وضع الرئيس أوباما زيارته الأخيرة إلى الشرق الأقصى؛ تحت عنوان «رجوع أميركا إلى آسيا». شعار قصد به، أن إدارته لن تكون كسابقاتها؛ تجاه القارة الصاعدة. الرئيس كلينتون، تعامل بفتور مع بلدانها. غاب مرتين عن اجتماع «آبيك» ـ المنتدى الاقتصادي لدول آسيا المحيط الهادئ ـ وعندما كان يشارك، كان حضوره على سبيل المجاملة.

خلفه، الرئيس بوش الابن، انشغل بالحروب وورطاتها. اعتمد سياسة الهيمنة والإملاء، على حساب العلاقات الندّية، مع الدول. أوباما، غادر توجّه أسلافه وقرّر «العودة» إلى آسيا. مقاربته مختلفة. وكذلك الظروف والدواعي. أدرك أن الموازين تغيّرت. وأيضاً الخيارات. التزم منذ حملته الانتخابية، ثم مع تسلّمه مقاليد الحكم؛ بتوجّه يقوم على الانفتاح والتواصل.

في رحلته الآسيوية، عمل على ترجمته، قدر الإمكان. لاسيما وأنه يعرف حساسية الأجواء وصعوبة الملفات التي تنتظره. اليابان، يسود الفتور علاقاتها مع واشنطن؛ منذ فترة. ملف الوجود العسكري الأميركي، فوق أراضيها، خاصة في قاعدة أوكيناوا البحرية، ما عاد مرغوباً به. رفض هذا الحضور، لعب دوراً في هزيمة الحزب الحاكم منذ خمسين سنة وفوز رئيس الوزراء الحالي، يوكيو هاتوياما؛ المحسوب على الخندق الليبرالي المستقل.

بعد تسلّمه منصبه، قبل أشهر؛ تحدث صراحة عن ما سمّاه العلاقة الجديدة التي يجب أن تسود بين طوكيو وواشنطن. ثم أن صعود الصين، وما نسجته من علاقات مع أميركا، جعل نظرة طوكيو إلى واشنطن لا تخلو من الارتياب؛ خلافاً لما كانت عليه أيام الحرب الباردة. الدول الآسيوية الأخرى، لها مآخذ على واشنطن.

خاصة لناحية السياسة التجارية الأميركية الملتبسة. مؤخراً هي متهمة بممارسة الحمائية التجارية، من خلال مطالبة الأميركيين بصورة ملتوية؛ بشراء «المصنوع في أميركا». أما الصين، فهي الندّ والشريك الذي لا بدّ منه؛ في آن. لائحة المطالب التي حملها أوباما،طويلة وشائكة: مساندة واشنطن في موضوع إيران، سخونة المناخ، رفع قيمة العملة الصينية ـ اليوان: كل 8,6 منه توازي دولار ـ، فتح الأسواق الصينية بوجه البضائع الأميركية، تخفيف اعتماد الصين على الصادرات.

ومع أنه تحاشى مواضيع حساسة، مثل حقوق الإنسان والإشارة إلى التيبت وغيرها؛ وعمد إلى تأجيل البت ببيع أسلحة إلى تايوان؛ إلاّ أن كل ذلك لم يشفع به. رد بكين على مطالبه كان، في أحسن أحواله، الصمت. فهي لها أجندتها. تركت « قيادة العالم لأميركا»، كما نقل أحد المعلقين. أما هي فلا تريد أكثر من « إدارة شؤونها ومصالحها، كبلد طالع». وعليه، فهي ليست على استعداد لتلبية أي مطلب أميركي، يتعارض مع هذه المصالح.

بل ذهبت بكين،باعتبارها الطرف الممول لديون أميركا ـ بيدها 800 مليار سندات خزينة أميركية ـ، إلى حدّ سؤال واشنطن عن كيفية تمويلها لنظام التأمين الصحي الذي يدفع به أوباما، في الكونغرس؛ لتمريره. شأن أميركي محلّي بحت. لكن الدائن الصيني وجد أن من حقه توجيه مثل هذا السؤال إلى مدينه؛ ليطمئن على سنداته.

فتور وممانعة الآسيويين، خاصة الصينيين؛ وانتقال الأدوار، حيث صاروا في المقعد الذي يخوّلهم الإملاء بدلاً من أن يملى عليهم، إضافة إلى انحناءة أوباما الزائدة أمام إمبراطور اليابان؛ كله عمل منه خصوم أوباما من المحافظين الأميركيين ذخيرة لتعنيف هجومهم عليه. وصفوا زيارته بأنها كانت أقرب إلى «الخضوع». أخذوا عليه أنه بطروحاته، أشاع الاعتقاد في العالم أجمع؛ بأنه رئيس «مرحلة التراجع الأميركي»؛ في ضوء الانطباع الذي تركه، بأنه « قائد ضعيف». وفي كافة الأحوال، حسبوا أن زيارته لا تقع في خانة العودة إلى آسيا. بل كانت أقل بكثير مما يتفق مع هذا الزعم.

في ضوء الحصيلة، لم تكن جولة أوباما زيارة «رجوع» إلى القارة؛ التي بدأت تتحول إلى مركز الثقل في العالم. هذا صحيح. على الأرجح كانت تعبيراً عن تراجع في الوزن الأميركي. لكنه تراجع، صنعته سياسات الرعونة والانفلات والهوس، التي اعتمدها المحافظون أنفسهم الذين يتباكون اليوم على مجد أميركا. سياسة الهيمنة والحروب ومحاولات فرض المشيئة، رغم انف الشعوب؛ لا تنتج مجداً. على الأقل، الرئيس أوباما يحاول تقليل الخسائر بعقلانية؛ ولو أن مواقفه ما زال ينقصها الحزم حيث يجب أن يكون، كما هي الحال مع إسرائيل.

فيكتور شلهوب