تعج شوارع المدن في الجزائر بأطفال لا مأوى لهم ولا معيل، يهيمون على وجوههم بحثا عن لقمة العيش بكل الوسائل من التسول إلى السرقة أو حتى ارتكاب جرائم القتل. وأفادت آخر إحصائية أن مدينة الجزائر وحدها تحتضن ما لا يقل عن 15 ألف طفل مشرد يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وفي أيام البرد يتكدسون ليلا على الأرصفة المغطاة بالقرب من أفران المخابز لتذليل آلام البرد القارس. وينتشر عدد كبير منهم نهارا في الأسواق والأماكن العامة والقمامات لالتقاط ما يمكن أن يسدوا به رمقهم.

وتشير أرقام صدرت عن مؤسسات رسمية وشبه رسمية أن عدد الأطفال المشردين في البلاد زاد خمس مرات على الأقل عام 2008 عما كان عليه عام 1988 بسبب تدني مستوى معيشة العائلات وارتفاع مسببات القلق الاجتماعي.

فقد كانت الأسرة إلى حد الأزمة الكبرى الناتجة عن انهيار أسعار النفط منتصف ثمانينيات القرن الماضي، متماسكة وكان التكفل باليتامى والأطفال غير الشرعيين ممكنا، كون الدولة تملك إمكانيات لذلك وبنت مراكز إيواء وضمنت لهم التكوين والعيش لكن بعدها دخلت البلاد في أزمة غير مسبوقة فاتسعت رقعة الفقر لتشمل أكثر من نصف عدد العائلات في البلاد وتفشت البطالة بعد إفلاس مئات من المؤسسات العمومية التي كانت تعيل مئات الآلاف من الجزائريين وأحيل نحو 400 ألف عامل إلى صف العاطلين، وتحطمت القيم وصار الإشهار بالعوز أمرا عاديا لا يخجل به الناس.

وقالت عواش بومية وهي مفتشة توجيه مدرسي إن 7,7% من تلاميذ مدارس ولاية العاصمة يتنازلون طوعا عن مقاعدهم للتحول إلى عمل مبكر لمساعدة الأسرة على العيش، يضافون إلى ما معدله 30 بالمئة من الراسبين سنويا في امتحان شهادة التعليم المتوسط دون السابعة عشرة يتحولون إلى الشارع بعد ما درسوا 11 سنة بلا نتيجة. ويشتغل نحو 300 ألف طفل دون سن السادسة عشرة حسب إحصائية للمجلس الاقتصادي الاجتماعي وهو هيئة استشارية حكومية، ومنهم نسبة عالية يعملون في قطاعات صعبة كشحن وتفريغ الشاحنات ومواد البناء والتلحيم والصهر وما اليها.

وتدفع عائلات كثيرة بأبنائها إلى العمل بعد أوقات الدراسة لمساعدتها على العيش، وهذا السلوك في نظر الخبراء يؤثر سلبا على حالة الطفل ويساعد على تركه الدراسة ودخول مجالات خطيرة كالتدخين وتعاطي المخدرات والكحول وما إليها لأن الطفل حين يتوفر على النقود وتغيب الرعاية السلوكية يمكن بسهولة أن ينحرف.

وقال عثمان مختاري مفتش العمل بناحية الجزائر العاصمة إن القانون يمنع تشغيل الأطفال، لكن مصالحه عاجزة عن محاربة الظاهرة لأسباب أهمها أنه لا يمكن أن تسلط عقوبة على عائلة لأنها تعيل نفسها، ثم إن معظم من يشغلون هؤلاء الأطفال يعملون في السر ويتخذون الإجراءات لتفادي الوقوع بين أيدي التفتيش. إلى جانب ذلك فإن آلافا من الأطفال في سن الدراسة يعملون في بيع السجائر على الأرصفة أمام أعين مصالح الأمن مع أن هذه التجارة خطيرة وتعرض الطفل للانحراف. وأشار تقرير ميداني أنجزته منظمة شبابية في العاصمة في وقت سابق إلى أن 37 من بين 53 بائع سجائر بين بلديتي القبة وباش جراح في العاصمة يشتغلون لأشخاص آخرين. وعدد كبير منهم يشتغلون لحساب شخص واحد.

وأرجعت الخبيرة خيرة مسعودان وهي ضابطة في سلك الشرطة مختصة في الأحداث أسباب تشرد الأطفال إلى الاضطرابات العائلية التي غالبا ما تنتهي بالطلاق بين الزوجين يدفع الأطفال ثمنه. كما سجلت هروب عدد كبير من عائلاتهم بسبب العنف المنزلي من بينهم نسبة كبيرة من الفتيات في سن المراهقة سقط عدد كبير منهن بين أيدي وحوش بشرية وانقدن إلى الرذيلة.

وتحصي مديريات الشرطة يوميا عشرات من حالات الاعتداء بمختلف أنواعه على الأطفال من الجنسين، ويوجد بمصالح علاجها عشرات للعناية الجسدية والنفسية بعد تلك الاعتداءات.

وتشير إحصائيات صدرت عن الشرطة والدرك والقضاء أن 21 ألف طفل شاركوا بطريقة أو بأخرى العام 2008 في جنح وجرائم بينها القتل المتعمد والسطو المسلح على الأشخاص والمؤسسات، بعدما كان الرقم 13 ألفا العام 2002 و15 ألفا العام 2003 ولم يكن العدد في العام 1990 يصل إلى ألفين. ونظرت المحاكم في آلاف الحالات وأدخل عدد كبير من المجرمين الصغار إلى مراكز إعادة التربية وهي صيغة مهذبة لكلمة السجون.

وينتشر في الأسواق الشعبية بالعاصمة الجزائر ووهران وقسنطينة وسطيف وتيزي وزو وغيرها من المدن الكبيرة آلاف من الأطفال يقومون صباحا لممارسة «مهنة النشل» تماما كما لو كانوا يشتغلون في الحلال أو يدرسون، يخطفون كل ما قدروا عليه إن كان هاتفا نقالا أو سلسلة ذهبية من عنق امرأة أو محفظة نقود أو حتى قفة خضر وفاكهة. وتتعرض السيارات المتوقفة إلى سرقة أي شيء ممكن فيها ان كان عجلة أو أضواء أو هوائي الراديو أو غير ذلك فكل شيء صالح للبيع بالنسبة لهؤلاء الأطفال.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي