تعتبر الصناعة من النشاطات الاقتصادية المهمة في التنمية الاقتصادية لأي دولة، حيث أصبح التصنيع المرادف للتنمية، وبالتالي محور استراتيجيات الخطط الاقتصادية في الدول النامية. وانطلاقاً من أهمية التصنيع، فقد كانت التنمية الصناعية في مقدمة استراتيجيات خطط التنمية وبرامج التنمية في ليبيا منذ أكثر من ثلاثين عاماً، حيث إن النشاط الصناعي يلعب دوراً مهماً في تحقيق التحول الاقتصادي.
فقد شهد هذا القطاع في ليبيا خلال الفترة من 1970- 1988 عدة تطورات جوهرية عكست التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع الليبي مع قيام الثورة الليبية.
فقد كان النشاط الصناعي قبل عام 1969 قطاعا هامشيا في الاقتصاد الليبي فقد كان يعتمد في تنمية على المبادرات الفردية متمثلا في منشآت صناعية صغيرة.
لقد كان الهدف الأساسي للتخطيط الصناعي خلال الفترة من 1970- 1988 هو تحويل الاقتصاد الليبي إلى اقتصاد إنتاجي، ولذا تم التركيز خلال هذه الفترة إلى تنفيذ المشروعات الصناعية والاستراتيجية التي تقوم الدولة عليها من خلال استثمارات كبرى.. فقد وصل حجم الاستثمار في المجال الصناعي خلال هذه الفترة من 59 عام 1970 ليصل إلى 5133 مليون دينار عام 1988 من خلال تطوير عدد من المشروعات الصناعية، تطور الإنتاج الصناعي.
وسعت الحكومة الليبية إلى الإنفاق الاستثماري في مجال الصناعات الغذائية، والملابس والجلود، الأثاث والورق، الصناعات الكيماوية، تكرير النفط، البتروكيماويات، الاسمنت والجير، مواد البناء، الصناعات المعدنية والكهربية، الصناعات الالكترونية، المشاركة في إنشاء الصناعات، المشاركة في التعليم الصناعي والبحوث والدراسات الصناعية.
نلاحظ في ليبيا خلال هذه الفترة فقد عملت ليبيا على بناء 165 مشروعا صناعيا مرحلة الإنتاج منها 56 مشروعا تغطي الصناعات الغذائية وهي 11 مصنعا للألبان، و4 لصناعة الطحين، من أجل نتاج المكرونة والخبيز والخبز، ومصانع تنتج الخضر والفاكهة والعصائر ويبلغ عددها 15، و9 مصانع الإنتاج وتعبئة المشروبات المعدنية والغازية، وخمسة مصانع لتعليب وصيد الأسماك، ، 23 مشروع صناعة الغزل والنسيج والملابس والجلود، وعدد 13 مشروعا في الصناعات البتروكيماوية، و23 مشروعا في صناعة مواد البناء، وعدد 22 مشروعا في الصناعات المعدنية والهندسية وصناعة الأخشاب والورق، وبعدد 8 مصانع وذلك إلى جانب 20 مشروعاً صناعياً في مراحل مختلفة من التنفيذ.
وتطور الإنتاج الصناعي في ليبيا خلال الفترة من 1970-1988 من 5,17 مليونا إلى 4,655 مليونا وزاد حجم الإنفاق الاستثماري من 15 إلى 7,128 مليونا ودخل الإنتاج حوالي 388 مشروعاً صناعياً عاماً وجار تنفيذ واستكمال 74 مشروعاً وركز على سد الاحتياجات المحلية من السلع الصناعية والتصدير إن أمكن، وذلك بالاستفادة من الخامات المحلية الموجودة.
لقد أعطيت الصناعة في ليبيا فرصة في السابق لكنها لم تستفد منها فلم تتطور، وفي فترة نهاية التسعينات أخذت الصناعة في ليبيا ما يكفي من الحماية في الماضي، وقد حان الوقت لحماية الصناعة المحلية غير القادرة على منافسة المستورد حتى إذا عوملت بسعر الصرف الرسمي (أي السعر الرسمي القديم الذي كان 56,0 د.ل للدولار) والآن 25,1 د.ل. إذا كانت الصناعة المحلية غير قادرة على المنافسة حاليُا، فهي من ثم لن تكون قادرة)على مواجهة متطلبات العولمة وشروط الانضمام لمنظمة التجارة العالمية.
ويقول احد الخبراء ورجال الصناعة والاقتصاد الليبيين: إن الاقتصاد رأوه انه يجب أن يوجه أساسا نحو تطوير التجارة والسياحة. ويبدو أن هذه الآراء ووجهات النظر (أو قل هذه السهام) قد وجدت صداها عند الجهات المسؤولة فترجمتها عملياً في شكل جملة من القرارات والإجراءات التي انتهت إلى تصفية أية أمانة أو هيئة صناعية على مستوى الدولة ولنا أن نسأل الآن: من هي الجهة التي يجب أن تضع وتتابع السياسة الصناعية على مستوى ليبيا؟
وأضاف: للإجابة عن هذا السؤال نقول إن من يضع ويتابع تنفيذ السياسة الصناعية الآن أما مجلس التخطيط العام أو اللجنة الشعبية العامة أو لا أحد.
وإذا سلمنا أن مجلس التخطيط العام واللجنة الشعبية العامة هما جهتان غير متخصصتين في الصناعة، إذ هما، بالأحرى، جهتان سياديتان تراجعان وتعتمدان (بحسب اختصاص كل منهم) ما يحال إليهما من الجهات المتخصصة، فإن الإجابة أنه «لا أحد».
هذه النتيجة تعني أن المجتمع الليبي يتجه اما نحو إلغاء قطاع الصناعة أو نحو إعادة هيكلته بطريقة فيها الكثير من الظلال والضبابية قد لا تصل إلى نتيجة حسنة مما يعني إنهاء هذا القطاع أيضاً.
ولنا في ضوء ذلك أن نتساءل مرة أخرى: هل يمكن القول ان الاقتصاد الليبي ليس له المقومات التي يقيم على أساسها قطاعاً صناعياً متقدماً، ومن ثم لن تجدي المحاولة في هذا الشأن، خاصة في عصر العولمة وشروط منظمة التجارة العالمية؟ هل إلغاء قطاع الصناعة يخدم عملية التنمية الاقتصادية في ليبيا، ومن ثم يمكن القول انه لا ينبغي أن يكون للصناعة أي دور يذكر في تشكيل صورة الاقتصاد الليبي وهذا أكبر خطأ يقع فيه المخططون للبرامج وللسياسة بليبيا.
ويوضح خبير التنظيم والإدارة والاستقرار المؤسسي الليبي: الوضع الراهن للصناعة الليبية يعاني مشكلة جوهرية في ما يتعلق بالتنظيم والإدارة والاستقرار المؤسسي.
وفي ما يلي نشير بإيجاز إلى ما نقصده بهذه المشكلة: خلال العقدين الماضيين واجهت الصناعة العديد من الأشكال التنظيمية منه (أ) أمانة (الصناعات الثقيلة وأمانة الصناعات الخفيفة في مطلع الثمانينات، (ب) أمانة الاقتصاد والصناعات) أمانة الصناعة (تشمل الخفيفة والثقيلة) في عام 1986، (د) أمانة الصناعات الخفيفة وأمانة الصناعات الاستراتيجية في عام1989، (ه) أمانة الصناعة والمعادن في التسعينات، ثم أخيراً الهيئة العامة للتصنيع عام 2000 ف.
علاوة على تغيير المكان من طرابلس إلى مصراتة ثم إلى طرابلس ثم إلى مصراتة ثم إلى سرت ثم إلى مصراتة. وفي كل تغيير في الشكل التنظيمي أو في المكان تتغير القيادات الإدارية وتتجدد الملفات وتنسى البيانات والتقارير والملفات التاريخية. والآن من الصعب إيجاد توثيق لمعلومات صناعية على المستوى الكلي لفترة تزيد على بضع سنوات الأمر الذي يشكل صعوبة أما إجراء أية دراسة تحليلية في هذا الجانب.
طرابلس ـ سعيد فرحات
