تشير بعض التوقعات إلى أن روسيا ستكون في أفق عام 2020 في الصف الأول من القوى الكبرى في العالم.
مثل هذا الأفق يراه مؤلف هذا الكتاب يفجيني بريماكوف ممكنا أيضا شريطة الاستخدام الصحيح للموارد والثروات الطبيعية الوطنية. كذلك يتعلق الأمر فيما ستؤول إليه العلاقات بين الثنائي الموجود على قمة السلطة الروسية اليوم، أي الرئيس ديمتري ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين. هناك أسئلة كثيرة حول علاقتهما ولكن يبقى السؤال الجوهري هو: * هل ستحافظ روسيا معهما على النهج الإستراتيجي الذي تبنّته للقرن الحادي والعشرين؟ ـ المؤشرات الكثيرة تدل على أنهما يريدان، حتى الآن، القيام بعمل منسّق. لكن قد يحاول المحيطون بهما زرع بذور الشقاق. لقد أكدا حرصهما على زيادة مساهمة الدولة في تطوير الاقتصاد وبضرورة إعداد خطط لتنفيذها على المدى الطويل. هذا مع الاستفادة من زيادة أسعار موارد الطاقة رغم الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية الراهنة.
* ويتم التأكيد أن روسيا ليست ديمقراطية على الطريقة الغربية، وليست دكتاتورية كما يصفها الغربيون. نشرت وزارة التنمية الاقتصادية في روسيا خلال شهر مارس من عام 2008 وثيقة تحت عنوان: «مفهوم التنمية الاجتماعية ـ الاقتصادية على المدى الطويل للفيدرالية الروسية ـ روسيا». وترتقب هذه الوثيقة أن تصبح روسيا في أفق عام 2020 «زعيمة على مستوى الاقتصاد العالمي» و«ستكون على رأس الدول المجددة في العالم» و«ستبلغ معايير الرفاهية السائدة في البلدان المتقدمة». ويشير مؤلف الكتاب يفجيني بريماكوف إلى أنه دون الانضواء في إطار منطق التوقعات المفرطة في طموحاتها، يمكن مع ذلك القول بثقة أنه إذا استخدمت روسيا بشكل صحيح مواردها الطبيعية والفكرية الهائلة وحافظت بتصميم على النهج الإستراتيجي الذي تبنّته وتابعت النضال الحاسم ضد الشرور التي تعيق تقدّم البلاد، فإنها سوف تكون دون شك أحد المراكز الرئيسية في عالم متعدد الأقطاب. ويضيف بريماكوف أن أولئك الذين يقللون اليوم من قيمة إمكانياتها سيكون عليهم أولا التنبّه لإنجازاتها الاقتصادية.
الثنائي بوتين، ميدفيديف
بعد انتخاب ديمتري ميدفيديف رئيسا لروسيا وتعيين فلاديمير بوتين رئيسا للوزراء تركّزت الأسئلة حول مستقبل روسيا على العلاقة بين هذا الثنائي. فمن سيكون بينهما القائد، وهل سيتفاهمان وهل سيحتفظ الرئيس بجميع سلطاته الدستورية أو هل ستنتقل لرئيس الوزراء؟
ويرى بريماكوف أن الحياة تقدم، كما يبدو، الإجابة على هذه الأسئلة عبر السؤال التالي:
هل ستحافظ روسيا على النهج الإستراتيجي الذي تبنّته للقرن الحادي والعشرين؟
وإذا كانت الإجابة هي «نعم»، هل سيتم التركيز على حل المشاكل العالقة.. وهل سيتم تقديم الجهود الكافية من أجل تصحيح الأخطاء المرتكبة؟
المهم أولا، كما يقول المؤلف، هو استمرار دعم القسم الأكبر من الروس.
ثم يشير إلى أن ترشيح ميدفيديف لم يأت من الخارج ولكن بوتين هو الذي اختاره. وكان يستطيع أن يحافظ على الرئاسة بواسطة أغلبيته في البرلمان الروسي.. الدوما.. عبر تعديل الدستور بحيث يستمر لفترة رئاسية ثالثة.
ومع تولّي بوتين لرئاسة الحكومة أصبح أيضا رئيس الحزب الحائز على الأغلبية البرلمانية. إنه يسيطر إذن على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
لكن الرئيس ميدفيديف، كما بدا بعد انتخابه مباشرة لن يشغل منصبا كالذي تشغله ملكة بريطانيا. إنه يحافظ واقعيا على صلاحيات السلطة العليا في روسيا.
هذه هي صورة السلطة القادرة على ضمان استمرار التوجّه الذي جرى اختياره. وهناك النخب السياسية التي يوحّدها إخلاصها لشخص واحد.
مخاوف من الشقاق
ضمن مثل هذه الظروف ليس مستبعدا أن يحاول أولئك الذين يحيطون بميدفيديف وببوتين زرع الشقاق بينهما رغم تطلعهما إلى العمل بالتنسيق المشترك.
ومما يثير الحذر أشكال النقد التي ظهرت في الصحافة حيال بوتين.
إن مؤلفي هذه المقالات والمسؤولين عن الصحف التي نشرتها الذين كانوا قد آثروا الصحف أثناء رئاسة بوتين يحاولون الآن جذب انتباه رئيس الدولة الجديد.
ويرى بريماكوف أنه من غير المحتمل أن يؤدي هذا إلى إنهاء التوجّه المعتمد الذي أصبح ضرورة واضحة بالنسبة لروسيا. المهم أن يستمر على صعيد الاقتصاد السير نحو قواعد السوق. ومن الممكن أنه لا تزال هناك مجموعات صغيرة تحنّ إلى دولة كبرى «اتحاد سوفييتي» والعودة بروسيا إلى الاقتصاد المخطط. لكنها تفتقر إلى من يحميها خارج روسيا.
لكن يبقى هناك خطر المجموعات التي تسلّقت حول السلطة خلال عدة سنوات وجنت ثروات هائلة عبر سبل غير تجارية وقائمة على العلاقات مع أركان الدولة ومع عائلة رئيسها، أي بوريس يلتسين.
وعندما وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000 كان من المستحيل إنهاء دور الأثرياء الجدد مباشرة دون خلخلة الاقتصاد وهو استقرار الدولة سياسيا.
هكذا اختار قادة روسيا أمام ذلك الوضع.. المحافظة على الشروط الاقتصادية القائمة، مع فرض واجبات جديدة على محتكري المواد الأولية مثل دفع الضرائب بصورة صحيحة وزيادة أجور العاملين عندهم ومنعهم من التدخل بالسياسة وعدم إفساد المجتمع عبر وضع ممثلين لمصالحهم في جميع بنى السلطة.
تعاظم دور الدولة
وكانت السمة الغالبة خلال السنوات الأخيرة من رئاسة بوريس بوتين هي تعاظم مساهمة الدولة في تطوير الاقتصاد الحقيقي. وجرى تأسيس «صندوق للاستثمار» اعتمادا على ميزانية الدولة وبدعم من الرئيس. وتمّ ترجيح خط مساهمة الدولة في الاقتصاد. لكن جرت بنفس الوقت المحافظة على ضبط الإيقاع مع الاقتصاد العالمي والحد من التضخم وتعزيز «الروبل» وزيادة الاحتياطات من الذهب ومن العملات الصعبة.
وحرصت القيادة الجديدة.. ميدفيديف وبوتين.. منذ البداية على زيادة الانتباه لفعالية استثمارات الدولة وتحسين نظام التنفيذ لدى الموظفين في مختلف المراتب والمستويات.
وسوف يبيّن الزمن القادم إذا كانت ستتم متابعة هذا النهج كما ينبغي، خاصة في ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية.
بكل الحالات.. جرى للمرة الأولى منذ الإصلاحات الجوهرية لآليات عمل السوق.. الاعتراف بضرورة إعداد خطة طويلة الأمد للتنمية الاجتماعية ـ الاقتصادية للبلاد. كما بدا واضحا للجميع أن الحقبة تستدعي بالضرورة انتهاج سبيل التجديد كمدخل وحيد أمام الاقتصاد الروسي للقدرة على المنافسة والتجديد في مختلف القطاعات. هذا مع التأكيد على ضرورة توجيه سياسة الدولة نحو تدعيم استقرار الشركات الصغيرة والمتوسطة وتدعيم قدرتها على المنافسة.
وبفضل زيادة أسعار المواد الأولية، وخاصة البترول والغاز، وللمرة الأولى في تاريخ الاتحاد السوفييتي وروسيا.. قاربت الاحتياطيات من الذهب والعملات الصعبة مبلغ 600 مليار دولار. كان ذلك في منتصف عام 2008، أي في بداية الصعوبات المالية الناجمة عن الأزمة العالمية. وبالتالي زادت الميزانيات المكرّسة للطرق والمرافق العامة ومختلف البنى الأساسية.
لكن كان للأزمة المالية نتائجها، إذ عانى القطاع الاقتصادي الحقيقي من نقص في إمكانيات الاستثمار ولدفع ديونه. واستفادت بعض البنوك الخاصة من الاعتمادات التي قدّمتها لها بنوك الدولة من أجل تقديم قروض لهذا القطاع إذ حوّلت الأموال العامة إلى عملات صعبة وأخرجتها من البلاد. وقد استدعى ذلك فرض الدولة لإجراءات جديدة.
لكن ميدفيديف وبوتين يتفقان على أنه لا ينبغي أن تكون إجراءات مكافحة الأزمة المالية على حساب تحسين مستوى المواطنين الروس. هكذا غدا الاقتصاد الروسي موجّها اجتماعيا.
ديمقراطية أم دكتاتورية؟
ديمقراطية أم دكتاتورية..هذه المعضلة ليست مطروحة على روسيا، كما يؤكد بريماكوف.. وهذان المفهومان لهما تفسير خاص فيها. وتتم الإشارة هنا إلى أن كُثر في الغرب يعتقدون أن تعزيز النضال من أجل فرض النظام والاستقرار في روسيا والمحافظة على وحدة البلاد يذهب في اتجاه معاكس للديمقراطية.
هذا وكما لو أن الفوضى والصدامات بين المجموعات الاتنية والنزعات الانفصالية يمكن أن تؤدي بالمجتمع إلى السبيل الديمقراطي.
ويرى بريماكوف أن الزمن أثبت صحة الإجراءات التي تمّ اتخاذها من قبل الدولة الروسية في القوقاز.
ويشير بريماكوف أيضا إلى أن عددا من قادة الغرب يعتبرون أن روسيا تغدو ديمقراطية إذا اختارت النموذج «الموديل» الأميركي للديمقراطية، أو «الموديل» الأوروبي الغربي. لكن روسيا، وكرد فعل «مفهوم وعادل» على مثل هذه الآراء، تبنّت ما يسميه المؤلف ب«الديمقراطية السيادية» التي تعاني، برأيه أيضا، من عدة نقاط ضعف. وليس أقلها تنشيط النزعات القومية إلى درجة «كره الآخر». وهناك خلط أيضا بين «الديمقراطية السيادية» و«الدولة السيادية». البعض يدفع هذه المقولة الثانية إلى حد محاولة فصل روسيا عن العولمة وعن تدويل النشاطات الاقتصادية وعن التقارب بين مختلف الحضارات.
لكن بالمقابل يرى بريماكوف أن توصيف روسيا بالدكتاتورية بعيد عن الواقع.
ولا يمكن إطلاق هذا الوصف على تدعيم الدولة ووظائفها خاصة في المرحلة الانتقالية نحو اقتصاد السوق. ثم «إن دولة نشيطة وقوية لن تتحوّل أبدا إلى دكتاتورية. فالدكتاتورية تأتي دائما على خلفية سلطة ضعيفة وعاجزة»، كما ينقل المؤلف عن الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت. وروسيا بحاجة إلى دولة قوية ليس من أجل خلق الشروط الضرورية لتشجيع المسار الإستراتيجي الذي انتهجته البلاد فحسب، لكن أيضا للوقاية من محاولات الرجوع إلى الوراء.
وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أنه جرى «سحق» محاولة تحويل السلطة لتصبح أداة بيد الأثرياء الجدد. لكن هذا لا يعني أن أولئك اللبراليين المزعومين قد تخلّوا عن طموحهم في العودة بالبلاد إلى الحقبة التي كانوا يسيطرون فيها عليها، أي خلال سنوات التسعينات السابقة.
ويحدد المؤلف أحد الأوراق الرابحة بيد روسيا في كون أن ميدفيديف قد ركّز مباشرة على مكافحة الفساد. ونظرا لأبعاد هذا الفساد ينبغي أن لا تقتصر مكافحته على فترة مؤقتة.
وبالطبع يرتبط النجاح في التصدي لفاسدين يحتلون مناصب عليا. هذا هو المعيار على جدية محاربة الفساد.
المؤلف في سطور
شغل يفجيني بريماكوف مؤلف هذا الكتاب، منصب رئيس وزراء روسيا ووزير خارجيتها وكان قد ترأس مجلس السوفييت الأعلى في عصر الاتحاد السوفييتي. وعمل مديرا لجهاز الاستخبارات السوفييتي.
ويعمل الآن رئيسا لغرفة تجارة وصناعة روسيا وهو أحد أعضاء مجلس رئاسة أكاديمية العلوم الروسية.
وعلى الصعيد الأكاديمي، كان ايفجيني بريماكوف مديرا لمعهد الدراسات الشرقية ولمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو. وهو يتابع نشاطاته العلمية والسياسية على مختلف الأصعدة.
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2009
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف


