بدا وكأن إسرائيل أخذت على حين غرّة، بمجرد تلويح السلطة بإمكان التوجه نحو مجلس الأمن الدولي، لاستصدار قرار بشأن قيام دولة فلسطينية وترسيم حدودها على أساس الرابع من يونيو (1967)، لدرجة أن أركان الحكومة الإسرائيلية، لم يتركوا مفردة تهديد إلا وأطلقوها للضغط على السلطة وابتزازها.

ولعل أطرف تعليق جاء على لسان افيغدور ليبرمان (الوزير اليميني المتطرف)، الذي اعتبر الخطوة المذكورة بمثابة خطوة أحادية (!)، متجاهلا أن ما تفعله إسرائيل في الأراضي المحتلة، من الاستيطان والجدار الفاصل وهدم البيوت وشق الطرق الالتفافية وإقامة الحواجز، كلها ممارسات أحادية؛ عدا عن أن الاحتلال ذاته إجراء أحادي قسري، مفروض بالقوة والهيمنة على الفلسطينيين.

تهديد بإلغاء الاتفاقات

وفي ذات الإطار فقد هدد نتانياهو السلطة بإلغاء الاتفاقات الموقّعة معها (وضمنها اتفاق أوسلو والاتفاق الاقتصادي). وربما «إحلال السيادة الإسرائيلية على كتل استيطانية، مثل معاليه ادوميم ومنطقة «القدس الموسعة» (يديعوت أحرونوت 16/11). أما وزير البنى التحتية عوزي لنداو فاعتبر بأن سلوك الحكومة في الفترة الأخيرة وخطاب نتانياهو في بار ايلان (ويقصد خطاب الدولتين ) زادا شهية الفلسطينيين لخطوات أحادية الجانب». وعليه، فقد اقترح لنداو فرض السيادة الإسرائيلية على مناطق ج أيضا. («هآرتس» 16/11) ومن جهته، وصف أيلي يشاي وهو وزير الداخلية (وزعيم حزب شاس) تلويح الفلسطينيين بإعلان الدولة بأنه «وقاحة»، داعياً إلى «الإعلان عن ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل».

فقط في حزب العمل كان ثمة نوع من التعاطي بهدوء مع الأمر، فبحسب وزير الرفاه يتسحاق هرتسوغ فإن «المشكلة المركزية مع الفلسطينيين هي الاستيطان «وإذا أردنا إنقاذ مناطق مثل (الكتل الاستيطانية) غوش عتصيون ومعاليه أدوميم فعلينا تنفيذ خطوات سياسية دراماتيكية وتقسيم إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية». أما باراك زعيم حزب العمل ووزير الدفاع فاعتبر بأن استمرار جمود العملية السياسية سيؤدي إلى تزايد التأييد الدولي لإعلان الفلسطينيين عن قيام دولة فلسطينية. ولكنه حذر الفلسطينيين بأن «التجربة تثبت أن (رسم) الحدود بالاتفاق أفضل من الخطوات الأحادية الجانب.. ومن يتجه نحو خطوة أحادية الجانب يخاطر بفقدان مركبات التعاون الضرورية وبمخاطر أخرى أيضا». (يديعوت أحرونوت 16/11)

وكانت الحكومة الإسرائيلية تداولت في اجتماع لها في أبعاد الإعلان، وتأثيراته عليها، والخطوات الواجب اتخاذها على الساحة الدولية لكبح الخطوة الفلسطينية، وهو ما حصل بتنشيط الاتصالات مع الإدارة الأميركية وعديد من الدول الأوروبية.

إعلان فشل السياسة

أما على صعيد المحللين الإسرائيليين فقد تضاربت أراؤهم بشأن تقييم هذه الخطوة، كما بشأن كيفية التعاطي معها. فقد اعتبر دوف فايسغلاس (مستشار رئيس الوزراء الأسبق شارون)، بأن الفلسطينيين يسعون للضغط على إسرائيل لإجبارها على قبول شرط تجميد الاستيطان واستئناف المفاوضات السياسية. وبرأيه فقد استفاد الفلسطينيون «من تجربة الماضي.. تعلموا الميزة الواضحة لاستخدام الوسائل السياسية.. للمعارضة العالمية تقريبا لمواصلة التواجد الإسرائيلي، العسكري والمدني في يهودا والسامرة، والتأييد المبدئي الواسع في أوساط أمم العالم لفكرة الدولة الفلسطينية» (يديعوت أحرونوت 18/11)

ومن وجهة نظر شاؤول اريئيل، فإن «حل السلطة هو بمثابة اعتراف معلن من منظمة التحرير بفشل الطريق السياسي.» («هآرتس»،1117)

ووصل الأمر حد أن دانيئل أدلسون رأى بأنه «إذا ما تحققت تهديدات الفلسطينيين.. وأعلنوا.. استقلالهم، فسيكون في وسعهم.. التعامل مع المستوطنين في الضفة، كما تتعامل إسرائيل اليوم مع الفلسطينيين الموجودين على أرضها. (يديعوت أحرونوت 17/11)

وبشأن كيفية التعاطي مع الخطوة الفلسطينية، فقد اعتبر فايسغلاس اقتراح «ضم الكتل الاستيطانية مجرد رد فعل غبي». إذ أن «ضم هذه الكتل لإسرائيل سيشجب من معظم دول العالم.. هكذا أيضا الدعوة لـ «إلغاء الاتفاقات السابقة». ونبه إلى أن إلغاء اتفاقات أوسلو معناه عودة السيطرة الإسرائيلية.. واخذ المسؤولية.. عن إدارة حياة الفلسطينيين.. الأمن الداخلي، الصحة، التعليم، المواصلات، الصرف الصحي، البنى التحتية، المياه والطاقة، إدارة البلديات.. وبالتالي إعادة تشغيل عشرات ألاف الموظفين الفلسطينيين وبتكلفة مالية تصل إلى المليارات» ولم ينس في هذا السياق انتقاد «التصريحات العابثة التي أطلقت».. (يديعوت أحرونوت 18/11).

إضاءة

يعتقد بن درور ـ يميني بأن على إسرائيل أن تبارك خطوة الفلسطينيين بحصر مطالبهم بمجرد دولة في الضفة والقطاع، باعتبار ذلك تحولا في موقفهم كونهم «أرادوا إسرائيل.. لا الضفة وغزة فقط» وبرأيه هم «يسمون ذلك حق العودة.. لجعل إسرائيل فلسطين كبيرة.. معارضة إسرائيل ستمنح الفلسطينيين نقطا، وستبدو رافضة للتسوية.. سيكون هذا نصرا فلسطينيا اخر.. من المحقق انه يجب أن نقول نعم.. لا توجد أي دراما في الموافقة على دولة فلسطينية. لقد أرادوها دائما بشرط أن تكون فلسطين الكبرى بواسطة حق العودة. يجب أن تعيد إسرائيل الكرة إليهم. نعم للدولة. لا للعودة ولفلسطين الكبرى.» («معاريف»، 1117).

ماجد كيالي