باراك فقد طلب من بريماكوف أن ينقل للرئيس الأسد أنه مؤيد للدخول في مفاوضات مباشرة دون شروط مسبقة. وكان يعرف أن مصير الجولان هو في الميزان. وينقل عنه قوله له بالتحديد: «لقد عرضت وجهة نظري على نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، الذي ألحّ على ضرورة عزل سوريا المؤيدة لإيران. لكن الوضع الحالي لا يمكن تصحيحه دون مساعدة روسيا فالأميركيون لا يفهمون الشيء الكثير عن الشرق الأوسط».
اشترط الرئيس الأسد للحضور قبول الولايات المتحدة وإسرائيل وضع مشكلة هضبة الجولان على جدول الأعمال. وينقل بريماكوف عنه قوله بناء على فكرة عقد لقاء آخر في موسكو: «سوريا مستعدة للشروع في مفاوضات حول التسوية مع إسرائيل. لكن في مرحلة أولى بمشاركة طرف ثالث. إذا لم تتعرقل الأمور يمكن اقتراح صيغة المحادثات الثنائية. مع ذلك تحبّذ سوريا أن تتطور الأمور في إطار تسوية شاملة. وفي موسكو، نحن مستعدون للجلوس على نفس الطاولة مع الإسرائيليين».
ويخلص بريماكوف إلى القول: «أنا على اقتناع أنه دون تعاون الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي فإنه لن يتم الوصول إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط».
الكتاب: العالم بدون روسيا
تأليف: يفجيني بريماكوف
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2009

