عرفت الصناعات العراقية الحديثة بأنها من الأعرق في الوطن العربي، حيث نشأت مع قيام الدولة في عهد الملك فيصل الأول، فكانت الصناعات النسيجية التي تنتجها معامل «فتاح باشا» منذ 1926، مثالا في الجودة، والمواصفات العالمية، كما شجع نمو الدولة الحديثة الصناعات العالمية على فتح فروع لها في العراق، كالجلدية، والمشروبات الغازية، والصناعات الغذائية، ومواد البناء، وغيرها.
وشهدت فترة السبعينات من القرن الماضي ازدهارا بحكم الانتعاش الاقتصادي، حيث امتلأت بغداد ومدنها بمكاتب الشركات الأجنبية ، وتوزعت المشاريع بين الخدمية والإنتاجية، «التجميعية بشكل خاص»، مثل مصانع إطارات السيارات ومعامل الألبسة الجاهزة وصناعات الدواجن وأسطول الشركة العامة لصيد الأسماك ، وصناعة تجميع السيارات والساحبات وشركة الصناعات الالكترونية، وبدت الحال وكأن البلاد على السكة الصحيحة، إلا أن الأمر لم يدم طويلا، حيث وضعت الخطط لحرب ضروس دامت ثماني سنين، خرج خلالها من الخدمة في الصناعة والتجارة الآلاف، ليجدوا أنفسهم على خطوط النار.
وحسب المحللين الاقتصاديين، كانت المشاريع الكبرى توشك على الانتهاء من تشييدها، ولكن بعض الشركات تركت العمل أول الحرب، إلا أن الكثير من الصناعات المتقدمة استمرت، وكانت علامة «صنع في العراق»، من المنتوجات المفضلة على الصناعات الأجنبية.
ومع ذلك، كان من نتاج الحرب إنشاء هيئة التصنيع العسكري، التي هرب إليها الكثير من الشباب طمعا في فرصة الحياة التي فقدها الكثير منهم، إذ وفرت هذه الصناعات معرفة للكثير في مجالات استعمال التكنولوجيا الحديثة والتعامل معها.. فكان هنالك جيش من التقنيين في مجالات الكهرباء واللحام والالكترونيات والإنشاءات وغيرها.
وأخيرا جاءت مرحلة الاحتلال.. لا احد يدري لماذا تصرف الأميركان هكذا عندما غزوا العراق، وكان المتوقع أن تكون الأمور أحسن، لو أنهم أدركوا بعد دخولهم إلى بغداد أن ما سمعوه ورأوه نقلا عن صور وأحداث لا تنطبق مع ارض الواقع والأحلام، حيث قاموا بفتح مؤسسات الدولة ومصانعها، وحتى الأماكن الملوثة إشعاعيا، لتنهب وتحرق منهجياً.
وبهذا الضياع أصبح الطريق سالكا أمام دول الجوار لتفتح أسواقها، ولتنافس صناعاتها الصناعة الوطنية، بعد أن طال العنف أصحابها تجارا وصناعيين، خطفا وقتلا.. بينما يقضي العمال المهرة يومهم في شرب الشاي ومناقشة قضايا الأحزاب والطوائف والتلون السريع في المشهد السياسي.. جيش من التقنيين المهرة من منتسبي هيئة التصنيع العسكري أصبحوا مطاردين لأنهم بحثوا عن الرزق، بعيدا عن الحروب، إلى هذه المؤسسة التي لم تكن يوما ملكا لأحد.
وهكذا، كان المستفيد الأكبر من إهمال الصناعة العراقية والوصول بها إلى ما وصلت إليه هم البعض من المستوردين وتجار المناسبات واغتنام الفرص، ومن يقف وراءهم ويدعم استمرار استغلالهم، لخلو الساحة العراقية من المنتجات المحلية، حيث يسود الاعتقاد بان وراء تدمير الصناعة الوطنية أطراف خارجية لا تريد الخير للعراق، ويهمها تكريس واستمرار الواقع الصناعي المتدهور، وبالتالي بقاء العراق بلداً ضعيفاً ومتخلفاً غير قادر على الإنتاج والاستمرار، كونه بلداً مستوردا لأبسط مقومات حياته ومتطلباتها.
وحسب المحللين الاقتصاديين، فان منتجات الصناعة العراقية تربعت لعقود عدة على المعروض من السلع في أسواق العراق، مستحوذة على اهتمام وثقة المستهلك العراقي، لأنها وان كانت تجميعية في معظمها، إلا أنها اعتمدت على أرقى المناشئ والمواصفات العالمية، لذا استطاعت المصانع والمعامل المحلية توفير المواصفات والخصائص التي تميزها بالكفاءة والأداء الجيد، وكانت عبارة «صنع في العراق» تعني في دلالتها الجودة والقوة والصناعة الفاخرة التي توازي الإنتاج العالمي.
ويقول عضو اتحاد الصناعات الوطنية فؤاد محمد: لقد عانى القطاع الصناعي من الاضطهاد والتعسف، فبعد سقوط النظام توقفت معظم المعامل والمصانع، فضلا عن فتح الحدود أمام تدفق البضائع والسلع الأجنبية، وهذا بطبيعة الحال ينعكس على وضع الصناعة الوطنية لدخول سلع وأجهزة رخيصة الثمن، ولكنها رديئة، وهو ما يجعل المواطن يفضل الأجهزة الرخيصة لكثرة حرمانه من أن يرى تلك الأجهزة إبان حكم النظام السابق، وما تبقى من المصانع الوطنية «10% فقط»، فإن عملها بمستويات إنتاجية متدنية لانعدام الدعم وفقدان المواد الأولية وعدم توفر الوقود والكهرباء.
ويضيف: يفضل الكثير من المستثمرين العراقيين العمل خارج العراق بسبب عدم توفر الشروط الموضوعية لقيام صناعة وطنية عراقية، وإهمال الدولة لها، وعدم تقديم المساندة والدعم لهذا القطاع الحيوي، مما اضطر معظم الصناعيين العراقيين إلى البحث عن مجالات استثمار في الخارج، ما يعني بالتالي الفشل في استقطاب الاستثمارات الأجنبية.
عنصر حيوي
ويقول سليم شريف، صاحب مجمع «حياة مول» التجاري: بالتأكيد أن الصناعة هي عنصر حيوي ومهم لتطور الشعوب والأمم، وهي تحتاج إلى الدعم المباشر من قبل الدولة، وذلك من خلال التمويل أو القروض عن طريق المصرف الصناعي، فعلى سبيل المثال كانت الدولة عام 1979 تدعم المشاريع الصناعية بنسبة70% ، وبالإضافة إلى ذلك هناك وجه آخر من أوجه الدعم، يتمثل في بيع الدولار الأميركي للصناعيين بالسعر الرسمي، وكل تلك المؤشرات هي علامات ناضجة لبناء صناعة وطنية واعدة، ناهيك عن توفير قطع الأراضي للصناعيين وتوفير المحولات الكهربائية وربط المعامل الصناعية بخط الطوارئ وإعطائهم مولدات كهربائية وتزويدهم بمادتي الغاز والبنزين، علما بان تلك العوامل هي أسباب حقيقية لإنجاح التجربة الصناعية.
ويقول صاحب مجمع تجاري يعنى باستيراد السجاد الفاخر والمواد المنزلية الأخرى: هناك مشكلات عامة تعاني منها الصناعة الوطنية كالأمن والكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية، أما المشكلات الخاصة فتتمثل بالاستيراد غير المتقن وإغراق السوق بالسلع الرديئة وتوقف الدعم وتقادم المكائن والمعامل وكثرة العطلات فيها وندرة عمليات التأهيل والتحديث، الأمر الذي اثر بشكل سلبي في الصناعة الوطنية، فهناك معامل ومصانع ما زالت تعمل، ولكن إنتاجها اقل بكثير من المطلوب، أي اقل من جهدها الصناعي، وهذا يقود إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، في وقت اتسعت المنافسة واشتدت بسبب الانفتاح غير الطبيعي وغير المنضبط على السلع والبضائع الأجنبية، ما يجعل المنتجات الوطنية في وضع لا تستطيع منافسة مثيلاتها المستوردة التي لها كل أسباب المنافسة والمزاحمة.
مشاكل عديدة
ويقول الصناعي ناجي خلف: إن الصناعة الوطنية تعاني في الوقت الحاضر من مشكلات عديدة قادت إلى شيوع حالة من الشلل أصاب جميع قطاعاتها واختصاصاتها، ففي السابق كان اقتصاد البلد اقتصاد حرب، أما في المرحلة الراهنة فان الصناعة مثل بقية المؤسسات الأخرى تأثرت بشكل سلبي بالظروف التي رافقت عملية سقوط النظام وما بعدها.
أما هاشم حسين وهو تاجر قماش في كربلاء فيقول: إن هناك مفارقة تواجه عملنا، فبدلا من حماية المنتجات العراقية وتوفير الدعم لها وإنصاف الصناعي العراقي وتذليل الصعوبات التي تواجهه، إلا أننا نجد أن الصورة معكوسة تماما، فالرسوم والضريبة وضعت على الأقمشة الخام المستوردة، بينما رفعت هذه الضريبة والرسوم عن الملابس والمنتجات المصنعة، وهذا معناه أن التسهيلات معكوسة، تقدم للتاجر أو المنتج الأجنبي، ولا تقدم لابن البلد.
بغداد ـ عراق أحمد
