إذا كانت الفكرة العربية الحديثة ولدت من رحم الأزمات الاستعمارية التي خضع لها العرب على يد الأتراك والفرنسيين والبريطانيين في بدايات القرن الماضي، فقد التف حولها المثقفون العرب لأنهم رأوا فيها حلم الخلاص من محنة التشتت والتمزق، ومن أجلها ضحى كثيرون منهم بحياتهم، خاصة وأن كل من تعاطف مع الفكرة عاش تحت مطاردة المستعمرين، خاصة في بلاد الشام، حيث التغول التركي قبل الثورة العربية الكبرى.
ومن أجل هذه الفكرة كانت العروبة هي الراية التي ارتفعت خلال هذه الثورة، فهي التي جمعت العرب من أجل تحويل الحلم الى واقع، وجاءت ذروة الانتصار للفكرة العربية مع تحقيق الاستقلال وتحول الفكرة الى دولة، بل الى عدة دول عربية في المشرق والمغرب.
في مصر كانت العروبة اللواء، وانطلاقا من هذه الرؤية مدت مصر يد المساعدة لكل العرب المتطلعين للتحرر كما في الجزائر واليمن.
ولكن بقدر ما كانت العروبة منتجة للدولة العربية ومحركة لها، فان هذه الدولة كانت معوقة لتواصل الحلم العربي المتطلع إلى الوحدة والتنمية والتقدم. فقد انغلقت الدولة العربية الحديثة على نفسها، وأعلت من شأن الوطنية على القومية، بعدما فشلت في تحقيق بقية الأهداف التي من أجلها أطلق المفكرون العرب دعوتهم وحلمهم القومي الثمين.
ومع اشتعال الخلافات، بدأت التراجعات تضرب الفكرة العربية، فوقعت كارثة 1967، ثم الاقتتال الأردني الفلسطيني، والاجتياح الإسرائيلي للبنان وسقوط بيروت كأول عاصمة عربية تحت الدبابات الإسرائيلية، وقبلها توجهت مصر إلى السلام مع إسرائيل، وتلتها الأردن، ثم منظمة التحرير الفلسطينية. وانقسم العرب إلى معسكرين، وانشغلوا أكثر في معارك بلا هدف، وكانت الحرب العراقية الإيرانية من تجليات هذا الانقسام، ثم حدث الاحتلال العراقي للكويت، وما تبعه من استجلاب القوى الغربية للسيطرة على المنطقة العربية، ثم سقوط بغداد وخضوع العراق للاحتلال الأميركي ـ البريطاني. وبدأت الصورة تزداد قتامة مع الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني. في وقت بدأت لعبة تفتيت الأوطان في السودان والصومال والعراق تتسع وتتمدد بأيد داخلية وخارجية.
وهكذا بدأ الفشل يحاصر الحلم العربي الذي لم يبق منه على قيد الحياة سوى الروابط الثقافية، حتى هذه أيضا بدأت تجابه بتحد هويات ثقافية أخرى داخل الدولة العربية الواحدة، ومن ذلك الامازيغية والكردية والزنجية، كل حسب جغرافيته. وشكلت هذه التطورات كلها ضربة عاتية للدولة العربية.
اليوم صارت الدولة العربية عبئا على الفكرة القومية، على الرغم من أنها ابنة شرعية لها. لكن هذا الفشل ظل فقط في وعى النخب بعيدا عن عامة الناس، التي لم تتورط في هذا الفشل العربي. وكانت، بل تظل هي الأمل في إحيائه يوما ما، لكن التطورات المتتالية تلقي بشكوكها.
فالدولة العربية مصممة على إحراق كل الأوراق والآمال، ونسف كل الجسور، بعدما صارت عاجزة داخليا عن أداء دورها الوطني أو الوظيفي نحو شعوبها، وعاجزة خارجيا أمام الطامعين من المستعمرين السابقين المتطلعين لاستعادة مواقعهم، وهكذا فان الفكرة العربية التي ولدت من الأزمات تعود إليها.
