القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بعد مكة والمدينة ، مسرح النبوات، وزهرة المدائن ، مهبط الديانات السماوية، وأعظم مدن العالم قداسةً، شهدت معراج الرسول محمد (ص) وقيامة المسيح عليه السلام، وهي رمز التسامح والمحبة، وموضع أنظار البشر منذ أقدم العصور.. وهي الموقع الذي ترنو إليه جميع الأمم والحضارات، وتحاول الاستيلاء عليه.. هوجمت وحوصرت ما لا يقل عن خمس وعشرين مرة، ولكنها صمدت في وجه جميع محاولات تغيير خصائصها وحيويتها.
وما يقال عن القدس من أنها غير عربية، وتاريخها يرجع إلي اليهود، كلام مغلوط، لأن هناك وثائق وصورًا تؤكد عروبتها، وأن العرب المسلمين لهم الأحقية فيها، وهذا ما أكده الدكتور رأفت النبراوي، عميد كلية الآثار جامعة القاهرة سابقًا، أمين عام لجنة أساتذة الآثار. قال النبراوي، في الندوة التي عُقدت بصالون غازي الثقافي، تحت عنوان «القدس عربية»، إن القدس عاصمة الثقافة العربية، ومعظم حكامها كانوا من العرب ولهم شعائرهم الدينية في المدينة، سواء إسلامية أو مسيحية. وبينما يحاول اليهود طمس القدس الشريف، يؤكد أستاذ الآثار الإسلامية ضرورة أن نمحو ذلك من التاريخ ونعلن أمام الجميع أن هناك وثائق تاريخية أثرية مستمدة من التاريخ الشاهد على هوية القدس وهوية مساجدها وشعبها الذي تعلم في مدارسها وصلى في مساجدها وسهر حارسًا عليها وحافظ على كل ما فيها وهي بذلك ستظل منارة إلى أن تقوم الساعة.
مدينة السلام
وفي نبذة تاريخية عن القدس أضاف النبراوي أن القدس شيَّدها الملك الصادق، أحد ملوك اللوسيين الأوائل عام 3000 ق. م، وهم إحدى بطون العرب في مدينة يوبوس، وخضعت بعد ذلك لحكم فراعنة مصر خضوعًا تامًا عام 1479 ق. م وجاء المصريون القدماء وسموها «أورسالم»، ويلفت إلى أن هذه الكلمة لها شقان هما «أورو» ومعناها مدينة و«سالم» ومعناها السلام، فسموها «مدينة السلام»، ومن هنا اشتقت عبارة «أورشاليم»، وفي ذلك الوقت خرج بنو إسرائيل من مصر 1292 ق. م متوجهين لفلسطين 1250 ق. م واستوطنوها واستولوا عليها وقتلوا 10 آلاف رجل وامرأة من سكانها، ولم يرحموا كبيرًا ولا صغيرًا ثم تخلوا عنها وتركوها تحت ضغط اليبوسيين، وجاء الكنعان في ذلك الوقت وترك اسمها «أورسالم» ولم يغيره وتم تشييد الهيكل المنسوب إليها عام 1007 ق. م
ويواصل النبراوي سرد الحقائق التاريخية الدالة على عروبة القدس بقوله: في عام 18 ق. م رمَّم الإمبراطور الروماني هيرودوس الهيكل، ولكن تاتانيوس خرَّب بيت المقدس وأخلى القدس من بني إسرائيل، وجاء أدرينانوس وأخذ عرش الإمبراطور وعقد العزم على القضاء على اليهود، فشتتهم ودمَّر مدينة القدس بل حرقها تمامًا بما فيها ثم بنى بعد ذلك مدينة إيليا، نسبة للأسرة الحاكمة، ولا توجد بقايا للدولة غير بقايا من هيكل سليمان المزعوم، ولم يتبق لليهود شيء في القدس، مما يجعل مزاعمهم لا تقوم على أساس من الصحة ومزاعم كاذبة.
صخرة الجنة
ومنذ عام 130م الذي شُيِّدت فيه إيليا ظل اسمها يطلق على القدس حتى عام 15 ه. وفي عهد عمر بن الخطاب نالت القدس مكانة خاصة جدًا واهتمامًا من حكامها، لأن بها أولى القبلتين، والصخرة التي عرج عليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة الإسراء والمعراج، كما تطل عظمتها ومكانتها من خلال الأحاديث التي وردت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم ـ فضلاً عن أنها بقعة من بقاع الجنة، وذلك تبعًا للأقوال المنسوبة إليها فقال أنس بن مالك: «إن بيت المقدس من جنة الفردوس وصخرة بيت المقدس من صخور الجنة»، لذلك حظيت باهتمام خلفاء كثيرين خاصة الأمويين والعباسيين.
صلاح الدين الأيوبي
أشار النبراوي إلى أنه في عهد خامس الخلفاء الأمويين عبدالملك بن مروان تم تشييد قبة الصخرة، بالإضافة لأهم الأعمال التي تعتبر شاهدة وناطقة بالحق، حيث سكَّ النقود النحاسية والبرونزية ونقش عليها صوره وسجل عليها مكانته ووظيفته واسم الإقليم التابع له، وآنذاك ظلت القدس خاضعة للحكم الإسلامي في الدولة الطولونية والإخشيدية والأيوبية والسلجوقية وغيرها حتى استولى عليها الصليبيون 492 هـ وظلت معهم إلى أن حررها صلاح الدين الأيوبي بعد انتصاره 582هـ في موقعة حطين، وما فعله الصليبيون عند الاستيلاء عليها يُثير بالأسى، حيث قتلوا أكثر من 70 ألفًا من المسلمين ودماؤهم كانت تسيل في شوارع القدس كماء البحر، في حين أن صلاح الدين عند استرداده بيت المقدس لم يمس يهوديًا ولم يؤذ أحدًا قط بل سمح لهم بالخروج مقابل مبلغ من المال.
يستمر أستاذ الآثار الإسلامية في حديثه عن القدس، مستطردًا أن القدس ظلت في أيدي المسلمين حتي قام الملك الكامل بالتنازل عنها لفريدريك الثاني بموجب معاهدة يافا، إلى أن تم تحريرها على يد الخوارزمية بعد 15 عامًا أي في 642ه، ومنذ ذلك ظلت في يد العرب المسلمين حتى الحرب العالمية الأولى.. ويثبت من ذلك أنه ليس لليهود حبة رمل واحدة، وأن هناك وثائق رسمية لا يمكن الطعن فيها سواء بزخارفها أو كتابتها، وهي النقود.
ويؤكد أنه في تلك العصور كان الحاكم يأمر بنقش اسمه على النقود ويأمر بخطبة الجمعة ويأمر بأن يختم اسمه على شريط الملابس..لافتًا إلى أنه لم يتبق من هذه الوثائق إلا النقود.
محكمة العدل
وفيما يؤكد النبراوي أن محكمة العدل الدولية أقرت لمصر بالحصول على طابا بموجب صورة في مجلة، يتساءل: كيف يتجاهلون 25 وثيقة في المتاحف العربية والإسلامية في العالم العربي وخارجه تبرهن على أن القدس عربية إسلامية، وهي تعد دليلاً أثريًا وماديًا على عروبة القدس؟.. وقال: عندما حاول اليهود أن يجدوا أي دليل مهم جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، بعد أن أكدت نتائج الحفريات بالصوت والصورة أن القدس عربية إسلامية بما لا يدع مجالاً للشك.
انطلاقاً من ذلك يستعرض النبراوي صور 25 وثيقة من النقود عليها علامات ودلائل بأن القدس عربية مائة في المائة، منها نقود عليها صورة الخليفة عبدالملك بن مروان خامس الخلفاء الأمويين، وعليها اسم إيليا من ناحية وفلسطين من ناحية أخري، وأوضح أن الخليفة عبدالملك هو الذي بنى قبة الصخرة وقام بتعريب النقود تعريبًا كاملاً، وظل اسم إيليا يطلق حتى العصر العباسي، وفي هذا الوقت تم تغيير الحكام، وغُيِّر الاسم المنقوش على النقود ونُقش اسم جديد عليها وهو زالقدسس وبالكتابات العربية ذات الصبغة الإسلامية الخالصة.
يشير النبراوى إلى أن هذه النقود عددها 25 فلسًا (23 على اسم إيليا و2 باسم القدس) موزعة كالآتي: 3 قطع بمجموعة بركات القدس وقطعتان بمكتبة باريس وقطعتان بمكتبة الأردن و4 قطع بدار الكتب المصرية و5 قطع بمتحف الآثار الإسلامية بالقدس وقطعة بمتحف الفن الإسلامي وواحدة بهيئة الآثار بالقدس وواحدة عند جورج كيربتين.
شرح النبراوي هيئة وشكل النقود التي تثبت عروبة القدس، التي هي في الأساس لا تحتاج لإثبات أو دليل لكي يراها العالم بأكمله.. مشيرًا إلى وجود قسم من النقود كان يحمل صورة عبدالملك بن مروان وهو فلس من البرونز وعليه السيف وهو علامة من علامات الجهاد الإسلامي، محاطة باسم محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ? بالخط الكوفي البسيط وبها حرف (M) على اليمين وعلى اليسار إيليا، من أعلى لأسفل بفلسطين. وهناك نقود أخرى بنفس الشكل ولكن مضاف عليها محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقسم آخر سجل اسم إيليا في الهامش وبه شكل النخلة، التي ورد ذكرها في أكثر من 20 آية، ويقال إن الصخرة على نخلة من نخيل الجنة وفي شكل آخر رسم النخلة والهلال.
ويشير النبراوي إلى أن العملتين اللتين عليهما القدس كانتا بالخط الكوفي البسيط على الهامش، وضُرب الفلس سنة 217هـ في حكم الخليفة المأمون الذي توفي 218هـ ويوجد منه نسختان، مؤكدًا أن اسم إيليا تغير إلى القدس لتكون أدلة كافية تظهر للعالم بأكمله عروبة القدس وأنه ليس لليهود شبر واحد منها.
وأوضح أن القدس اتخذت ميزة خاصة باحتضانها العديد من الحضارات، التي تكالبت عليها، بالعنف تارة، وبالسلم والهدوء تارة أخرى منذ ما يزيد على ستة آلاف سنة، وأصبح لهذا الاسم رنين مميز لا يعرف التاريخ له مثيلاً، من حيث كونه مستهدفًا كموقع وحضارة وحتى كاسم أيضًا.
وفي نهاية الندوة قال أستاذ الآثار الإسلامية: لن يكون للسرد التاريخي المقتضب أي مغزى للدفاع عن عروبة القدس أو إسلاميتها، فما يحتاج للبرهان يكون عُرضة للشك، فعروبة القدس وإسلاميتها في الوقت نفسه حقيقة ثابتة لا تخضع لوجهات النظر ولا تحتاج للأدلة، والهدف من هذه الفكرة هو مجرد استعراض للتاريخ الذي هو الناطق الأول باسم الأرض. وقد سُميت القدس «قلب فلسطين» وعاصمتها الأبدية، بعشرات الأسماء التي اقترنت بأسماء البناة أو الغزاة، والتي عند استعراضها يتبين أن لها من المدلولات ما يعطيه التاريخ لدارسيه، فهذه الأسماء وردت في وثائق وسجلات عديدة في مختلف أنحاء العالم القديم والحديث، وهذا يؤكد أن مختلف الحضارات تصارعت على القدس، كما يتضح من خلال الأسماء الكنعانية والفارسية واليونانية والرومانية والإسلامية لهذه المدينة المقدسة.

