لم تكن «رحلة عاطفية» بقدر ما كانت رحلة سياسية بالدرجة الأولى.. هكذا وصف المراقبون وقائع وفعاليات الأيام السبعة التي أمضاها الرئيس الأميركي أوباما في ربوع الشرق الأقصى والجنوب الشرقي من القارة الآسيوية.. وقد انطوى هذا الوصف على تلميح إلى إحدى روائع الأدب الإنجليزي، وهي الرواية التي نشرها «لورنس ستيرن» في عام 1778 بعنوان «رحلة عاطفية.. في ربوع ايطاليا وفرنسا».
وفيما كان بطل الرواية ينعم بهذه الأصقاع الأوروبية.. كان أوباما يدقق ـ على نحو ما تابعنا مؤخرا ـ في كل خطوة يتخذها وفي كل عبارة يتفوه بها.. بل كان يعمد إلى استثمار وتوظيف ما يسعه من امكانات من أجل إنجاح رحلته الآسيوية المشهودة، يستوي في ذلك سيرته الذاتية ـ أو تجاربه الشخصية ـ أو بنود أجندة التفاهم ومحاولة التواصل، أو بالأدق محاولات رأب الصدع ورتق الثغرات التي تخلفت عن سياسات واشنطون على امتداد السنوات المنصرمة من هذا القرن الجديد. مرة أخرى نستعيد ماذهبنا إليه، وهو أن الرئيس أوباما مازال عاكفا على ما وصفناه بأنه تفكيك تركة سلفه الرئيس جورج دبليو بوش.. وهي عملية تفكيك مع الترميم.. وهو أيضا ما أكد عليه راصدو الشأن العام في مجال السياسة الدولية ثم أوجزته وكالة أسوشيتدبرس في تقرير جامع لها صدر في منتصف نوفمبر الحالي وشارك في إعداده كل من «جنيفر لوفن» مراسلة الوكالة العالمية لدى البيت الأميركي الأبيض وزميلها «اريك تالمادج» كبير محرري الوكالة.
سياسة مد الجسور
وقد نلاحظ من جانبنا أن التقرير يشير إلى توجهات الرئيس أوباما التي عبّر عنها في خطابات خمسة شاملة ألقاها من فوق منابر دولية مختلفة وأكد فيها على سياسة مد الجسور بين واشنطن وشعوب العالم.. وربما كان أشهرها هو الخطاب الذي وجّهه إلى شعوب العرب والمسلمين من منصة الجامعة المصرية وبعدها حمل الخطاب في أدبيات السياسة الأميركية اسم «خطاب القاهرة»، حيث أعلن فيه أوباما احترامه لشعوب الأمة العربية وللقرآن الكريم ولمساهمة هذه الأطراف من جنوب العالم في دعم وتعزيز الثقافات وتطوير الحضارة والمعارف الإنسانية على اختلاف العصور.
نبرة وإيقاعات «خطاب القاهرة» هي التي سادت بدورها نبرة وإيقاعات الخطاب الأوبامي في رحلته التي بدأ فيها بزيارة اليابان وشاهدته عيون العالم في انحناءة أكثر من بروتوكولية لدى لقائه إمبراطور اليابان، فيما استمع إليه العالم وهو يطلق على نفسه لقبا استرعى الأنظار وهو: أنا أول رئيس أميركي باسيفيكي. والحق أن نزلت هذه الكلمات بردا وسلاما.. أو كنغمات موسيقى كما يقول التعبير الإنجليزي، على أفئدة مستمعيه الشرق ـ آسيويين.. وبقدر ما كان التعبير ينضح بالمجاملة.. بقدر ما كان يستند إلى واقع الأحوال.. لأن أوباما ارتبط من حيث المولد والنشأة بأصقاع المحيط الهادئ.. ومن ثم فهو كائن باسيفيكي بالفعل، حيث جاء مولده في هاواي ونشأته في رعاية والدته في أندونيسيا.. وتجواله في بدايات العمر عبر مناحي تلك المنطقة من قارة آسيا المطلة على الباسيفيك.
أبعاد الخطاب الأوبامي
ولعل أهم ما في مضامين الخطاب الأوبامي الذي ترددت عباراته طيلة أيام الرحلة الثمانية هو أن الرجل تخلى عن لهجة الوصاية أو الفرض أو أسلوب الانفراد بالرأي وإصدار الأحكام.. دع عنك لهجة الاستعلاء التي ظلت تشوب تصريحات وسلوكيات أركان الإدارة الأميركية التي سبقته وكانت لهجة تصدر عما تعرفه مصطلحات السياسة الأميركية بأنه «غرور القوة».
وإذا كان هذا الاستعلاء المستمد من الجبروت العسكري أو المَنَعة الاقتصادية لغة مكرورة وأحيانا مفهومة في سنوات مضت، فالحق أن هذا العهد قد انقضى وحان الوقت لإغلاق صفحاته واستشراف أفق جديد في العلاقات الدولية.
وتلك ميزة الخطاب الأوبامي الذي مازالت أصداؤه تتردد في الأصقاع البعيدة من قارة آسيا.
هو خطاب أدرك ـ عن حق موضوعي ـ أن الجبروت العسكري وحده يمكن أن يودي بأصحابه إلى مشاكل بغير حلول.. تأمل مثلا مرارة الدرس الأميركي في فيتنام والدرس السوفيتي في أفغانستان.. ـ نفس المنطقة التي عاودت في الفترة الراهنة طرح دروس مريرة بدورها على الجهد العسكري لأميركا بل لحلف الأطلسي بشكل عام.
على الجبهة الاقتصادية.. أدركت إدارة أوباما وهو ما يحسب لها في كل حال ـ كيف أن عالم اليوم لم يعد يتحكم في مقاليده قطب اقتصادي واحد اسمه الولايات المتحدة: صحيح أن المعسكر الرأسمالي الذي قادته واشنطن منذ انقضاء الحرب العالمية الثانية حقق انتصاره على غريمه المعسكر الشيوعي (أو الاشتراكي). وجاءت آية هذا الفوز على شكل درامي لا تخطئه الأبصار ولا الإفهام مجسدة في سقوط جدار برلين الذي احتفلوا بذكراه العشرين في الأيام القليلة الماضية.. لكن الصحيح أيضا أن ثمة تحديات حقيقية وملموسة وبالغة الشراسة تجلت وما برحت تتجلى أمام معسكر الغرب الرأسمالي بقيادة أميركا ـ وهي تحديات تجسدها حاليا حقيقة صعود الشرق الآسيوي الأقصى.. إلى مراقي التطور الاقتصادي وبأرقام مذهلة في بعض الأحيان.
نتحدث تحديدا عن الصين التي ظل هاجسها يراود الرئيس أوباما، وبإلحاح متواتر وملحوظ طيلة أيام رحلته الآسيوية الأخيرة. كيف لا.. وقد كان أوباما يلقي خطابه في إحدى قاعات طوكيو الفاخرة أمام حشد رفيع ضم 1500 من أكبر شخصيات اليابان في مجالات شتى.. وإذا بالرئيس الأميركي يتحدث عن.. الصين قائلا في عبارات لمّاحة ومحكمة الدلالة قائلا: إننا نرحب بجهود الصين كي تضطلع بدور أكبر على المسرح العالمي.. دور يجمع بين اقتصاد متنام.. ومسؤوليات متزايدة.
شراكة لا وصاية
وبمناسبة هذا الحديث عن توازي الدور والمسؤولية فقد سادت فعاليات رحلة الرئيس الأميركي نغمة محورية يمكن أن نلخصها بتكثيف شديد في: الشراكة المتكافئة (مقابل الوصاية المفروضة) في مجالات الاقتصاد والدبلوماسية والأمن.
ولكي يؤكد أوباما على عنصر الشراكة.. فقد عمد في بلاغة ـ معّدة سلفا بطبيعة الحال ـ إلى تذكير مستمعيه ما بين طوكيو إلى سول وما بين بيكين إلى سنغافورة (ومنها إلى أندونيسيا وميانمار بل وكوريا الجنوبية) فقال: إن أميركا دولة باسيفيكية تنتمي إلى المحيط الهادي. وهذا المحيط الهادي لا يفصل بين الولايات المتحدة وآسيا.. بل هو يجمع بينهما.
انطلاقا من هذه النظرة جاءت مشاركة واشنطن ـ رئيسها وخبرائها ـ في اجتماعات منظمة «الآبيك» ـ منتدى التعاون لآسيا والمحيط الهادئ.. وهي المؤسسة التي جمعت بين أميركا ودول جنوب شرقي آسيا.. ويرجع الفضل في إنشائها إلى حقبة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.. فضلا عن أنها تشكل ـ كما يؤكد المحللون الثقات ـ نحوا من 50 في المائة من إجمالي الاقتصاد العالمي.. لا بوصف ذلك حاصل «جمع» كمّي للامكانات المتاحة وحسب ولكن باعتباره محصلة «كيف» بمعنى أنها محظوظة بنبوغ اليابان ودينامية سنغافورة ونمّو الصين وامكانات أندونيسيا وتقدم كوريا الجنوبية وإبداع ماليزيا المسلمة وغيرها.
أما الدرس المستفاد لجماعتنا من دول الجامعة العربية.. فهو: أن هذه الدول الآسيوية، مازال يضمها ـ بعيدا عن أميركا ـ مؤسسة إقليمية جامعة أنشأوها بموجب إعلان بانكوك الصادر في عام 1968 تحت اسم «الأسيان» وظلت تعمل في دأب وإتقان آسيوي صبور من أجل توطيد أواصر التعاون بين أقطارها الأعضاء في جنوب الشرق الآسيوي.. بعيدا عن الفرقعات الإعلامية ومحاولات تسجيل المواقف السياسية المرحلية الزاعقة.. إلى أن فرضت نفسها مع الصعود إلى مستويات أعلى من تطور أعضائها اقتصاديا وتقنيا وتعليميا، لدرجة أن عمدت أميركا ـ منذ عهد كلينتون كما المحنا ـ إلى التواصل معها.. لا من خلال خطبة تقريظ، ولا قصائد مادحة ولا دعايات بألوان الطيف.. ولكن على مهاد جسور مؤسسية تربط بين «الآسيان» وبين واشنطون أسفرت عن إنشاء هذا المنتدى الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي.
حوافز إلى كوريا الشمالية
نلاحظ أيضا أن أوباما لم يعمد إلى ترديد شعارات التهديد بالويل والثبور بحق كوريا الشمالية بالنسبة لنشاطها في مجال تطوير وامتلاك الطاقة ـ الأسلحة النووية.. بدلا من ذلك اعتمد الخطاب الأوبامي أسلوب الحزم والتحفيز واسترعى الاهتمام حديثه عن المستقبل بالنسبة لعلاقات واشنطن ـ بيونغ يانغ.. حيث قال على وجه التحديد: إن أميركا على استعداد لأن تقدم إلى كوريا الشمالية مستقبلا مختلفا.. يتيح لها اندماجا أكثر في المجال الدولي وفرصا أوسع في الميدان الاقتصادي ومزيدا من الأمن والاحترام.
والحق أن الرئيس الأميركي الشاب لم يكن يصدر في هذا كله عن مجرد تسجيل نقاط إيجابية علّها تضاف إلى رصيد رئاسته التي بدأت مع الأشهر العشرة الأولى من حياتها وباتت تشهد تصدعات أو انحسارات في معدل القبول والتأييد داخل الولايات المتحدة ـ وخاصة في ظل عقابيل الأزمة الاقتصادية وقانون الرعاية والتأمين الصحي.
تدرك واشنطن ـ أوباما ـ بيقين ـ أن نجاح سياساتها على الصعيد الدولي بل والداخلي أيضا مازالت مرهونة بأن تكسب قلوب وعقول الناس ـ الشعوب في جنوب شرقي آسيا.. تلك هي الجبهة المنسية على نحو ما يسميها الأستاذان «كريستوفر بوند» و«لويس سايمون» ـ الأول عضو مجلس الشيوخ والثاني كاتب صحفي مقتدر.. (في بحث نشراه في مجلة الشؤون الخارجية ـ فورين أفيرز ـ عدد نوفمبر/ديسمبر 2009).
وربما يهمنا من البحث الذي أحلنا إليه أن الكاتبين يسترعيان اهتمام الإدارة الأميركية بالذات.. لا إلى مجرد الأهمية الاقتصادية لتلك المنطقة الواقعة في أقصى الشرق وفي الجنوب الشرقي من آسيا.. بل إن التركيز عندهما ينصّب على أنها تضم 250 مليون مسلم يرتكزون ـ كما يؤكد هذا البحث في أندونيسيا.. ماليزيا.. الفلبين.. سنغافورة وتايلاند.
وبالمناسبة فقد أصدر الاثنان ـ السناتور والكاتب الصحفي كتابا نتصور أن له أهمية خاصة بالنسبة للمثقف والسياسي العربي وعنوانه: «الجبهة التالية: جنوب شرقي آسيا والطريق إلى سلام عالمي مع الإسلام».
محمد الخولي

