تمثل مسألة الطاقة احد الرهانات الأساسية للسياسة الخارجية الروسية، وغالبا ما تقدّم واشنطن أوروبا كضحية نتيجة لـ «تبعيتها» الكبيرة لروسيا في مجال البترول والغاز.
المؤكّد هو أن أوروبا بحاجة للغاز والبترول الروسيين، وكذلك الأمر بالنسبة لبلدان «مجموعة الدول المستقلة»، وخاصة اوكرانيا وبيلوروسيا ومولدافيا. من المؤكّد أيضا أن روسيا تعتمد بصورة حيوية على الريع من النفط والغاز من أجل تنميتها واستعادة موقعها على المسرح الدولي. وإذا كانت روسيا تهتم بالسوق الأوروبية لتصدير مواردها من الطاقة لاعتبارات اقتصادية أولا وأساسا، فإن هناك أيضا اعتبارات سياسية لاهتمامها بأوروبا وبتحديد سياستها بمجال الطاقة حيالها. إنها تريد عبر هذا المجال «مد الجسور» مع الاتحاد الأوروبي مما قد يفتح لها آفاقا واعدة واسعة. لكن الولايات المتحدة تحاول أن تعيق قيام مثل هذا التقارب، هذا فضلا عن سعي بعض الدوائر في مراكز القرار فيها تسعى لإضعاف روسيا، وريثة الخصم التاريخي السابق «الاتحاد السوفييتي».
في مطلع شهر نوفمبر من عام 2007، قالت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في مقابلة لها مع صحيفة «دالاس مورنينخ نيوز» بتكساس ما مفاده أن التحدي الرئيسي الذي تواجهه روسيا في علاقاتها مع العالم الخارجي هو سياستها على صعيد الطاقة. هذا ما ينقله مؤلف هذا الكتاب ثم يضيف أن زبيغنيو برجنسكي وجورج سوروس قالوا كلاما مشابها. هؤلاء الثلاثة يمثلون «عيّنات» من عالم السياسة والاقتصاد الأميركي. ويتم غالبا في أميركا تقديم أوروبا كضحية تحاول روسيا الضغط عليها عبر التحكّم فيها بميدان الطاقة، ويتم أحيانا تقديم بلدان الجوار الروسي من الجمهوريات السوفييتية السابقة بثوب الضحية أيضا حيث تحاول روسيا إخضاعها لسلطتها عبر التلاعب بـ «صنبور الطاقة».
بعد هذه الملاحظات يؤكد بريماكوف أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى البترول والغاز الروسيين وهو يستورد كميات كبيرة منهما في الوقت الراهن. ولا شك أن ضرورة اللجوء إلى استيرادهما سوف تزداد. وتدل توقعات الوكالة الدولية للطاقة أن استهلاك مواد الطاقة في بلدان الاتحاد الأوروبي بأفق عام 2030 سيزداد بنسبة 7 بالمئة سنويا مقابل نمو عام في إجمالي الإنتاج الداخلي بنسبة 9,1 بالمئة سنويا. ومن المتوقع حدوث زيادة كبيرة في استهلاك الغاز خاصة ببلدان من الاتحاد الأوروبي حيث يتضاعف هذا الاستهلاك ما بين عام 2000 وعام 2030، وهذا يستدعي زيادة الواردات بأربعة أضعاف خلال نفس الفترة. وهناك عدد من بلدان «مجموعة الدول المستقلة»، أي اوكرانيا وبيلوروسيا ومولدافيا وارمينيا وجيورجيا التي خرجت من هذه المجموعة تحتاج إلى البترول والغاز الروسيين. والسؤال الذي يطرحه المؤلف هو؟ هل تراهن روسيا حقيقة على استخدام تفوّقها على صعيد الطاقة كسلاح سياسي؟
السياسة الروسية
روسيا بلد غني بموارد الطاقة، وهي أحد البلدان الرئيسية في العالم على صعيد استخراج الغاز والبترول. وهناك عدد من العوامل الخاصة التي تلعب دورا في تحديد سياستها في ميدان الطاقة. لكن الغربيين لا يأخذون هذه العوامل دائما بالحسبان.
العامل الأول أنه رغم الطلب الداخلي المتزايد على موارد الطاقة فإن للبلاد مصلحة حيوية في تطوير صادراتها من البترول والغاز. ذلك أن هذه الصادرات توفّر أكثر من 50 بالمئة من مداخيل الميزانية الفدرالية الروسية- وأكثر من 70 بالمئة من قيمة جميع الصادرات ومن العائدات بالعملة الصعبة و100 بالمئة من مصادر الاحتياطي النقدي.
والعامل الثاني هو أن البترول والغاز يتم استخراجهما حاليا من حقول جرى اكتشافها أثناء الحقبة السوفييتية في المناطق الغربية من سيبيريا. وبسبب النضوب التدريجي لمخزوناتها لا بد من استثمار حقول جديدة «من الصعب الوصول إليها» في شرق سيبيريا وحقول منطقة بحر قزوين أيضا لزيادة الكميات المستخرجة المكرّسة للتصدير.
والعامل الثالث هو أن الموقع الجغرافي للحقول الرئيسية التي يتم اليوم استخراج البترول والغاز منها يجعل من أوروبا السوق الأفضل للصادرات الروسية ولأسباب اقتصادية بحتة. وأهمية هذا السوق الأوروبي سوف تستمر لعقود لاحقة أيضا رغم بروز أسواق أخرى مثل الصين واليابان وكوريا والولايات المتحدة.
العامل الرابع هو أن روسيا، عبر تسويق بترولها وغازها في بلدان خارجية يجعلها بالضرورة تسير باتجاه التكامل مع اقتصاد السوق. وبالتالي ترفض خفض سعر مواد الطاقة الموجهة لبلدان الجوار على أساس قربها الجغرافي فقط. هكذا سوف يتم التعامل مع هذه البلدان بسعر السوق وبشكل كامل في أفق عام 2011.
والعامل الخامس هو أن روسيا لا تنجز بصورة معزولة عمليات التنقيب والاستخراج والنقل لبترولها وغازها، بل هناك مساهمين أجانب. هكذا مثلا قامت مجموعة «غاز بروم» الروسية بدعوة مجموعة «توتال» الفرنسية ومجموعة «ستاتويل-هيدرو» النرويجية للمساهمة معها في تحسين آليات استثمار حقل غاز ستوكمان، الأغنى في العالم. ويتمثل الخط الإستراتيجي لروسيا في هذا الميدان باستقبال التقنيات المتقدمة والخبرة والاستثمارات والاستعداد للتعاون مع الشركات الأجنبية التابعة للقطاع العام أو للقطاع الخاص.
والعامل السادس والأخير يكمن في كون أن الدولة عززت من مساهمتها في قطاع الغاز والبترول. ولم تقم بفرض شروط تشجع نشاط الشركات الخاصة في هذا القطاع فحسب، ولكنها تحتل مواقع أساسية في عملية استخراج ونقل البترول والغاز.
حدثان كبيران
ويحدد بريماكوف عام 2006 كـ «نقطة مفصلية»، ذلك أن تلك السنة شهدت حدثين كبيرين كان لهما تأثيرهما على علاقات روسيا مع شركائها الأجانب على صعيد الطاقة وأثارا موجة كبيرة من النقد لسياساتها على هذا الصعيد:
الحدث الأول كان وصول النزاع إلى قمته مع اوكرانيا بخصوص منطقة مرور خط أنابيب الغاز المكرّس لتصدير الغاز الروسي إلى أوروبا الوسطى.
والحدث الثاني كان أزمة العلاقات مع المجموعة الأجنبية المشرفة على مشروع «ساخالين-2». والمقصود هو محاولة مماطلة هذه المجموعة من أجل تأجيل تطبيق الاتفاق باقتسام ريع البترول المستخرج من هذا الحقل مناصفة، أي بنسبة 50-50. لكن الغرب حاول تقديم المسألة على أنها أحد مظاهر السياسة الروسية الرامية إلى الحد من مساهمة الاستثمارات الأجنبية في قطاع مصادر الطاقة. ويسأل بريماكوف: ألا يحق لروسيا الاهتمام بأمنها على صعيد الطاقة؟
موقف متماسك
بعد أن يؤكد المؤلف أن الأسباب الرئيسية لاهتمام قطاع الطاقة الروسي بأوروبا تعود لأسباب اقتصادية .. يشير إلى أنه من غير الدقة نفي الأسباب السياسية المؤثّرة على توجّه روسيا في هذا القطاع. لكن ما هي هذه الأسباب؟
يشرح مؤلف الكتاب بريماكوف أنه بعد الحرب العالمية الثانية كانت بلدان أوروبا الشرقية تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي بينما اتجه القسم الغربي من القارة نحو الولاء لأميركا.
مع ذلك برزت دعوات لتحقيق وحدة أوروبا، لم يكن أقلّها أهمية تلك التي أطلقها الجنرال ديغول لإقامة أوروبا موحّدة من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال.
وبعد نهاية الحرب الباردة بقي الجزء الأكبر من أوروبا الغربية في إطار الحلف الأطلسي واندمج داخل الاتحاد الأوروبي. وحاولت روسيا بنفس الوقت «مدّ الجسور» باتجاه هذا الاتحاد على أساس أنه قد يفتح أمامها إمكانيات واعدة جديدة.
ولا يستبعد بريماكوف أن روسيا نفسها لم تكن ضد الدخول هي نفسها في إطار الاتحاد الأوروبي، ولكن هذا أمر لا يمكن تحقيقه. ذلك أن المشرفين على تنظيم هذا الاتحاد يخشون أنها، إذا لم تسحقه بأبعادها، فسوف تخلق على الأقل «مركزين». ثم إن الوضع الذي خلقه الحلف الأطلسي وضع عقبة أمام تقارب روسيا مع بقيّة أوروبا.
في سياق مثل هذه الظروف يمكن صياغة نموذج .. موديل.. للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي. وهذا يشكّل أيضا أحد أولويات السياسة الخارجية الروسية. بل ويشكل المكوّن السياسي لنهج روسيا على صعيد الطاقة من حيث توجيهها نحو أوروبا. ويؤكّد بريماكوف في هذا الإطار القول أن الأمر لا يتعلّق أبدا بجعل الاتحاد الأوروبي تابعا للغاز والبترول الروسيين وتقييده بروابط مع روسيا. ولكن بالأحرى خلق مجال وحيد للطاقة يضم جميع الشركاء ومما سوف يساهم في التقدّم نحو «أوروبا الموحّدة».
الموقف الاميركي
لكن كيف ترى الولايات المتحدة هذا كله؟
يسأل بريماكوف. ويجيب أنه من الواضح دعمها لبناء منظومة لتزويد أوروبا الوسطى بالبترول والغاز انطلاقا من حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى بحيث يتم تجنّب روسيا.
ومن خلال التعرّض لمختلف مشاريع خطوط أنابيب نقل البترول والغاز في المنطقة يصل المؤلف إلى القول ان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتابعون التصرّف بطريقة «سلبية» حيال المصالح الإستراتيجية الروسية في مجال الطاقة.
بالمقابل يتم التأكيد أن روسيا ليست في موقع الضعيف، فجوف أرضها يضم حوالي 30 بالمئة من احتياطي الغاز في العالم. وكانت إيران، التي تمتلك حوالي 15 بالمئة من هذا الاحتياطي قد اقترحت إنشاء «اوبك» للغاز، ودعوة بلدان آسيا الوسطى للانضمام إلى هذه المنظمة.
ومثل هذا الاقتراح ستكون له آثاره الكبيرة إذا تحقق في سياق المواجهة على صعيد الطاقة، خاصة أن معطيات وزارة الطاقة الأميركية تشير إلى أن استهلاك الغاز الطبيعي سوف يزداد بنسبة 40 بالمئة في البلاد بأفق عام 2025.
وفي المحصلة يؤكد بريماكوف أن روسيا لا تبحث أبدا عن مواجهة مع الولايات المتحدة ومع الغرب، ولكنها تبحث بالأحرى عن تعاون عادل ومفيد للطرفين في ميدان الطاقة. ويمكن أن يصل الأمر إلى حد إيجاد «وحدة في مجال الطاقة» مع الاتحاد الأوروبي. وتتم الإشارة أيضا إلى أن الحوار الروسي الأميركي في هذا المجال الذي جرى تبنيه خلال شهر ابريل 2008، يمكن أن يفتح آفاقا واسعة حقيقية.
ومثل هذه التوجهات يمكن أن تكون مفيدة لجميع الأطراف، بل وللعام كله. كما يشير بريماكوف ثم يضيف أن مثل هذه التوجهات خرّبتها رغبة بعض الدوائر في واشنطن التي لا تبحث عن إضعاف روسيا فحسب، ولكن خلق العقبات أمام تقاربها مع الاتحاد الأوروبي.
و«أخشى أن تصبح هذه النقطة الأخيرة إحدى التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة»، كما يكتب المؤلف في جملة أخيرة له بخصوص مسألة الطاقة.
المؤلف في سطور
شغل يفجيني بريماكوف مؤلف هذا الكتاب، منصب رئيس وزراء روسيا ووزير خارجيتها وكان قد ترأس مجلس السوفييت الأعلى في عصر الاتحاد السوفييتي. وعمل مديرا لجهاز الاستخبارات السوفييتي.
ويعمل الآن رئيسا لغرفة تجارة وصناعة روسيا وهو أحد أعضاء مجلس رئاسة أكاديمية العلوم الروسية.
وعلى الصعيد الأكاديمي، كان ايفجيني بريماكوف مديرا لمعهد الدراسات الشرقية ولمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو. وهو يتابع نشاطاته العلمية والسياسية على مختلف الأصعدة.
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2009



