لم تهن العروبة طوال تاريخها الحديث، مثلما أهينت مؤخرا في صراع كرة القدم، الذي نشب بين الشقيقتين مصر والجزائر، على الرغم من أنها امتحنت مرارا في أزمات أعنف انقسم فيها العرب على أنفسهم، وتحولوا إلى معسكرات متحاربة، وذلك لأن الأزمة الأخيرة غلبت عليها سمات غير عقلانية، أخذت معها العروبة بكل نبلها وسموها إلى الحضيض، مما صنع منها حالة مختلفة كلية عما سبق، وتلك السمات هي:
(1) الامتحان الذي تعرضت له العروبة هذه المرة جرى بين دولتين محوريتين في العمل العربي، عرف عنهما الاحترام السياسي المتبادل للأدوار التاريخية والقومية لكل منهما. كما أن أحد طرفيها وهو مصر هو من نقل العروبة من النظرية إلى الفعل السياسي على أرض الواقع، والتي كان منها الأرض الجزائرية في ثورتها ضد الاحتلال الفرنسي. يضاف إلى ذلك أن الخلاف هذه المرة لم يبدأ سياسيا أو اقتصاديا، مثلما كان في الأزمات السابقة، بل نجم عن منافسة رياضية. (2) منذ البداية تسيد الإعلام الرياضي ونجوم كرة القدم في البلدين الأحداث، وصنعوا هذه الأزمة، ونفخوا فيها حتى اشتعلت. وكثير من هؤلاء بطبعهم يفتقدون الفهم السياسي المنشود في التعامل مع مثل هذه المواقف، على خلاف ما يحدث في الأزمات التي تبدأ سياسية، إذ تتصف الأزمات السياسية عادة باستدعاء النخب السياسية (الرسميين والشعبيين). وهؤلاء يلتزمون عادة في خلافاتهم بمعادلة المصالح الوطنية من منظور الحسابات الاستراتيجية، وليس الآنية الضيقة الذي حرك من أنتجوا هذه الأزمة وانحدروا بها إلى هاوية سحيقة.
تجييش جماهيري(3) اتسمت الأزمة بحالة غير مسبوقة من التجييش الجماهيري، حوصر فيها المثقفون والعقلاء منذ البداية، ما أدى إلى إغفال المخاطر الحقيقية لها، وذلك في ظل حالة تماه غير مسبوقة عربيا من جانب الاعلام الرياضي في البلدين مع غرائز الشارع المتحفز لاقتناص الفوز بأي ثمن، بل إن حركة الأحداث دفعت بالشارع ليتقدم الإعلام الذي وجد نفسه منساقا وراءه بغير تعقل، فالشارع كان نهما ومتطلعا لمزيد من التجييش. وترجع هذه الحالة في عمومها إلى أن هذه الأطراف (الإعلام وجماهير المشجعين) اعتادت روتينيا حالة التعبئة والتجييش الرياضي، فهذا من سماتها المتعارف عليه، وهذا أيضاً دورها الذي تراه مقبولاً في غالب الأحيان. لكن التحرك هذه المرة كان غير منضبط، ولذلك جاءت التداعيات منفلتة.
(4) بعد نفاد ما لدى المخزون الرياضي من الأهداف والأسلحة، تم استدعاء كل الأسلحة السياسية والتاريخية والقومية في توظيف مخل ومعيب يقوم على تعمد المن والإهانة المتبادلة، بل والسب بأبشع الصفات التي تجرح المشاعر الوطنية في البلدين، وسط حالة تعميم عمياء، مما أسقط كافة المقدسات والثوابت على مستوى التاريخ والمصالح المشتركة، بل أيضاً الثقافة والدين، خاصة مع تصاعد التجييش واحتداد الأزمة. ما أحدث شرخا عميقا طال كل الثوابت العربية المتعارف عليها، خاصة بعدما احتمى كل طرف برموزه الوطنية، على حساب الروابط المشتركة، سعيا لتأكيد ذاته.
إهانة النخبة
(5) ما جرى من عنف دموي وإهانات مورست ضد نخبة الفنانين والإعلاميين المصريين، ذهبت إلى الخرطوم من أجل حدث كان يفترض أن يكون عاديا، من جانب جماهير جزائرية استعدت جيدا وتخصصت في التشجيع الكروي بكل أشكاله العنيفة. شكل صدمة عاتية، لأن هذه النخبة تصورت أنها تقوم بعمل وطني راق، كانت تنتظر من الطرف الآخر التزاما مماثلا، فإذا بها تجابه بما لم تتوقعه. ولو أن هذا العنف جرى بين مشجعين محترفين من البلدين لمر من دون أن يتوقف أمامه أحد.
(6) أهدرت حدة الاستقطاب في هذه الأزمة، أصوات عقلاء وحكماء الدولتين والأمة، فمثلا لم يتوقف أحد من الطرفين أمام البيان الذي أصدره العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قبل تدهور الأحداث، والذي حذر فيه من وقوع الفتنة بين الشعبين، ودعا إلى تجنبها، بل إن سوء النوايا اعتدى على البيان بتحريف مضمونه، وقد تحدث الرجل في خطبة الجمعة قبل الماضية عن هذا التحريف، وذكر أنه جرى بيد صحيفة جزائرية.
(7) جرت الأحداث وتطورت وسط صمت رسمي، وبدا الأمر وكأن هناك رغبة لتوظيف هذه الأزمة سياسيا منذ مراحلها الأولى. فالحكومتان (حسب رؤية بعض المحللين) ربما وجدتا فيها مناسبة لتصفية خلافات رسمية، تغذت شعبيا خاصة في الجزائر، بسبب الموقف المصري من الحرب الإسرائيلية على غزة. كما وجدت الحكومتان في الأزمة فرصة أخرى لتذويب ضغوط داخلية تمارس عليهما ممن يرفضون بعض المشروعات التي تتصل بمستقبل وممارسات الحكم، وليس خافيا أن الدولتين تعانيان من مشكلات سياسية واقتصادية تتصل بأوجه الحياة اليومية لمواطنيها، مثل تراجع مستوى الخدمات وتدني مستويات المعيشة وغير ذلك.
حالة عربية عامة
واذا كانت السمات السبع السابقة هي ما ميز هذه الأزمة المصرية الجزائرية، فإنها في أسبابها العامة تعتبر جزءا من حالة عربية تراجع فيها الإيمان بمظلة العروبة، على الرغم من أن المشترك العربي هو ما ميز العلاقات بين الدولتين في كثير من القضايا، وبقي حاضرا على الرغم من كل ما اعتور علاقاتهما من خلافات، لذا كان آخر مايمكن انتظاره أن تهتز العلاقة الوثيقة على هذا النحو الدرامي السخيف.
وتكشف نتائج ما جرى أن مشاعر الغضب والكراهية في العالم العربي صارت جاهزة للتحول العنيف من مواجهة العدو التقليدي إلى الشقيق، وأنها فقط في انتظار إطلاق الشرارة الشعبية، لأسباب وظيفية وتراكمية جرت على مدى العقود الماضية، منها حالة الفراغ على المستوى العربي، وتعدد الاحباطات داخليا وخارجيا، وغياب المؤسسة العربية القادرة حقا على قيادة العمل العربي، وغياب الإرادة العربية الرسمية على هذا الصعيد. فكل دولة تحاول عمليا التهرب من الاستحقاقات العربية، لما ترتبه من أعباء قد تورطها في مشكلات خارجية، فهذا ما اختبر عمليا في العديد من الأزمات السابقة، ومن ذلك ما جرى في أزمة احتلال العراق وتدميره بأيدي أميركا وبريطانيا. وليس خافيا أن كثيرا مما جرى للعراق تم بمباركة أطراف عربية. وينطبق ذلك أيضاً على حالة الحصار التي تعيشها حركات المقاومة العربية سواء في فلسطين ولبنان والعراق. كما يمارس نهج التهرب أيضاً تجاه الأزمات الداخلية في السودان واليمن والصومال، وهي كلها أزمات حدثت وتوسعت في ظل التهرب العربي. ويمكن مناقشة ذلك تفصيليا على النحو التالي:
أولا- غياب المؤسسة العربية الفاعلة والمؤثرة، المقصود هنا ليس الغياب العضوي، فالجامعة العربية حاضرة بمبناها وموظفيها في القاهرة وكل العواصم العربية، لكنه حضور غير فاعل، لأن الجامعة هي محصلة للعلاقات العربية بمعضلاتها، ويمكن القول إنه لم يبق من العروبة بين العرب سوى الرباط الثقافي. وهذا الرباط لم يعد بعيدا عن التهديد.
خلافات جوهرية
ثانيا- اختلاف التوجهات والاستراتيجيات بين الدول العربية، إلى حد التناقض في قضايا كثيرة، حتى تجاه القضية الفلسطينية التي كانت مصدر إلهام وتجميع قومي، وهو ما ينطبق أيضاً على الدولتين المصرية والجزائرية، وفق ما جرى بينهما في الأزمة الأخيرة، فكل منهما احتمى في غضبته بالموروث العروبي واستدعاه لإدانة الآخر. من دون تردد في رفع شعارات ضيقة تنقضه. وهذا يفسر بعض جوانب أزمة السياسة والإعلام في البلدين كما تبدى في مباراة المونديال.
(1) في الجزائر: أدت سنوات الحرب الأهلية التي جرت خلال التسعينيات إلى سيطرة دعاة الفرانكفونية على مقدرات السياسية والاعلام. ويشتهر هؤلاء بأنهم يكنون شديد العداء للعروبة كحلم قومي، وان قالوا علنا بغير ذلك، فهم يروجون للارتباط بالفرنسي لغة وثقافة وسياسة. وهذا الارتباط حالة متجذرة في العديد من الأوساط، وليس من الخفي أيضاً أن قطاعات كثيرة في الشعب الجزائري تحيا بالحلم الفرنسي، فلاهم لأكثر الشباب الا الهجرة إلى فرنسا، والبحث عن سبل الاستقرار، لذا من الطبيعي أن تكون الجالية الجزائرية هي الأكثر عددا على الأرض الفرنسية. يضاف إلى ذلك ان العربية ثقافة وهوية لم تتجذر في الجزائر بعد.
(2) في مصر: أفرزت اتفاقية السلام مع إسرائيل التزامات على مصر مناقضة لالتزاماتها التاريخية. فإسرائيل استهدفت من وراء الاتفاقيات إبعاد مصر عن أدوارها القومية، وأدت هذه الالتزامات عمليا إلى ابتعاد مصر عن كثير من واجباتها. وانعكس ذلك أيضاً على الداخل، من حيث اختيار شاغلي المواقع القيادية الرسمية والإعلامية ذات الطابع الحكومي.
وهكذا فإن كثيرا من الإعلاميين الرسميين في مصر والجزائر يقفون على أرضية تكاد تكون واحدة (وان كان بدرجات متفاوتة)، هي التناقض مع العروبة عند اللزوم، ومن ثم فإن التراشق بأسلحتها ليس سوى وسيلة تتطلبها الحاجة الأخلاقية. وهذا هو اللب في الخلاف، وما بعد ذلك تفاصيل تولدت حسب الحالة والحاجة.
جيل من الزعامات
ثالثا- رحيل الزعماء المؤمنين حقا بالعروبة قولا وفعلا، فلم يعد لدينا جمال عبد الناصر الذي حول العروبة من فكرة إلى ممارسة على أرض الجزائر، وليس لدينا اليوم هواري بومدين الذي آمن مبكرا بالعمل العربي كسبيل لتحرير الأرض. وهذا ما فعله في حرب أكتوبر1973. كما نفتقد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، الذي تناسى خلافه مع الرئيس عبد الناصر في مؤتمر الخرطوم في أغسطس عام 1967، وخرجا مع القادة العرب ببرنامج عمل عربي يتجاوز هزيمة يونيو1967. وخسرنا جميعا برحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فمن ينسى له موقفه في حرب أكتوبر عندما قال: «البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي»، ومن أجل ذلك فرض الحظر النفطي على الغرب. وفي هذه الأزمة أيضاً نتذكر له أنه كبح قطر حينما اصطنعت خلافا مع مصر.
المؤسف ألا يتدخل قادة عرب لحل الخلاف بين الشقيقتين مصر والجزائر، ربما لو تدخل أحد منهم سريعاً لكان في ذلك مخرج للبلدين المحرجين المجروحين. على الرغم من أن هذه الخلافات- في حال استمرارها- سوف تترك ندباتها على ما بقي من العمل العربي، لأنها قد تخلق حالة استقطاب جديدة وحادة على المستوى العربي.
لقد تعرضت الأمة العربية النازفة لضربات موجعة في هذه الأزمة، فبينما كانت الأمور محتدمة، كانت إسرائيل تهدم عشرات البيوت في القدس المحتلة ضمن خطتها لتهويد المدينة المقدسة. وإذا كان هناك عبرة مما جرى، فكلنا مطالبون بأن نضع كرة القدم حيث يجب فقط أن تكون، رياضة تجمع العرب، ولا ضرورة لها بينهم إن كانت ستفرقهم.
أحمد الكناني


