بينما ترى دوائر واسعة في مراكز صنع القرار الأميركية أن هيمنة الولايات المتحدة على عالم اليوم، تتأكد عبر نظام عالمي وحيد القطب، يرى الروس أن لأميركا مكانة خاصة في عالم متعدد الأقطاب.
وبعد فشل المغامرة العراقية.. أول واشنطن إعادة نسج علاقات التحالف مع أوروبا بل وتعزيزها عبر الحلف الأطلسي. هذا وقد بدا أن وصول انجيلا ميركل في ألمانيا ونيكولا ساركوزي في فرنسا للسلطة قد جاء داعما للمصالح الأميركية ولحضورها في القارة القديمة. بالمقابل ترى روسيا في توسيع إطار الحلف الأطلسي حتى تخومها القريبة خطرا مهددا، بل و«خطا أحمر» بالنسبة لحالتي أوكرانيا وجورجيا. كما ترى أن مشروع نشر منصة صواريخ دفاعية مضادة للصواريخ وشبكة رادارات في أوروبا الشرقية موجها ضدها. ما تبحث عنه أميركا أن يقوم الروس بإضعاف بلادهم وإرغامها على التساهل فيما يتعلق بمصالحها الوطنية. وهذا يمثل بنظرهم أحد التوجهات الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية على وجه العموم.
* هل يمكن التفكير أن إستراتيجية السياسة الخارجية الأميركية هي بصدد محاولة التصويب بعد فشل العملية العسكرية في العراق؟ ـ يسأل بريماكوف ويجيب: «أعتقد ذلك». ـ ثم يشرح أن الأمر لا يتعلق برفض استخدام القوة في السياسة الخارجية مع أنه لا يمكن إهمال أعراض الحالة العراقية. بل إن الأمر يتعلق بالأحرى بالميل إلى خلق وضع أكثر ملاءمة للعب الولايات المتحدة دورا مهيمنا في العالم الراهن. لكن تتم ملاحظة أن النخبة الأميركية القائدة للسياسة الخارجية لا ترى، كما يبدو جيدا، الفرق بين المكانة الخاصة للولايات المتحدة في نظام عالمي متعدد الأقطاب وبين نظام عالمي وحيد القطب، لكنه لم يعد موجودا. لقد قامت واشنطن بالمغامرة العراقية منفردة. وبعد فشلها تركزت مساعي واشنطن على العودة إلى وضع التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين مثلما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة.
لكن لا شك أن أوروبا أُصيبت بخيبة أمل من إدارة جورج دبليو بوش أكثر من أية منطقة أخرى في العالم. وكانت فرنسا وألمانيا، المحرّك الأساسي في أوروبا، قد عارضتا بشدة الحرب والاحتلال الأميركي للعراق، كما كان فلاديمير بوتين قد انضمّ إلى بيان غيرهارد شرودر وجاك شيراك اللذين كانا على رأس الحكم في بلديهما. ولا شك أن علاقات تاريخية وثقافية كثيرة تربط بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، تعززت إثر مشاركة أميركا بالحرب العالمية الثانية. وفي زمن الحرب الباردة نشرت واشنطن «مظلّة نووية» فوق أوروبا الغربية التي دخلت في الحلف الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن الانتقال إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب أدى إلى إفلاس مفهوم الكتل. مع ذلك صبّ وصول انجيلا ميركل في ألمانيا ونيكولا ساركوزي في فرنسا إلى السلطة باتجاه خدمة مصالح واشنطن. ومنذ البداية أكدت السيدة ميركل أن إحدى أولوياتها العليا تكمن في تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. وما أن أصبح ساركوزي رئيسا حتى ذهب لقضاء «عطلة» في ربوع أميركا.
الدفاع الصاروخي الأميركي
تلحّ الولايات المتحدة في القول: إن أوروبا الشرقية هي المكان الأمثل لصد الصواريخ الإيرانية. وهنا يتساءل بريماكوف عن الحكمة في نصب هذه الصواريخ في منطقة بعيدة مثل أوروبا الشرقية؟
ويشير إلى أنه في نهاية شهر يوليو- من عام 2008 عقد وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك أثناء زيارته واشنطن اتفاقا تنصب بموجبه الولايات المتحدة إداراتها المضادة للصواريخ في إسرائيل بحيث يستخدمه البلدان.
وما يؤكده بريماكوف هو أن مشروع نصب منظومة دفاعية مضادة للصواريخ بالقرب من الحدود الغربية لروسيا هي موجهة بالأحرى ضدها. خاصة أن موسكو اقترحت إنشاء منظومة دفاع جماعية تشارك فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا.
ثم إن مثل هذا المشروع ينضوي ضمنا على خطر العودة إلى ممارسات فترة الحرب الباردة عندما كان جرّ الاتحاد السوفييتي إلى سباق للتسلح .. يتطلب إمكانيات تفوق قدراته وكان أحد السبل التي استخدمتها واشنطن من أجل إنهاكه وإضعاف مواقعه على الصعيد الاجتماعي-الاقتصادي.
ويشير بريماكوف في هذا السياق إلى اقتراح الرئيس الروسي ميدفيديف بخلق تحالف دفاعي كبير على أساس أن الأمن مطلب للجميع وينبغي أن يقوم الجميع بضمانه. وهذا ما قابلته وسائل الإعلام الغربية سريعا بردود أفعال سلبية عديدة على أساس أنه قد يعني إقامة تحالف جديد يحل محل الحلف الأطلسي.
بل وينقل المؤلف في هذا الصدد تصريحات لمسؤولين أميركيين تصب في خانة القول: إن مسألة نصب، أو عدم نصب، منظومات مضادة للصواريخ في أوروبا، إنما هي مسألة داخلية ولا يحق لروسيا الإدلاء بصوتها عندما يتعلق الأمر بالمسائل الداخلية للحلف الأطلسي.
توسيع الحلف الأطلسي
يرى بريماكوف أن توسيع إطار الحلف الأطلسي «الناتو» يشكّل بوضوح تعبيرا عن إرادة الولايات المتحدة إعادة نظام الكتل. ثم إن الأعضاء الجدد لهذه المنظمة «الموسّعة» هم أكثر طاعة من الأعضاء القدامى.
ويُبدي المؤلف عدم قناعته بإمكانية أن يسمح هؤلاء «القدامى» لواشنطن ببناء قواعد فوق أراضيهم بحيث يتواجد فيها جنود أميركيون بصفة دائمة.
والبلدان التي انضمّت حديثا للحلف الأطلسي لا تنتقد أبدا سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. الانتقادات الوحيدة صدرت، ويمكن أن تصدر، من بلدان أوروبا الغربية على العموم لكن هذا لا يمنع واقع أن بولندة واستونيا ولتيوانيا وليتوانيا ترفع صوتها احتجاجا ضد «التدخل الروسي» الذي يهدد بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة أو بعض بلدان حلف وارسو السابق.
ويرى بريماكوف أن سعي الولايات المتحدة لدمج أعضاء جدد في الحلف الأطلسي، هدفه التخفيف من الميل نحو «جعله أوروبيا».
وينقل عن المستشار الألماني السابق قوله بلا مواربة إن صعوبات الوصول إلى سياسة خارجية وسياسة دفاعية أوروبية موحّدة تعود إلى «دمج الدول التي دخلت حديثا إلى الاتحاد الأوروبي»، ثم إن الحلف الأطلسي الذي قام أصلا كمنظّمة إقليمية مهمتها ضمان أمن حلفاء أميركا في القارة الأوروبية.. أدت عملية توسيعه إلى إيقاع متسارع في زيادة المجال الذي توجد فيه القوات الأميركية.
كل ما استطاعت روسيا التوصّل إليه من أجل التخفيف من النتائج السلبية لتوسيع الحلف عليها هو الوصول أثناء المباحثات حول «الميثاق التأسيسي» الذي جرى النقاش حول مع روسيا في باريس عام 1997 .. إلى منع نصب أسلحة نووية أو تخزينها أو إقامة منشآت من أجل تخزينها على أراضي الدول الجديدة التي انضمّت للحلف الأطلسي. وكذلك منع إقامة قواعد دائمة يتواجد فيها عدد كبير من القوات فوق أراضيها. جميع بلدان الحلف الأطلسي وروسيا وقعت على هذا «الميثاق التأسيسي». مع ذلك لم تمض سنوات قليلة حتى نشرت الولايات المتحدة 5000 جندي أميركي في كل من بلغاريا ورومانيا. احتج بعض الغربيين على اعتراض روسيا بالقول: إن 5000 جندي «لا يمثل عددا كبيرا من القوات».
هنا يسأل بريماكوف لماذا يطالبون إذن بسحب الألفي جندي روسي الذين جرى إرسالهم إلى ترانسينستريا للقيام بحراسة ترسانة كبيرة من الأسلحة؟
نوايا إسرائيل
واليوم لم يعد يتم اعتبار البلدان الأوروبية أو تلك الواقعة على التخوم بين أوروبا وآسيا بمثابة أعضاء «ممكنين» في الحلف الأطلسي. ففي إسرائيل مثلا جرى إنشاء لجنة حكومية مهمتها إعداد توجيهات للارتباط مع الحلف الأطلسي. ومن المعروف أن قادة إسرائيل يدرسون منذ فترة طويلة إمكانية أن تصبح عضوا في الحلف الأطلسي، دون أن يعترفوا بذلك صراحة.
ويروي بريماكوف أنه التقى سرّا عام 1971 بناء على تعليمات القادة السوفييت برئيسة وزراء إسرائيل آنذاك جولدا مائير ووزير الدفاع موشي دايان اللذين نفيا نفياً قاطعاً نيّة الانضمام إلى الحلف الأطلسي بينما كان السوفييت يعرفون جيدا أن ممثلين للحكومة الإسرائيلية كانوا يبحثون تلك الإمكانية أثناء لقاءات في واشنطن.
وبسبب النزاع مع العرب، رفضت الولايات المتحدة آنذاك أن تصبح إسرائيل عضوا في الحلف الأطلسي. لكن يبدو أن الأمور أصبحت أسهل في الظروف الراهنة.
أما بالنسبة للسياسة الأميركية باتجاه روسيا، فإن عملية توسيع إطار الحلف الأطلسي المقصود منها هو إضعافها والحد من قوتها بحيث تصبح أكثر ليونة فيما يتعلق بمصالحها الوطنية.
وبعد الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تأخذ في اعتبارها الموقف السلبي جدا لروسيا فيما يتعلق بقبول الجمهوريات السوفييتية السابقة كأعضاء في الحلف الأطلسي، يؤكد بريماكوف أنه قال مرات عديدة، عندما كان وزيرا للخارجية، لوزيرة الخارجية الأميركية مادلين اولبرايت إن قبول الجمهوريات المعنية يشكل «خطا أحمر» بالنسبة لروسيا. وكانت الإجابة أنه ليس هناك ما يسمح بافتراض أن ذلك سيحدث في القريب العاجل. لكنه مع ذلك حدث.
ويبقى «الخط الأحمر» الذي يبدو أن روسيا لن تسمح باجتيازه هو انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف الأطلسي. فهذا الانضمام، إذا حدث، سيثير خصومة حقيقية على صعيد العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة. كما يعني مباشرة تخلّي روسيا عن إنتاج بعض مكوّنات صناعتها العسكرية فوق الأرض الأوكرانية. هذا فضلا عن أنه سيثير انقسام الشعب الأوكراني إلى فئتين متناحرتين حيث يؤكد بريماكوف أن الأغلبية لا تؤيد انضمام بلادهم للحلف الأطلسي. والأمر شبيه بذلك إلى حد كبير بالنسبة لجورجيا.
المؤلف في سطور
شغل يفجيني بريماكوف مؤلف هذا الكتاب، منصب رئيس وزراء روسيا ووزير خارجيتها وكان قد ترأس مجلس السوفييت الأعلى في عصر الاتحاد السوفييتي. وعمل مديرا لجهاز الاستخبارات السوفييتي.
ويعمل الآن رئيسا لغرفة تجارة وصناعة روسيا وهو أحد أعضاء مجلس رئاسة أكاديمية العلوم الروسية.
وعلى الصعيد الأكاديمي، كان ايفجيني بريماكوف مديرا لمعهد الدراسات الشرقية ولمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو. وهو يتابع نشاطاته العلمية والسياسية على مختلف الأصعدة.
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2009



