«أطفالنا..أكبادنا.. تمشي على الأرض.. هم المصابيح التي تزيل غياهب الظلمات التي نحياها.. هم البسمة التي ترتسم على شفاهنا لتذهب بشقاء متاعبنا.. أحلامنا التي تكبر أمام أعيننا حتى نراها حقيقة واقعة بلا جدال أو مواربة.. أطفالنا هم مشاعل التطوير والتحديث والتغيير الدائم، وإلا ما حدث تطور ولا تغير وما شهد العالم ثورة التكنولوجيا المستمرة».
غير أن الواقع يختلف لأسباب كثيرة مع هذه الكلمات التي نكررها بمناسبة وغير مناسبة كلما ورد الحديث عن الأطفال والطفولة في عالمنا العربي فكان طبيعيا أن تطفو على السطح الكثير من المظاهر السلبية والمثالب في قطاع الطفولة على الرغم من أهميته وحيويته، فبرزت ظاهرة التسرب من التعليم، وظاهرة عمالة الأطفال، وظاهرة أطفال الشوارع، وما قد يترتب على هذه الظواهر من كوارث مثل عمليات الاغتصاب وظهور الجيل الثاني من أطفال الشوارع مجهولي النسب وتجارة المخدرات، والاتجار بالبشر، وتجارة الأعضاء البشرية، واستخدام هؤلاء كقطع غيار بشرية، إلى غير ذلك من الكوارث. الفنان المصري خالد أبو النجا سفير النوايا الحسنة بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف»، يشدد على أهمية الاهتمام بالطفولة والأطفال إذا كنا جادين وراغبين في تحسين مستقبل أمتنا العربية، لأنه بدون الاهتمام والعناية بالطفولة تبقى أحلامنا وطموحاتنا في غد أفضل مجرد أوهام ومجرد كلام في كلام وسيبقى الحال على ما هو عليه، مطالبا الجميع بالتكاتف والتعاون بين الحكومات والمنظمات الأهلية والأسر والمراكز البحثية وجميع المؤسسات وذلك لتحقيق حاضر أفضل لأطفالنا حتى يكون هناك مستقبل أفضل لأمتنا العربية. وقال «إن جميع مشاكل الأطفال في الوطن العربي يمكن حلها بالحب وهذا ليس كلاما فلسفيا أو نظريا، وإنما كلام واقعي جدا، فالغالبية العظمى من مشاكل الأطفال في أوطاننا العربية ناجمة عن غياب مشاعر الحب في الأسرة وفي الشارع وفي المدرسة وفي العمل وفي جميع المؤسسات والقطاعات وأصبحت معاملاتنا جافة تسيطر عليها المادة والمال».
وضرب سفير اليونيسيف للنوايا الحسنة مثالا بمشكلة أطفال الشوارع، مشيرا إلى أنها في تفاقم مستمر، وأنها ستتفاقم أكثر وأكثر إذا لم تتكاتف الأجهزة الرسمية مع مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني من أجل الاستقرار على خطة قومية حاسمة تقضي نهائياً على تلك الظاهرة المؤرقة والتي يصعب قبولها وبهذه الأعداد المخيفة ونحن في القرن الحادي والعشرين.
وأضاف «كما قلت سابقا فإن الحب هو مفتاح حل قضية أطفال الشوارع مثلما هو الطريق لحل مختلف المشاكل، ويؤكد أن أصل مشكلة أطفال الشوارع، أنهم مفتقدون للحب في المنزل، وفي أقسام الشرطة، وفي مؤسسات الإيواء التي سرعان ما يهربون منها لغياب الحب، وكذلك فيمن يقابلونهم يوميا في الشارع، في حين أن هذا الطفل يبحث عن نظرة حب في عيون الجميع ولكنه لا يجد سوى القسوة وأبشع صور الاستغلال.
وتابع «لو فكرنا جميعاً أن نسأل هذا الطفل عن أحواله في دقيقة، بدلاً من أن نعرض عنه أو نلقي له بالنقود غير مبالين به، سيشعر وقتها بجزء من الحب الذي لا يجده إلا مع أصدقائه في الشارع». ويضيف أبو النجا قائلاً «إن الطفل لا يحب إلا الشارع وهذا سر فشل المحاولات الكثيرة في القضاء على الظاهرة، ونتمنى أن يعامل الطفل كضحية لا كمجرم، فيجب أن يعامل في أقسام الشرطة كمجن عليه لا جان».
وطالب أبو النجا بضرورة وجود مساحة أكبر من توعية أطفال الشوارع بحقوقهم في التعليم، والرعاية الصحية، وشهادة الميلاد والأوراق القانونية التي تمكنهم من ممارسة حقوقهم كأطفال طبيعيين.
كيان قانوني
ومن جانبه، يؤكد عضو المجلس القومي للطفولة والخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية الدكتور كمال مغيث، على أن أول وأخطر وأهم تحد يواجه الطفولة في الوطن العربي هو أن الوطن العربي لا يعرف ما يسمى بمؤسسة الطفولة، ففي البلاد المتقدمة الطفولة مؤسسة حيث ينشأ الطفل ككيان قانوني كامل ويعيش في مؤسسة قانونية كاملة تسمى مؤسسة الطفولة وهذا الكيان الكامل له حقوق يحصل عليها بالضرورة، والدولة مثلما هي مطالبة برعاية المؤسسات التعليمية والأمنية والتشريعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من المؤسسات فهي أيضا مطالبة برعاية مؤسسة الطفولة، ومثلما أن الدولة عليها أن تراعي القواعد والقوانين التي تنظم عمل هذه المؤسسات المختلفة.
وأضاف «انه للأسف الشديد فإن هذا الكلام حول مؤسسة الطفولة بعيد كل البعد عن واقع الطفولة في الوطن العربي والوضع الحالي لا يعرف أي شيء عن تلك المؤسسة»، مشيرا إلى أن مؤسسة الطفولة في الوطن العربي أقرب ما تكون مؤسسة للتوالد والتناسل وحفظ النوع لا فرق فيها بين البشر وغيرهم من الكائنات الأخرى، ويكون الأطفال في الغالب الأعم محطة لإحباطاتنا وأوهامنا، وهذا هو الخطر وهذا التحدي هو ما يترتب عليه باقي التحديات والمخاطر التي تواجه الطفولة في الوطن العربي.
وأشار إلى أن الظاهرة الأخطر في هذا السياق هي أن الطفل في الأسرة غير معترف به ككيان مستقل وهو دائما محط إحباطات الأسرة وأوهامها ومشاكلها وأفكارها وتوجهاتها بغض النظر عن الطفل نفسه ورغباته وأحلامه وطموحاته وميوله، وذلك ابتداء من اختيار اسم الطفل الذي ربما يجلب الكثير من المشاكل والسخرية ويتسبب في الكثير من المشاكل النفسية للطفل ومرورا باختيار الملبس والمأكل وإجباره على اختيار مسار تعليمي محدد حتى لو كانت ضد ميوله وأحلامه وتظل الأسرة تقمع الطفل وتسوقه «كالبهيمة» لتحقيق أحلامها وطموحاتها هي وليس أحلامه وطموحاته هو، وهذا طبعا في أحسن الأحوال. ولفت مغيث الانتباه أيضا إلى الأساليب التربوية المتبعة والنظرة للأوضاع وإجبار الطفل على اتباع نفس النظرة وغياب النقاش والحوار بين الآباء والأبناء، مشيرا إلى أنه لا يوجد طفل في مكان محترم يحدد له الآخرون كل شيء مأكله، مشربه، ملبسه، تعليمه، لعبه وإلى غير ذلك. ونوه إلى أن الطفل بطبيعة الحال هو أضعف فئات المجتمع.
انعكاسات خطيرة
وبدورها، نبهت أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر الدكتورة سامية الجندي، إلى الانعكاسات السلبية الخطيرة لطرق التعاطي والتعامل مع الطفولة وقضاياها في إبراز عدد من المثالب والظواهر السلبية للطفولة في الوطن العربي، لعل من أهمها التسرب من التعليم خاصة في ظل حالة التعليم المتدهورة والذي يلبي طموحات ضيقة الأطر في ظل حكومات لا تنظر سوى تحت أقدامها تحدد ميزانيات ضئيلة ومحدودة لقطاع التعليم وهو ما لا يساعد على تطور النظم والعملية التعليمية.
وتابعت «هنا تظهر حجم المأساة الحقيقية التي يعاني منها الأطفال في عالمنا العربي ويؤدي بطبيعة الحال إلى التسرب من التعليم، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك المستوى العائلي الاقتصادي المتواضع وإقدام الآباء على إخراج أبنائهم من المدارس وإلحاقهم بسوق العمل مبكرا في ظل عدم وجود قوانين تمنع وتجرم ذلك، وكذلك سيطرة بعض الأفكار المتخلفة والتي يفضل فيها الآباء عدم تعليم بناتهم».
وحول انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في الوطن العربي، قالت «إن هذه الظاهرة تنتشر في الاقتصادات الهشة وهي غير شرعية وغير قانونية»، لافتة إلى أن دولا كثيرة من الدول المتقدمة تشترط عند استيراد سلع أن يوضع عليها «تيكت» يقول إن هذه السلع لاتستخدم الأطفال وذلك لعلمهم بأن الأطفال يُستخدمون في الاقتصادات الفقيرة لانخفاض أجورهم.
وحذرت من الآثار النفسية الخطيرة للظواهر السلبية الناتجة عن الأخطاء الجسيمة التي ترتكب في حق الطفولة العربية على الأطفال العرب وما يمكن أن يترتب على ذلك من ظهور أمراض نفسية تترسخ في نفوس الأطفال وتستمر معهم في مراحل متقدمة في حياتهم وتؤثر على توجهاتهم العملية والأسرية وتؤثر بشكل كبير على تعاملاتهم وأوضاعهم الاجتماعية والنفسية.
القاهرة ـ سباعي إبراهيم

